بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 220

فسر إلينا نكن ثرّيا ... وادخل إلينا بغير إذن
ولا تدعنا نئنّ شوقاً ... ولا تقل للرسول إنّي
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
أبياتك الغرّ قد أتتني ... فشرّفتني وشنفّتني
شعرك فيها ظريف لفظٍ ... لطيف معنىً خفيف وزن
قد أثقلت كاهلي بشكرٍ ... فكلّ متني إذ كلّمتني
فإن أفز بالمثول فيكم ... فإنه غاية التمنّي
وإن تخلّفت عن حماكم ... يا طول دقّي في الجرن حزني
وكتب هو إلي وقد توالت الأمطار والثلوج في العشر الآواخر من رمضان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة: كيف مولانا ألحف الله ظله، وأرشف طله ووبله، وحمل على أعناق الأيام كله، وجعل مثله السحاب الجود ولا أعرف مثله، وضاهى برزقه هذا الغيث الواقع على خلاف القياس كله، فإن هذا اليوم قد عزز الصّنى والصنبر وعجز الصبر وعزى سكان الأجداث بالأحياء فكل بيت قبر:
يومٌ كأن سماءه ... حجبت بأجنحة الفواخت
جاء الطوفان والبحر المحيط، وجاب الصخر بوادي الربوة دم سيله العبيط، وجال في وجه البسيطة حياؤه فما انبسطت الخواطر بجوهره البسيط، أخفت النجوم في ليله، واطلع الحي القيوم على زنته الراجحة وكيله، وتراكمت سحبه الساترة فضاء الأفق بفضل ذيله، وأجلب على الوهاد والربا برجله الطامة وخيله، فكأنما وهت عرى ذلك الزمهرير فهبط، أو هيض جناح السحاب الجون فسقط، أو حل سلك النحوم الزاهر ففرط جوهر ذلك القطر لما انفرط، فالجدران لهيبته مطرقة، والعمران قد


صفحه 221

تداعت ولا يقيل البناء جموعها المتفرقه، والطرق قد شرقت بالسيول فلا تنطق آثارها المغربة ولا المشرقه، وقد قص جناح الارتكاض، وحصت قوادمه، فما تنهض وعظمه مهتاض، والسيل قد بلغ الزبا، وسوى بين الوهاد المتطامنة والربا، وبكت السقوف بعيون الدلف، وحملها المطر بيده العادية على خطه خسف، واستدل لها بمنطق الرعد على أن قدامها الخير، فقالت: هذا خلف، وشهر الصوم قد بلغ غايته، وعيد الفطر قد نصب رايته، وتلا آيته، وطلب من الموسر والمعسر كفايته، فأعاذ الله مولانا من الطلب فيه، ولا ألجأه إلى السعي لابتغاء فضل الله إلا بفيه، بمنه وكرمه.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك: العجب من سؤال مولانا عن المملوك كيف حاله، وعنده علم هذا العناء الذي نصب على الأين والنصب تمييزه وحاله، وهي حال أبي الطيب، وما علم ابن منصور بها، ولو علم استعمل التباله. أما ترى هذا النوء الذي ذم نواله وحمد نواه، وأذهل الصائم عن صومه، فما بيت أمره ولا نواه وشغله من حسه فما يدري أفطر على تمرة أم نواه؟، قد هال الجبال أمره، فشابت من الفرق إلى القدم، وغمرت سيوله الأباطح والربا، ولكن من الزيادة بدم، كيف يهنأ العيش وبروق الجو سيوف تخترط، ونفس هذه الرعود يخرج بعدما حبس في حشا السحاب وانضغط، وإلحاح سائل هذا المطر، فلو كان قطره دراً لما مدّ الفقير إليه يداً ولا التقط، وتوالي هذه الغيوث التي لو عاينها ابن هانىء لما قال:


صفحه 222

ألؤلؤٌ دمع هذا الغيث أم نقط
كأن الأيام قواف اندمجت في الليل، أو النجوم أقاح ولكن غطاها تراكم السحاب بالذيل، أو كأن الله جعل الزمان سرمداً، فما يتعاقب فيه شمس ولا قمر، ولا تصفو لجة الأفق بضوء ولا ترميها الدياجي بكدر؛ قد تزاحمت الغياهب على المواقيت بالمناكب وجهلت المدد فيا وحشتا لحاجب الشمس ومحيا القمر وعيون الكواكب، أكل هذا تشريع تشرين، وشره شره الذي نتجرع من أمره الأمرين، وشهرة شهره، فيا أيام كانون إذا جئت ماذا تبيعين وتشرين، أما المساكن فأهلها مساكين، وأفواههم من الحزن مطبقة فما تفتحها السكاكين، قد انتبذ كل منهم زاوية من داره، وتداخل بعض في بعض لتضمه بقعة على مقداره، هرباً من توقيع أكف الوكف، وخوفاً من ركوع الجدار وسجود السقف، وما يعتقد المملوك أن في كانون هذه الجمرات، ولا أن ساباط سباط وأذى آذار يرمي القلوب بهذه الحسرات، وتمام التعثير في الركوب إلى دار السعادة، والكتابة التي صارت في هذا الزمان زيادةً في نقص السيادة، واتساع هذه الأهوال، وضيق ذات اليد مضاف إلى ضيق النفوس، وبصاق هذا الثلج في وجه الضاحك منا والعبوس، وسكر هذه الميازيب التي لا تبوك إلا على الرؤوس، وأشغال الديوان التي تكاثر المطر، ولا تبلغ الغاية من الوطر، فنحن من الديوان في جامعة لا جامع، وباب البريد على عدد الساعات ودقه هامع وبرقه لامع، لا يفتر وروده، ولا يزال يصل حديده، وتصل وفوده، وكل كتاب يصل معه يتفرع منه


صفحه 223

إشغال عدد حروفه، وتطلب في الوقت الحاضر، فلو كانت بالطابع لانهارت جوانب حروفه، وصاحب الديوان في تنفيذ أسرع من هذه البروق، وأنفذ من السهم في القضاء الذي ليس فيه ما يصد ولا ما يعوق، فهو إذا دبر المهمات نجز، ودمر العداة، وجنز، وهذا العيد أقبل، وما لنا بتكاليفه قبل، وكل من يختص بشيء منها يلحظك بطرف متخازر كأنهما به قبل، والاستعانة بالله على هذه الشرور التي اتصلت نقط خطها، والفرار إليه من هذه الخطوب التي نعجز عن شيل سيلها وحد حطها، والله يرزق مولانا وإيانا حلاوة الصبر، ويجعل العدو بين جانحتي قبر، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت له توقيعاً لما دخل ديوان الإنشاء، لوحت فيه في غير موضع بلقب كان يلقب به، ونسخته في الجزء السادس والعشرين من التذكرة التي لي، وكتبت له أيضاً توقيعاً بنظر قمامة.
وبيني وبينه مكاتبات وبداءات ومراجعات نظماً ونثراً، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ثغر من قد هويته يهدي ... في ظلام الدجنّة الحالك
بالثريّا شبّهته ظلماً ... والثريا أقلّ من ذلك
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوى ... تصفية الكاسات في شواربي


صفحه 224

وأنشدني من لفظه لنفسه:
أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهةٍ ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من يلوم في التصابي خلنّي ... فأذني عن الملام قد نبت
تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطّة حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنها ... دويهيةٌ تصفرّ منها الأنامل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
شممت نسيم زهر الّلوز لمّا ... خرجنا بكرةً ننفي السجونا
فتحت الدوح شاهدنا بدوراً ... وفي أعلاه عاينّا غصونا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه


صفحه 225

رأى البدر يحكي وجهه وهو سافرٌ ... فحمّله من جوره فوق طوقه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصّبا ... فقد أصبحت حسرى من السير ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعبٍ أنفاسها متتابعه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غصنٌ رشيق القدّ لان معاطفاً ... نشوى وبالشّعر المرّجل أورقا
وبمثل بدر التّمّ أينع فانظروا ... هذا القوام أجلّ أم غصن النّقا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا صاحباً ما زال من إنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطّعت فرجيّتني حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي
وكان يوماً هو والشيخ محمد الغزي جالسين في الجامع الأموي، عند الشيخ جمال الدين محمد بن نباته، وكل يذكر مساوئ صاحبه، وينشد هجوه فيه. فقال بدر الدين الغزي: لا قلت أنا، ولا قلت أنت، في هذه الساعة ننظم بديهاً يكون هجواً، وأطرق قليلاً ثم أنشد:
يا بن أبي طرطور خلّ الهجا ... وخذ كلاماً راق في حسنه
أنا وأنت اثنان كلٌّ غدا ... منا يروم الفضل في فنّه
فواحد يكذب في قوله ... وآخر يكذب في ذقنه


صفحه 226

وأنشدني من لفظه لنفسه موشحةً عارض بها موشحة ابن سناء الملك المشهورة، وأجاد:
أذكى الهوى وهاجه برد اللمى ... في ثغر ريم مايس القدّ
يحميه أن أرومه لحظٌ أرى ... فرط الفتور سيفه الهندي
ظبيٌ رمى فؤادي ... من لحظه بسهم
وقد حمى رقادي ... لمّا أباح سقمي
فالطرف للسّهاد ... وللسّقام جسمي
واعجب من انقيادي ... إليه وهو خصمي
لكنّها اللّجاجه ترمي بها ... عقل الحليم سورة الوجد
إياك أن تلومه فاللوم في ... هذي الأمور قلّما يجدي
أفديه ظبي أُنس ... ألمى الشفاه أحوى
حشاشتي ونفسي ... مرعى له ومثوى
كذّبت فيه حسّي ... إذ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسي ... عند العناق يطوى
يا حسن الاندماجه في خصره ... المضنى السقيم وهو في البرد
والقامة القويمه بالخّد ... كالغصن النضير ناضر الورد
لله منه طرف ... يدمي القلوب لحظا
ووجنة تشفّ ... ولا تنيل حظّا
يرقّ إذ يرفّ ... قلبي لها ليحظى
تريك حين تصفو ... جسماً يخال فظّا


صفحه 227

كالراح في الزجاجه تزهى بها ... كف النديم عندما تبدي
أشعةً عظيمه تندى إذا ... شيمت وتوري جذوةً تهدي
يا لوعة الغرام ... زيدي ويا جفوني
بأدمعي الهوامي ... جودي ولا تخوني
فهتف الحمام ... قد هيّجت شجوني
وكلّ مستهام ... مستأنف الحنين
لا تنكر انزعاجه للبرق في ... الليل البهيم مقلة تهدي
إلى الحشا السليمه خفقاً ... أباتته سميري ليلة الصّد
دع ذا وقل مديحا ... في أحمد بن يحيى
من لم يزل مزيحا ... أعذار كلّ عليا
منتسباً صريحا ... آخرة ودنيا
تخال من يوحى ... في الدست حسن رؤيا
إذا أرى ابتهاجه للجود ... والداعي المضيم ساعة الجهد
فالكف منه ديمه والوجه ... شمسٌ ذات نور في سما المجد
للسّر منه حصن ... على الورى مطلّ
ليست به تظنّ ... عوراء تستدلّ
غاراته تشنّ ... على العدى فتبلو
أخبارهم ويعنو ... منهم لها الأجلّ
فمن رأى هياجه سوّاه ... بالليث الكليم وهو في السّرد
ونفسه الكريمه في السلم ... كالغيث المطير ساعة الرّفد