بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 223

إشغال عدد حروفه، وتطلب في الوقت الحاضر، فلو كانت بالطابع لانهارت جوانب حروفه، وصاحب الديوان في تنفيذ أسرع من هذه البروق، وأنفذ من السهم في القضاء الذي ليس فيه ما يصد ولا ما يعوق، فهو إذا دبر المهمات نجز، ودمر العداة، وجنز، وهذا العيد أقبل، وما لنا بتكاليفه قبل، وكل من يختص بشيء منها يلحظك بطرف متخازر كأنهما به قبل، والاستعانة بالله على هذه الشرور التي اتصلت نقط خطها، والفرار إليه من هذه الخطوب التي نعجز عن شيل سيلها وحد حطها، والله يرزق مولانا وإيانا حلاوة الصبر، ويجعل العدو بين جانحتي قبر، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت له توقيعاً لما دخل ديوان الإنشاء، لوحت فيه في غير موضع بلقب كان يلقب به، ونسخته في الجزء السادس والعشرين من التذكرة التي لي، وكتبت له أيضاً توقيعاً بنظر قمامة.
وبيني وبينه مكاتبات وبداءات ومراجعات نظماً ونثراً، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
ثغر من قد هويته يهدي ... في ظلام الدجنّة الحالك
بالثريّا شبّهته ظلماً ... والثريا أقلّ من ذلك
وأنشدني من لفظه لنفسه:
أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب
ما نلت من تضييع موجودي سوى ... تصفية الكاسات في شواربي


صفحه 224

وأنشدني من لفظه لنفسه:
أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرّاووق لمّا انسكبت
لم تزل البطّة في قهقهةٍ ... ما بيننا تضحك حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من يلوم في التصابي خلنّي ... فأذني عن الملام قد نبت
تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطّة حتى انقلبت
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءها ... أكفّ الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنها ... دويهيةٌ تصفرّ منها الأنامل
وأنشدني من لفظه لنفسه:
شممت نسيم زهر الّلوز لمّا ... خرجنا بكرةً ننفي السجونا
فتحت الدوح شاهدنا بدوراً ... وفي أعلاه عاينّا غصونا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأهيف كالغصن المرنّح شاقني ... فطار إليه القلب من فرط شوقه


صفحه 225

رأى البدر يحكي وجهه وهو سافرٌ ... فحمّله من جوره فوق طوقه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
سرت من بعيد الدار لي نسمة الصّبا ... فقد أصبحت حسرى من السير ظالعه
ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعبٍ أنفاسها متتابعه
وأنشدني من لفظه لنفسه:
غصنٌ رشيق القدّ لان معاطفاً ... نشوى وبالشّعر المرّجل أورقا
وبمثل بدر التّمّ أينع فانظروا ... هذا القوام أجلّ أم غصن النّقا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا صاحباً ما زال من إنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي
قد قطّعت فرجيّتني حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي
وكان يوماً هو والشيخ محمد الغزي جالسين في الجامع الأموي، عند الشيخ جمال الدين محمد بن نباته، وكل يذكر مساوئ صاحبه، وينشد هجوه فيه. فقال بدر الدين الغزي: لا قلت أنا، ولا قلت أنت، في هذه الساعة ننظم بديهاً يكون هجواً، وأطرق قليلاً ثم أنشد:
يا بن أبي طرطور خلّ الهجا ... وخذ كلاماً راق في حسنه
أنا وأنت اثنان كلٌّ غدا ... منا يروم الفضل في فنّه
فواحد يكذب في قوله ... وآخر يكذب في ذقنه


صفحه 226

وأنشدني من لفظه لنفسه موشحةً عارض بها موشحة ابن سناء الملك المشهورة، وأجاد:
أذكى الهوى وهاجه برد اللمى ... في ثغر ريم مايس القدّ
يحميه أن أرومه لحظٌ أرى ... فرط الفتور سيفه الهندي
ظبيٌ رمى فؤادي ... من لحظه بسهم
وقد حمى رقادي ... لمّا أباح سقمي
فالطرف للسّهاد ... وللسّقام جسمي
واعجب من انقيادي ... إليه وهو خصمي
لكنّها اللّجاجه ترمي بها ... عقل الحليم سورة الوجد
إياك أن تلومه فاللوم في ... هذي الأمور قلّما يجدي
أفديه ظبي أُنس ... ألمى الشفاه أحوى
حشاشتي ونفسي ... مرعى له ومثوى
كذّبت فيه حسّي ... إذ لم تلنه شكوى
وجسمه بلمسي ... عند العناق يطوى
يا حسن الاندماجه في خصره ... المضنى السقيم وهو في البرد
والقامة القويمه بالخّد ... كالغصن النضير ناضر الورد
لله منه طرف ... يدمي القلوب لحظا
ووجنة تشفّ ... ولا تنيل حظّا
يرقّ إذ يرفّ ... قلبي لها ليحظى
تريك حين تصفو ... جسماً يخال فظّا


صفحه 227

كالراح في الزجاجه تزهى بها ... كف النديم عندما تبدي
أشعةً عظيمه تندى إذا ... شيمت وتوري جذوةً تهدي
يا لوعة الغرام ... زيدي ويا جفوني
بأدمعي الهوامي ... جودي ولا تخوني
فهتف الحمام ... قد هيّجت شجوني
وكلّ مستهام ... مستأنف الحنين
لا تنكر انزعاجه للبرق في ... الليل البهيم مقلة تهدي
إلى الحشا السليمه خفقاً ... أباتته سميري ليلة الصّد
دع ذا وقل مديحا ... في أحمد بن يحيى
من لم يزل مزيحا ... أعذار كلّ عليا
منتسباً صريحا ... آخرة ودنيا
تخال من يوحى ... في الدست حسن رؤيا
إذا أرى ابتهاجه للجود ... والداعي المضيم ساعة الجهد
فالكف منه ديمه والوجه ... شمسٌ ذات نور في سما المجد
للسّر منه حصن ... على الورى مطلّ
ليست به تظنّ ... عوراء تستدلّ
غاراته تشنّ ... على العدى فتبلو
أخبارهم ويعنو ... منهم لها الأجلّ
فمن رأى هياجه سوّاه ... بالليث الكليم وهو في السّرد
ونفسه الكريمه في السلم ... كالغيث المطير ساعة الرّفد


صفحه 228

وغادةٍ ثنتني ... أعطافها الرشاق
لكنّها أرتني ... أن الدّما تراق
بالصدّ والتجني ... وبعدها الفراق
قالت فرغت عني ... والصحبة اتفاق
فقلت بانحراجه يا ست خليني ... بشوم وأنجزي وعدي
قالت أنا مقيمه فاعمل وهت لي ... قلت زودي فالذهب عندي

حسن بن عمر بن عيسى بن خليل الكردي
الشيخ أبو علي مسند الديار المصرية في آخر عمره.
سمع حضوراً من ابن اللتي مسند الدارمي ومسند عبد بن حميد وجزء أبي الجهم والمئة السريجية، وغير ذلك. وسمع من مكرم بن أبي الصقر الموطأ، وسمع من السخاوي، وقرأ القرآن على السخاوي، ثم إنه انتقل إلى مصر وسكن الجيزة، وكان يؤذن ويبيع الورق على باب الجامع ولم يعرفه أحد، وكان بيده ثبت فظهر أمره في سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وفرح به أناس، وأخذوا عنه، ثم إنه ثقل سمعه فشق السماع عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة عشرين وسبع مئة.
ومولده تقريباً سنة ثلاثين وست مئة.


صفحه 229

حسن بن عمر الصاحب بدر الدين
ناظر الخاص بدمشق المعروف بابن النابلسي.
كان في وقت قد باشر نظر الخاص بالقاهرة في أواخر أيام الملك الناصر حسن دون الشهر، ولما طلب الإقالة الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي شاكر من دمشق أجيب إلى سؤاله، ورسم للصاحب بدر الدين بن النابلسي فوصل إلى دمشق في ثاني عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وباشر دمشق. فما أحمد الناس مباشرته. وكان يدعي أنه فقيه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وأقام بدمشق إلى أن عزل بالصاحب سعد الدين بن التاج إسحاق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.
وأقام في بيته بطالاً بدمشق مدة تزيد على الشهرين، ثم طلب إلى مصر فتوجه إليها.
وتوفي هناك في طاعون مصر سنة أربع وستين.
وكان قد رسم له في وقت بكتابه الإصطبلات بمصر ناظراً. وكان الأمير سيف الدين بكتمر المومني يومئذ أمير آخور كبير، فقيل له: إن هذا أحمق كبير وما أنت قدره، فلما حضر إليه بالخلعة عراه إياها، ورسم بقتله بالمقارع وسأله عن قضايا - نزهت هذا الكتاب عن ذكرها لفحشها - فامتنع، ثم إنه أقر له بها، فألبسه الخلعة واستمر به.
وأنشدني من لا اسمي فيه:


صفحه 230

قل لهذا الصاحب المولى الذي ... سار فينا سيرةً لم تحسن
أنت فينا كافر النّفس فقل ... أحسن الله خلاص المومني

الحسن بن محمد بن هبة الله
شرف الدين قطنبه، بضم القاف والطاء المهملة وسكون النون وبعدها باء ثانية الحروف وبعدها هاء: الأصفوني.
كان شاعراً كثير المجون، عذب الينبوع بري من الأجون، ربي بأصفون، ولم يكن بين الصفا والحجون، كثير التنديب، غزير التذريب، مقبول المحيا، من رآه خدمه وحيا، ظريف الحركات، يكون في الدرجات، وينحط منها إلى الدركات.
كان معاصره نبيه الدين عبد المنعم الشاعر، وهو أيضاً ماجن ظريف، قادر على التلعب بالكلام والتصريف، تدور بينهما محاورات ومفارقات ومحاورات أشهى من نقائض جرير والفرزدق، وأسح من الغمام الصيب وأغدق، وكانا يشبهان بالجزار والوراق، وللزمان بوجودها ضياء وإشراق.
ولم يزل قطنبة على حاله إلى أن جاءه ما لا له به قبل، وكسر فخارته الذي سوى طينها وجبل.
وتوفي رحمه الله تعالى....
صلى قطنبة هذا صلاة عيد الأضحى، وإلى جانبه آخر فلما ذكر الخطيب قصة الذبيح بكى ذلك الشخص زماناً طويلاً، فالتفت إليه قطنبة، وقال له: ما هذا البكاء الطويل؟ أما سمعته وهو يقول في العام الماضي إنه سلم وما أصابه بشيء.