حسن بن عمر الصاحب بدر الدين
ناظر الخاص بدمشق المعروف بابن النابلسي.
كان في وقت قد باشر نظر الخاص بالقاهرة في أواخر أيام الملك الناصر حسن دون الشهر، ولما طلب الإقالة الصاحب تاج الدين موسى بن علم الدين أبي شاكر من دمشق أجيب إلى سؤاله، ورسم للصاحب بدر الدين بن النابلسي فوصل إلى دمشق في ثاني عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وباشر دمشق. فما أحمد الناس مباشرته. وكان يدعي أنه فقيه على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وأقام بدمشق إلى أن عزل بالصاحب سعد الدين بن التاج إسحاق في أوائل شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مئة.
وأقام في بيته بطالاً بدمشق مدة تزيد على الشهرين، ثم طلب إلى مصر فتوجه إليها.
وتوفي هناك في طاعون مصر سنة أربع وستين.
وكان قد رسم له في وقت بكتابه الإصطبلات بمصر ناظراً. وكان الأمير سيف الدين بكتمر المومني يومئذ أمير آخور كبير، فقيل له: إن هذا أحمق كبير وما أنت قدره، فلما حضر إليه بالخلعة عراه إياها، ورسم بقتله بالمقارع وسأله عن قضايا - نزهت هذا الكتاب عن ذكرها لفحشها - فامتنع، ثم إنه أقر له بها، فألبسه الخلعة واستمر به.
وأنشدني من لا اسمي فيه:
قل لهذا الصاحب المولى الذي ... سار فينا سيرةً لم تحسن
أنت فينا كافر النّفس فقل ... أحسن الله خلاص المومني
الحسن بن محمد بن هبة الله
شرف الدين قطنبه، بضم القاف والطاء المهملة وسكون النون وبعدها باء ثانية الحروف وبعدها هاء: الأصفوني.
كان شاعراً كثير المجون، عذب الينبوع بري من الأجون، ربي بأصفون، ولم يكن بين الصفا والحجون، كثير التنديب، غزير التذريب، مقبول المحيا، من رآه خدمه وحيا، ظريف الحركات، يكون في الدرجات، وينحط منها إلى الدركات.
كان معاصره نبيه الدين عبد المنعم الشاعر، وهو أيضاً ماجن ظريف، قادر على التلعب بالكلام والتصريف، تدور بينهما محاورات ومفارقات ومحاورات أشهى من نقائض جرير والفرزدق، وأسح من الغمام الصيب وأغدق، وكانا يشبهان بالجزار والوراق، وللزمان بوجودها ضياء وإشراق.
ولم يزل قطنبة على حاله إلى أن جاءه ما لا له به قبل، وكسر فخارته الذي سوى طينها وجبل.
وتوفي رحمه الله تعالى....
صلى قطنبة هذا صلاة عيد الأضحى، وإلى جانبه آخر فلما ذكر الخطيب قصة الذبيح بكى ذلك الشخص زماناً طويلاً، فالتفت إليه قطنبة، وقال له: ما هذا البكاء الطويل؟ أما سمعته وهو يقول في العام الماضي إنه سلم وما أصابه بشيء.
واتفق مرة أن وقع بينه وبين أهل بلده، وحضر الأمير علاء الدين خزندار والي قوص وإخميم فقصد شكواهم، فدخلوا عليه فلم يرجع، وكان مع الوالي شمس الدين الآمدي الناظر. وكان شيعياً، فلما حضروا عند الأمير قفز قطنبة وقال: يا آل أبي بكر، واغتاظ الناظر، وأنشد قطنبة:
حديث جرى يا مالك الرقّ واشتهر ... بأصفون مأوى كلّ من ضلّ أو كفر
لهم منهم داعٍ كتيسٍ معمّمٍ ... وحسبك من تيسٍ تولّى على بقر
ومن نحسهم لا كثّر الله منهم ... يسبّ أبو بكر ولا يشتهى عمر
فخذ ما لهم لا تختشي من مآلهم ... فإن مآل الكافرين إلى سقر
فقال له الناظر: أنت تشاور، ما أنت منهم؟ وصرفهم فما حصل له قصده، فقالوا له: ما قلنا لك نصطلح معك ما فعلت. فقال: أنا ما عرفت أن هذا المشؤوم منكم.
وكان قد تزوج بامرأة تحت الحجر، وكان لها منزل باعه أمين الحكم وخلى من اشتراه له، فقدم قطنبه إلى الأمير علاء الدين وأنشده:
سبت فؤادي المعنّى من تثنّيها ... فتانةٌ كلّ حسن مجمعٌ فيها
أنسيّة مثل شمس الأفق قد بزغت ... وحشيّةٌ في نفورٍ خوف واشيها
منها:
قهرت بالجانب البحري طائفةً ... فولّ وجهك يا مولاي قبليها
عندي يتيمة تركيٍّ ظفرت بها ... لها من الله جدرانٌ تواريها
تعاونوا مع أمين الحكم واعتصبوا ... أخفوا وثائق فحوى خطهم فيها
حتى أُبيعت عليها نصف حصتّها ... ما حيلتي وأمين الحكم شاريها
ما زلت أفحص عن تلك الوثائق يا ... مولاي حتى أبان الله خافيها
وها هي الآن عندي وهي ثابتةٌ ... فامض الولاية فيمن كان يؤذيها
ومات له صاحبان كانا خصيصين به. فقال الشهاب أحمد بن الحسين الأصفوني: ما لقطنبة تأخر عنهما، فبلغه ذلك، فقال:
ما تأخرت عنكما عن ملالٍ ... غير أني أرم صيد الشّهاب
فأنا مثل فارس البحر لا بدّ ... بظفري أصيده أو بنابي
وكان قد وقع بينه وبين نجم الدين بن يحيى الأرمنتي، فهجاه بقصيدة منها:
يا إلهي أرحتها منه في الح ... كم أرحها من ابنه في الخطابة
فقال له الخفراء: يا قطنبة، الباسرية جاؤوا من أرمنت يريدون قتلك، أرسلهم ابن يحيى وما نقدر على ردهم، انج بنفسك، فخرج منها وكان آخر العهد به.
حسن بن محمد
الشيخ الإمام الفاضل البليغ المنشئ الكاتب نجم الدين أبو محمد بن الشيخ كمال الدين القرشي القرطبي الصفدي الشافعي الخطيب بصفد.
كان فارساً منبر، وإمام من برى قلما ومن بر، ناظماً ناثرا، يجري في ميدان البلاغة فما يرى جواد قلمه عاثرا. كتب الإنشا، وتصرف فيه كيف شا، مع أمانة لا يرى من التكلف في وجهها كلف، وديانة لا يلمح في رونقها تصنع من صلف، وكرم بموجوده الحاضر وود يخجل من حسنه خد الورد الناضر، وصدق لهجه، وقول حق ولو أن فيه تلاف المهجه.
وكان شعاره أشعريا، وعلمه عن التقليد عريا، فكم كان عنده من التقليد أدلة
وبراهين إذا أوردها كأنها له طبيعة وجبله، ومسائل أصول إذا سردها قلت هذه سحائب مستهله، لم أر بعده من يقول: أيها الناس أفصح منه، ولا من خطب زان منبره ولم يشنه، يؤدي الألفاظ بتجويد حروفها، ويذكر القلوب القاسية بما نسيته من خطوب الدنيا وصروفها، كم جعل العبرات على الخدود وهي هوامي هوامع، وكم غادر العيون وهي دوامي دوامع، شدت الفصاحة لحييه، وسدت البلاغة نحييه، تزور في الموعظة حدقتاه، وتحمر لفرط الحرص على القبول وجنتاه، كأنه منذر جيش، أو منكر طيش.
وكانت له في البحث سلطه، وغلظة على خصمه لا تصحف بغلطه، وله قدرة على التعليم، وفراسة في وجه التلميذ إذا أخذ قوله بالتسليم، يعلم من الطالب إذا فهم، ولا يخفى عليه إذا بهم، فلا يزال يغير له الأمثلة، ويدير الأسئلة إلى أن تتكشف عنه الغيابه، ويظهر له أنه حصل على العنايه.
ولم يزل يذكر بوعظه ويحبر بلفظه إلى أن رمي تفيهقه بالصمات، ونزلت بذويه سمات الشمات.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ومولده بالكرك سنة ثمان وخمسين وست مئة.
كان والده الشيخ كمال الدين خطيب قلعة صفد، وكان ينوب عن والده ويكتب الإنشاء، ويوقع عن النواب بصفد، فلما قدم الأمير سيف الدين بتخاص إلى صفد
نائباً حضر معه القاضي شهاب الدين أحمد بن غانم، وكان زين الدين عمر بن حلاوات قد قدمه الشيخ نجم الدين وجعله يكتب عنده، فما زال يسعى إلى أن وقع الاتفاق بينهم وبين القاضي شرف الدين النهاوندي وغيره، وقرروا الأمر مع النائب إلى أن قطع الشيخ نجم الدين من التوقيع، وبقي بيده خطابة الجامع الأموي، ثم إنهم صادروه، حتى توجه خفية إلى دمشق، وكان الأمير سيف الدين بلبان بدمشق مشد الدواوين، وهو يعرفه من صفد، فاستخدمه موقعاً بدمشق، وكتب قدامه، وكان القاضي محيي الدين بن فضل الله يأمن إليه ويقدمه ويستكتبه في السر وغيره، وأضيف إليه خطابة جامع جراح بدمشق. ولما تولى الأمير سيف الدين كراي نيابة دمشق كان يعرفه من صفد ويركن إلى أمانته وعفته، فقلده الأمر وغدقه به، فتعب بذلك تعباً مفرطاً ونصح مخدومه، فكان لا يعلم لا من يده، فعادى الدماشقة ومقتوه، ولما أمسك كراي اختفى وسلمه الله منهم لما سلكه من الأمانة والعفة. أخبرني من لفظه قال: رددت ليلةً مئتي دينار، ورهنا تلك الليلة طاسةً على زيت القنديل.
ولما حضر الأمير جمال الدين نائب الكرك إلى دمشق أغروه به، وأرادوا منه الإيقاع به، فقال: أخذ لأحد شيئاً؟ فقالوا: لا، قال: فما أصنع به إذا نصح لمخدومه. ثم إنه جهز إلى صفد خطيباً وموقعاً، وكان زين الدين بن حلاوات قد انفرد بالأمر وتمكن من نواب صفد، ودخل إلى النائب وقرر معه ما أراد، فلم يمكنه من مباشرة شيء، فبقي في صفد إلى أن حضر له توقيع ثان، وكلما حضر له توقيع عطله، إلى أن أشركوا بينهما في التوقيع والخطابة، فأقاما مدة، فوقع بينهما، فطلبا إلى دمشق، وقرر الأمير سيف الدين تنكز أن يخيرا وينفرد كل واحد بوظيفة، فاختار
الشيخ نجم الدين خطابة القلعة والمدينة، واستقر زين الدين بن حلاوات في التوقيع، فأقام يخطب ويشغل الناس تبرعاً، وتخرج به جماعة فضلاء، وقل من قرأ عليه ولم ينبه، ولم أر مثل في مبادئ التعليم، كان يفتق أذن المشتغل، ويوضح له طرق الاشتغال، ولم أر مثله ف تنزيل قواعد النحو على قواع المنطق، وكان يحب إفساد الحدود والمؤاخذة فيها والرد عليها والجواب عنها.
وممن قرأ عليه أولاً العلامة القاضي فخر الدين المصري وغيره.
وكان لي منه - رحمه الله تعالى - نصيب وافر من المحبة، وكنت أجد منه حنواً كثيراً وبراً، ولم أقرأ على أحد قبله، وكان شديد المحبة لأصحابه، شغوفاً عليهم صادق اللهجة، مفرط الكرم، وكانت بينه وبين الشيخ صدر الدين قرابة، وكان هشاً بشاً بساماً، وعمته مليحة، ولم أر أعف يداً ولا فرجاً منه، وكان خطه مليحاً ونظمه سريعاً، ونظمه أرشق من نثره، ولم أره يخطب بغير الخطب النباتية. وكان جيد المشاركة أشعري العقيدة، شافعي المذهب، يحب الكتب ويبالغ في تحصيلها ويحرص على المنافسة فيها، ولكنه كان مقلاً من الدنيا ماله غير علومه. قال: ما أعرف أنه وجبت علي الزكاة في عمري. رأيته بعدما مات رحمه الله في المنام بمدة، فقمت إليه وقبضت على يده بعدما قمت إليه وصافحته، وقلت له: قل لي ما الخبر؟ فقال لي: لا تعتقد إلا وحدانيته، فقلت له: هذا شيء قد جبل عليه اللحم والدم، فقال: ولا بأس مع الفاتحة سورة أخرى من القرآن، وقصيصات الناس، فعلمت بذلك أنه قد نصحني حياً وميتاً، لأنه كان في حياته رحمه الله تعالى يتوقف في توقيعه ويتحرى ويتحرز كثيراً فيما يكتبه، ولا يكتب إلا ما هو سائغ، فكان صاحب القصة يتعذر عليه مطلبه.
ولما توفي رحمه الله تعالى كنت في حلب فحصل لي بسببه ألم عظيم إلى الغاية،
وكتبت إلى ولده كمال الدين محمد وإلى غيره من الأصحاب مراثي كثيرة نظماً ونثراً، ثم جمعت ذلك وسميته ساجعات الغصن الرطيب في مراثي نجم الدين الخطيب. ومما نظمته فيه قولي:
يا ذاهباً عظمت فيه مصيباتي ... بأسهمٍ رشقت قلبي مصيبات
قد كنت نجماً بأفق الفضل ثمّ هوى ... فاستوحشت منه آفاق السّموات
سبقت من بات يرجو قرب خالقه ... ولم تزل قبلها سبّاق غايات
بكى الغمام بدمع الودق مذ عقدت ... حمائم البان من شجوي مناحات
ولطّم الرّعد خدّ السّحب وانتشرت ... ذوائب البرق حمراً في الدّجنّات
أصمّ نعيك سمعي من تحقّقه ... وهان ما للّيالي من ملمّات
جنحت فيه إلى تكذيب قائله ... تعلّلاً بالأماني المستحيلات
وكدت أقضي ويا ليت الحمام قضى ... حسبي بأن الأماني في المنيّات
وراح دمعي يجاري فيك نطق فمي ... فالشان في عبراتي والعبارات
إن أبدت الورق في أفنانها خطباً ... فكم لوجدي وحزني من مقامات
جرحت قلبي فأجريت الدموع دماً ... ففيض دمعي من تلك الجراحات
لو كنت تفدى رددنا عنك كلّ أذىً ... بأنفسٍ قد بذلناها نفيسات
فآه من أكؤسٍ جرّعتها غصصاً ... وقد تركت لنا فيها فضالات
نسيت إلاّ مساعيك التي بهرت ... عين المعالي بأنوارٍ سنيّات
ومكرماتٍ متى تتلى مدائحها ... تعطّر الكون من ريّا الرّوايات
وفضل حلم تخف الراسيات له ... وعز علم علا السبع المنيرات