فرأيت الحركة تشق علي، فاعتذر، فحضر هو بنفسه بعد أيام بعدما تفضل وروده وأحسن وأجمل وقست جوده على الغمام فكان أندى وأغدق وأكمل.
وأنشدته لما اجتمعت به:
ما زرت في أُعبيه قصداً للجفا ... ربعاً تشرّف بالأمير حسين
ورأيته في ثغر بيروت الّتي ... بنداه أصبح مجمع البحرين
الحسين بن سليمان بن فزارة
القاضي الإمام الفاضل شهاب الدين الكفري، بفتح الكاف وسكون الفاء وبعدها راء، الدمشقي الحنفي.
تلا بالروايات على علم الدين القاسم، وسمع من ابن طلحة ومن ابن عبد الدايم، ودرس بالطرخانية، وكان شيخ الإقراء بالمقدمية والزنجيلية. وقرأ بنفسه على ابن أبي اليسر، وكتب الطباق، وكان شيخ قراءات، وبيده لمن يحاكمه في التفاضل براءات. ودرس وأفتى، وكان في الجود بعلمه أكرم من الغيث وأفنى، وناب في الحكم زماناً، ونظم فيه من الإجادة جماناً.
وكان خيراً عالماً، ديناً لا يرى لسيف السنة ثالماً، إلا أنه أضر بأخرة، فلزم داره وجلس في بيته كالبدر في داره.
ولم يزل على حاله إلى أن حل ضيف الحين بفتى فزاره، وآن اجتماعه به فزاره.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وسبع مئة عن اثنتين وثمانين سنة.
وقرأ عليه أقضى القضاة شرف الدين أحمد وغيره.
الحسين بن علي
بن إسحاق بن سلام
بتشديد اللام: الشيخ الإمام الفاضل المفتي الكامل الدمشقي الشافعي.
كان مفتي دار العدل في زمن الأفرم. كان فقيهاً عارفا، ونبيهاً حوى من العلم تالداً وطارفا، عارفاً بخلاف المذاهب، شاهداً لمن خلقه بأنه زائد الكرم والمواهب، قل من ناظره وارتد إلا هزيما، أو فاخره في سيادة إلا كان سليباً وابن سلام سليما، يتخرق في الجود، ويرعى حق الضعيف والوفود.
اجتمع فقهاء المذاهب الأربعة في درس من بعض الدروس، وبحث هو مع الجميع، فقطع أصولهم وفروعهم من الغروس، رأى الناس منه في ذلك اليوم عجبا، وجمع محبة القلوب له والتعظيم وحبى.
ولم يزل على حاله إلى أن بغته حمامه، وخفر فيه ذمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة سبع عشرة وسبع مئة في رابع عشري شهر رمضان.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وكان قد أعاد بالظاهرية ودرس بالجاروخية، ودرس بالعذراوية، وتوفي - رحمه الله تعالى - وعليه ديون كثيرة، وكان قد ألقى الدرس بالعذراوية عوضاً عن صدر الدين سليمان الكردي يوم الأحد حادي عشر المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
الحسين بن علي بن الحسين بن زهرة
نقيب الأشراف بحلب، السيد الشريف شمس الدين أبو علي بن الشريف فخر الدين أبي الحسن بن شمس الدين أبي علي.
توفي - رحمه الله تعالى - بالزرقاء بعد عوده من الحج رابع عشري المحرم سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ودفن بسما من عمل بصرى.
الحسين بن علي بن سيد الأهل
ابن أبي الحسن بن قاسم بن عمار، الشيخ الإمام الشافعي نجم الدين الأسواني الأصفوني.
كان فقيهاً فاضلاً مشاركا، ميمون النقيبة مباركا، صاحب فنون، وعبارات في المعارف الذوقية وشجون. أفتى ودرس، وسرى في طلب العلم وعرس، وانتفع به جماعة من الطلاب، وغنموا الفوائد وأخذوا الأسلاب.
وكان قد تجرد مع الفقراء، وتفرد بأشياء لم يبلغها جماعة من الفقهاء، ثم أناب وعاد إلى طريقة أهل العلم، وتزيا بزي أهل الوقار والحلم.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد حسه وذوقه، وأصبح والتراب فوقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: تجرد المذكور مع الفقراء زماناً طويلاً، وكان في وقت فقيهاً في المدرسة الشريفية، فحضر درس قاضي القضاة ابن بنت الأعز، فأنشد بعض الناس قصيدةً مديحاً في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصرخ هو على عادة الناس، فأنكر القاضي ذلك وقال: أيش هذا؟ فقام وقال: هذا شيء ما تذوقه، وترك المدرسة والفقاهة بها.
وقال: كان يقرئ في كل شيء في أي كتاب كان، وانتفع به جماعة وقال: كان يفتي ويدرس ويقرئ الطلبة، وهو وأخوه الحسن والزبير، ثلاثة من أهل العلم والتعبد.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: هو المعروف بابن أبي شيخة، سمع من أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي وأبي عبد الله محمد بن عبد القوي، ومن أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي والحافظ شرف الدين الدمياطي. وحدث بالقاهرة، وأخذ الفقه عن أبي الفضل جعفر
التزمنتي وغيره واشتغل عليه الطلبة طائفةً بعد طائفة، وتولى الإعادة بالشريفية وغيرها. وأقام مدة بمدرسة الملك يلقي فيها الدروس، وتجرد مدةً مع الفقراء، وجرى على طريقهم في القول بالشاهد، وأقام بجامع عمرو بن العاص يستغل ويشتغل، وهو قوي النفس، حد الخلق، مقدام في الكلام، وهو من أهل بيت معروفين بالعلم والصلاح.
الحسين بن علي بن مصدق بن الحسن
شرف الدين أبو عبد الله الشيباني الواسطي الصوفي بخانقاه سعيد السعداء.
رأيته غير مرة، واجتمعت به عند الصاحب أمين الدين، فأنشدني رحمه الله تعالى جملة من شعره.
وكان شكلاً كاملاً طويلاً هائلاً، ذا ذقن فرشت على صدره، وكادت تسيل فتملأ سعة حجره، ينشد ويتفيهق، ويسيل دمعه فيترقرق، له أبهة في النفوس وجلاله، وعلى كلامه من الذوق أمارة ودلاله.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى ابن مصدق الحق اليقين، ولحق بمن تقدمه من المتقين.
وتوفي رحمه الله تعالى....
أنشدني من لفظه لنفسه:
وأحور أحوى فاتن الطّرف فاترٍ ... مسير بدور التمّ من دون سيره
إذا جئت أشكو طرفه قال خدّه: ... ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره
فأنشدته أنا لنفسي في مليح نائم:
سباني خدٌّ من فتىً كان نائماً ... فقال عذولٌ شره دون خيره
أتهوى ولم تدر العيون فقلت: دع ... ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
وأنشدته أيضاً لنفسي في مليح يقابل كتاباً:
قابلت كتباً مع حبيبٍ هاجرٍ ... فسرّ قلباً كاد أن يفنى وله
فقلت يا وارث قلبي في الهوى ... جمعت بين الجبر والمقابله
فأنشدني هو لنفسه:
قابلني المحبوب يوماً وغدا ... يمنحني جماله ونائله
قلت له يا سيّدي جبرتني ... فهل أرى من بعدها مواصله
فقال لي هذا الذي فعلته ... على سبيل الجبر والمقابله
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من هواه وحبّه ... غطّى على عيني وقلبي
عطفاً عليّ بنظرةٍ ... فإليك إيجابي وسلبي
الحسين بن علي بن عبد الكافي
ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى
القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.
كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا.
وكان يعرف العروض جيداً، ويبيت لأركان قواعده مشيداً، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبداً، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميداً على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وقلت أرثيه:
رزء الحسين عظيمٌ ... وهو العذاب الأليم
ومالنا فيه إلاّ ... صوب الدموع حميم
والصبر أولى ولكن ... صبر الفؤاد عديم
ففي العيون دموعٌ ... تنهلّ منها الغيوم
وفي الحشى زفراتٌ ... منها تشبّ الجحيم
والليل صار حداداً ... تقمّصته النجوم
وللسحائب خدٌّ ... من الرّعود لطيم
والجوّ ضاق خناقاً ... فما يهبّ نسيم
وما تنفّس صبحٌ ... بل راح وهو كظيم
حزناً لقاضٍ قضى ما ال ... ذمام منه ذميم
وكان قاضي عدلٍ ... صراطه مستقيم
يقضي بحقٍّ وصدقٍ ... عن الهوى لا يريم
ترى الثناء عليه ... قد طاب منه الشميم
يلقى الورى منه وجهٌ ... طلق المحيّا وسيم
وثغره في ابتسام ... به يسرّ الغريم
وخلقه مثل روضٍ ... والنبت منه غميم
وجهٌ حييٌّ وخلقٌ ... سهلٌ وصدرٌ سليم
أحبّه الناس حتّى ... مظلومهم والظّلوم
فلو يجور وحاشى ... قضى ارتضته الخصوم
إن الزمان أراه ... بمثله لعقيم
لو كان يفدى لجادت ... أرواحنا والجسوم
وإنّما الموت أمرٌ ... لم ينج منه عظيم
وذاك فينا وفي من ... قد فات داءٌ قديم
قاضي القضاة تصبّر ... فالخطب فيه جسيم
لكنّ مثلك راسٍ ... لمّا تخفّ الحلوم
قد كان درّة عقدٍ ... والسلك فيه نظيم
فما يضرّ سناه ... إن زاك منه قسيم
ودرّه في اتّساقٍ ... والكلّ درٌّ يتيم
إذا بقي أخواه ... فسوف تؤس الكلوم
فلا تبت في عذاب ... وقد حواه النّعيم