ولم يكن عن النجاسات متجافيا، وسخ الثياب دون الإهاب، يحدث نفسه، ويحرك رأسه، ويكثر الحلف بالله تعالى، وربما نطق بشيء من الغيب وتعالى، وبعض الناس اعتقد صلاحه، وبعض الناس ودلو أغمد فيه سلاحه.
الألقاب والأنساب
الحصيري: نظام الدين أحمد بن محمود.
الحظيري: شمس الدين عبد القادر بن يوسف بن حشيش علم الدين مسعود بن أبي الفضل، وولده معين الدين هبة الله.
أبو حفص
الشيخ زين الدين قاضي القضاة المالكي بحلب.
كان رجلاً معدوداً برجال، وخصماً لا تثبت له الخصوم في مجال، ولا يقعقع له بالشنان، ولا يولي الدبر من بارقه سيف ولا لمع سنان، يطلب ولا يني فتورا، ويدأب ليله ونهاره على التقدم، ولا يراه الدهر ضجورا. تقدم من غير علم بسعيه، وخدم الناس حتى التزموا بحقه ورعيه.
ما زال يسعى إلى أن قال حاسده ... له طريقٌ إلى العلياء مختصر
ولي القضاء بحلب، وتوجه إليها في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها قاضي القضاة إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
وجاء الخبر إلى دمشق بموته في أوائل شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
وثور في هذه المدة نعمةً طائلة، وحصل كتباً كثيرة. وكان في أول حاله بدمشق أميناً في طواحين الأشنان، ثم إنه بقي يخدم كتاب الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق، فيستخدمونه في الأمانات على بيوع حواصل الأمير، ثم جلس في حانوت الشهود، وبقي يتوجه في كل سنة صحبة بدر الدين الغزي إلى القدس شاهداً على حاصل قمامة. ولما عزل القاضي شهاب الدين الأرتاحي المالكي من قضاء حلب شرع يسعى في المنصب والناس يعجبون منه إلى أن ورد المرسوم بتوجهه إلى حلب.
وقلت أنا فيه:
اجهد ولا تقتصر يوماً على طلب ... فالشّهم من لم يقف في السعي عند طلب
هذا أبو حفص مع جهل يؤخّره ... سعى إلى أن غدا قاضي قضاة حلب
الألقاب والأنساب
ابن أبي حليقة: علم الدين رئيس الأطباء بمصر إبراهيم ابن أبي الوحش.
ابن الحلبي: القاضي بهاء الدين ناظر الجيش بمصر عبد الله بن أحمد، وولده القاضي فخر الدين ناظر جيش دمشق محمد بن عبد الله.
والحلي: صفي الدين الشاعر عبد العزيز بن سرايا.
والحلي الرافضي: علي بن حسن.
حمادالمقرب الحلبي
ابن الشيخ الصالح الزاهد العابد المقرئ البركة المقرب الحلبي.
كان هذا الشيخ حماد لله وليا، وبكل خير مليا، جاهد دنياه وسلاحه صلاحه، وجاهر أولاه بالإعراض عن زخرفها فلاح فلاح فلاحه، وعمل على النجاة في أخراه فركب طريقها، وصحب أهلها ورافق فريقها. أنوار الصلاح عليه تلوح، وأرج الولاية من أردانه يفوح.
ظهرت له أحوال وكرامات وقام ليله فالتهجد عاش والكرى مات، وصام نهاره وأوقاته كسب وهي للبطال غرامات. جانب ما يدعى بدعا، وحارب شهوات نفسه ورعى ورعا.
زرته في جامع التوبه، وما كادت تصح لي نوبه، واجتهدت على الثانية، فما اتفق لي إليه أوبه، ورأيت منه رجلاً قد أعرض عن العرض الفاني، وأمسك الجوهر الباقي، وترك الدني الداني، وحصلت لي منه بركات، ووصلت إلي بسببه حركات.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يعظمه ويعترف بصلاحه، ويشهد باعتزاله عن الناس وانتزاحه، ويتحقق أنه ممن نأى عن الناس وطار بجناح نجاحه. وحسبك بمن ثبت نضاره على ذلك المحك، وأصغى لحديثه وما قطعه من حيث رق ولا رك.
ولم يزل على حاله إلى أن آثر الله لقاءه، ورأى انتقاله إليه وانتقاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وعشرين وسبع مئة بدمشق في عشري شعبان.
وكان الشيخ حماد قد ورد من حلب ونزل بظاهر دمشق على رجل من الأولياء بمرج الدحداح، ثم إن الشيخ حماداً انقطع بجامع التوبة يقرئ القرآن تبرعاً، لا يأخذ عليه أجرةً غير الأجر، وكان لا يزال متوجهاً إلى القبلة على طهارة كاملة، لا يبل
لأحد شيئاً إلا من قوم قد صحبهم ووثق بهم وعرف ما هم عليه، وهو مستمر الصيام الدائم والاعتكاف الدائم والتلاوة، هذا وقد جاوز التسعين.
ولم يكن يدعي ولا يفتخر، وكان إذا اضطر إلى ذكر شيء من حاله، قال: كان فقير، أو حكى لي فقير، ولا يصرح بذكر نفسه أبداً، ورأيته وعلى جسمه بلاس شعر تحت القميص، وهو شيخ قد أفنته الليالي والأيام وأنحلته العبادة والمجاهدة، وكانت له جنازة عظيمة إلى الغاية.
ابن حماد: محمد بن إسماعيل.
ابن حماد: خطيب حماة: يوسف بن أحمد.
ابن الحمامية: مسعود بن سعيد.
حمزة بن أسعد
ابن مظفر بن أسعد بن حمزة: الصدر الكبير الرئيس الصاحب عز الدين بن مؤيد الدين بن مظفر ابن الوزير مؤيد الدين أسعد القلانسي التميمي الدمشقي.
كان رئيس الشام وعلم الأعيان، وعين الأعلام، ذا رأي وبصيره، ويد لم تكن في المكارم قصيره. جرى في السيادة على أعراقه، وترنح في روض الرياسة كالغصن في أوراقه، له تجارب، وله غوص في الشدائد إذا نزلت به ومسارب، قد لبس الزمان، وعرف الإخوان، وقالب الدول، وصور بين عينيه سيرة الملوك الأول، صاحب حزم، ورب همة وعزم، وأخا خبرة ودهاء، ومعرفة وذكاء، وافر العقل، يتحرى الصواب إذا ورد عليه النقل. له في مصر والشام وجاهه، والملوك ومن دونهم يعرفون
قدره وجاهه، لا ترد له شفاعه، ولا يجلس في مكان إلا توخى رفاعه. أملاكه يعجز عن نظيرها الملوك، وأمواله وجواهره تضيق بها الصناديق والسلوك. قدم أناساً كثيرين واستخدمهم، وبرقعهم بالرياسة وقدمهم.
ولم يزل على حاله إلى أن لبد الموت عجاجته، وكدر مجاجته.
وتوفي رحمه الله تعالى سادس ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وأربعين وست مئة.
سمع من ابن عبد الدايم، والرضي بن البرهان، وابن أبي اليسر.
وحج مرتين.
وحدث بدمشق والحجاز، وكان قد توجه إلى مصر، واجتمع بالنائب والسلطان وخلع عليه، وعاد في شهر رمضان سنة أربع وسبع مئة، وتوجه أيضاً إلى مصر، وعاد في شهر رمضان سنة ست وسبع مئة، ومعه أمين الدين بن القلانسي، وخلع عليه بطرحة.
وفي ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة لبس خلعة الوزارة بدمشق، وكتب في تقليده: الجناب العالي كما يكتب للنائب تعظيماً له.
وأوقع الحوطة عليه الأمير سيف الدين كراي نائب الشام، وعلى جماعة من غلمانه
في يوم الأحد سابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، واستمر في الترسيم أكثر من شهرين. وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى من السنة.
أحضره كراي وادعى عليه بريع الملك الذي أشهر عليه القاضي نجم الدين الدمشقي ببطلان بيع الملك الذي اشتراه من تركة قلاوون في المرثا والسبوحة والفضالية، لكونه بدون قيمة المثل، ولعزل الوكيل الذي صدر منه البيع قبل عقد البيع، ولوجود ما يوفى منه الدين غير العقار، وفيما بعد ذلك أمسك كراي، وخرج الصاحب عز الدين من الاعتقال في يوم الخميس ثالث عشري جمادى الأولى سنة إحدى عشرة وسبع مئة من دار السعادة إلى الجامع، وصلى الظهر، وتوجه إلى داره، ووقف له الناس في الطرق، وأوقدوا الشموع.
ثم إنه عاد وجلس بدار الحديث أكثر من عشرين يوماً، إلى أن وصل نائب السلطنة الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، ثم إنه وصل تقليده بإعفائه من الوزارة، واستقراره في وكالة السلطان، وتوجه إلى الديار المصرية، وغاب شهراً، وعاد على يده كتب السلطان بأنه باق على وكالته، وأن القضاة يحترمونه ويسمعون كلامه، والإنكار لما ثبت عليه وأن ذلك لم يأذن فيه السلطان، وذلك بإعانة القاضي كريم الدين الكبير.
وخلع عليه في سابع عشري الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة باستمراره على نظر الخاص، وعلى الصاحب شمس الدين غبريال بنظر الوقف المنصوري، وخلع على شهاب الدين أحمد بن قطنبة التاجر بوكالة الخاص الشريف.
حمزة شمس الدين التركماني
الوافد من الشرق، كان ظالماً غاشماً، هادماً لمباني الخير هاشماً، له جرأة وإقدام، ومحبة في تلاف النفوس والإعدام.
تقرب إلى الأمير سيف الدين تنكز بحيله الدقيقه، وأصالته في المخازي العريقه. لم تمسكن، وتركن لما سمن بعد الهزال وتعكن، فخرب بيوتاً وزاد متزلزل الشر ثبوتا. وصار يركب في البريد ويفعل في مصر والشام كل ما يريد.
وصار يتحمل المشافهات بين تنكز والسلطان، ويحي إليهما من أذى الناس ما لا يوسوسه الشيطان ودخل معهما في عظائم، وحرك ما كان ساكناً من النمائم، وبدل النسمات العليلة بالسمائم، وآذى أناساً بكت عليهم الغمائم وناحت الحمائم، ولو دام أمره شهراً آخر أهلك الحرث والنسل، ونقل المناصب الجليلة من الكفء الكريم إلى اللئيم الفسل. ولكن أخذه الله من مأمنه. وأثار إليه الشر والهلاك من معدنه، فقطعت أربعته ولسانه، وتنوع قبل ذلك عقابه وذله وهوانه.
وكان هلاكه في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
كان في أول أمره قد وفد من تركمان الشرق، واتصل بخدمة الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولم يزل يحتال بكل حيلة إلى أن بقي يصغي إلى كلامه، ويقبل عليه بوجهه، وأظهر عليه معرفة بلاد التتار، فسيره مرة إليها، وأمره أن يشتري له من هناك جارية، فأحضرها فأعجبته ووقعت من قلبه، وصارت حظيته، وصار بعد ذلك يستمر عنده بالليل، وينفرد به، وكان عنده كتاب شاه نامه في أخبار
الفرس، فصار يحفظ من ذلك في النهار ويورده عنده في الليل، وتكرر منه ذكر رستم في تلك الحكايات، وكان يسميه رستم، ثم إنه أخذ في الحط على ناصر الدين محمد بن كوندك دواداره، وهو ما هو عنده من التمكن والمحبة وعلو المكانة، ويذكر جماعته الذين في خدمته، وقرر عندهم أموراً وهم غافلون عنها، إلى أن تحقق بعض ما أوحاه إليه، فعظم ذلك عنده وتمكن حمزة. ولم يزل إلى أن عقر الدوادار، وعمل على قتل علي بن مقلد حاجب العرب، وأبعد الدوادار.
وانتقل منه إلى القاضي شرف الدين أبي بكر بن الشهاب محمود كاتب السر وكان عنده جزءاً لا يتجزأ، وعلى علاء الدين بن القلانسي ناظر ديوانه، وعلى قاضي القضاة جمال الدين بن جمله، وعقر جماعة من البريدية وغيرهم، وتقدم، وصار في رتبة ناصر الدين الدوادار، وصار يروح إلى مصر في البريد ويجيء، ويتحمل المشافهات من السلطان إلى تنكز ومن تنكز إلى السلطان.
وعمل بعد ذلك على جماعة من مماليك تنكز وخواصه الأقدمين، وأبعدهم ونفاهم، ولم يبق عنده أحد في مرتبته، وتمرد وتجبر، وطغى وتكبر، وظلم وبالغ في العسف والجور، وعمر حماماً عند القنوات وشيده وزخرفه، فكثرت الشكاوى عليه في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. فتنمر له الأمير سيف الدين تنكز وسجنه وعذبه، ورماه بالبندق الرصاص وهو واقف قدامه عريان، لأنه هو كان يشير عليه بذلك، فذكر هذه العقوبة ولم يستعملها إلا في حقه حتى تورم، وعمل النساء قماشاً لبسنه في ذلك العصر وسمينه بندق حمزة، وما رق له أحد من سوء ما عامل به الناس.