وكان قد ملك الكرك بعد أخيه الملك السعيد، ثم اقتضت آراء الدولة تجهيزه مع أخيه العادل سلامش.
وفي هذا خضر قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر لما ختنه والده الملك الظاهر:
هنّئت بالعيد وما ... على الهناء أقتصر
بل إنها بشارة ... لها الوجود مفتقر
بفرحة قد جمعت ... ما بين موسى والخضر
قد هيّأت لوردكم ... ماء الحياة المنهمر
الخضر بن عبد الرحمن
ابن الخضر بن الحسين بن الخضر بن الحسين بن عبد الله بن عبدان: الشيخ الأصيل شمس الدين بقية المسندين الدمشقي الكاتب.
تفرد بأشياء من المرويات والأشياخ، وأسمع إلى أن خمد عمر جمره وباخ. وسمع منه خلق على ضعفه، ورزق في ذلك سعداً لو أعفاه لم يعفه؛ لأنه كان ارتزق في خدم الجهات من المكوس وغير ذلك. ثم إنه تركه في آخر عمره، وما مر بتلك المسالك.
ولم يزل على ذلك إلى أن بطل بالموت تسميعه، وشت من الشمل جميعه.
ووفاته في سنة سبع مئة.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
وروى عن النفيس بن البن مغازي ابن عائذ، وعن ابن صصرى أبي القاسم، وأبي المجد القزويني، وزين الأمناء، والمعافى بن أبي السنان، والمسلم المازني، وابن غسان، وحضر ابن أبي لقمة. وأجاز له الموفق، والفتح بن عبد السلام.
خضر بن محمد
ابن الخضر بن عبد الرحمن بن سليمان بن علي، القاضي زين الدين بن القاضي تاج الدين بن زين الدين بن جمال الدين بن علم الدين بن نور الدين، كذا أملى علي نسبه.
قرأ القرآن، وصلى به. وسمع البخاري على الحجار، وست الوزراء، وعلى غيرهما.
وقرأ النحو على الشيخ شهاب الدين بن المرحل، وحفظ الألفيتين المالكية
والمعطية. وبحث في المقرب، وصناعة الكتاب لابن النحاس، وبعض التنبية؛ تقدير الربع. وحفظ عروض ابن الحاجب، وقصيدة ابن مالك في الفرق بين الظاء والضاد. والتجريد للبحراني، في البديع.
وكان كاتباً سريعاً، وارداً من سرعة التنفيذ روضاً مريعاً، له صبر على الكتابة وجلد، وقدرة على كتمان ما دخل منه في خلد؛ إلا أنه قليل النظم إلى الغايه، إما لعسرة عليه، أو لأنه لم يكن له به عنايه.
رافقته في الديوان مرتين، وحمدت منه كل ما يشكوه من الضرتين.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد الخضر عين الحياه، وظمئ إلى العيش فأسقاه حياه.
وتوفي رحمه الله تعالى في آخر شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبع مئة. ومولده في سنة عشر وسبع مئة.
كان في جملة كتاب الإنشاء بقلعة الجبل، ثم لما رسم السلطان الملك الناصر محمد لوالده القاضي تاج الدين محمد بكتابه سر حلب في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة دخل هو دار العدل ولما توجه القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود إلى حلب كاتب سر في سنة ست وأربعين وسبع مئة جعله القاضي علاء الدين بن فضل الله مكانه في الحضور بين يدي النواب بمصر، واستمر به في نيابته، واعتمد عليه، وألقي إليه أمر الديوان فوفى بذلك ووفى.
وكان كاتباً سريعاً، يكتب من رأس القلم التواقيع والمناشير.
وكان ينطق بالجيم كافاً.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
عبدك السائل الفقير ابن خضر ... يسأل العفو والرضا والسّلامه
فعسى بالدّواة يكتب أجرا ... فأنله الرجا يا ذا الكرامه
وأنشدني من لفظه لنفسه في مقص:
يحرّكني مولاي في طوع أمره ... ويسكنني شانيه وسط فؤاده
ويقطع بي إن رام قطعاً وإن يصل ... يشقّ بحدّي الوصل عند اعتماده
ولما طلبت أيام الملك الصالح إسماعيل إلى مصر سنة خمس وأربعين وسبع مئة، وجلست في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل تفضل الجماعة الموقعون، وكتب بعضهم إلي شعراً من باب الهناء، وأجبته عنه. ثم إنه بعد مدة كتب زين الدين هذا:
تأخرّت في مدحي لأني مقصّر ... وفضل صلاح الدين لا زال يستر
خليلٌ له الآداب حقّاً ينالها ... جليلٌ به الأصحاب تسمو وتفخر
لقد آنس الأمصار لّما أتى لها ... وأوحش ربع الشام إذ كان يقفر
فلا شهدت عيناي ساعة بعده ... ولا سهدت شوقاً إليه فتسهر
ودام عليّ القدر يرقى إلى العلا ... محامده بين الأنام تسطّر
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تفضّلت زين الدين إذ أنت أكبر ... وأشرف من مدح به العبد تذكر
فشرّفت مدري حين شنّفت مسمعي ... فيا من رأى شعراً على الدرّ يفخر
فما هو شعرٌ يحصر الوزن لفظه ... ولكنّه شيء من السّحر يؤثر
يجوز بلا إذن على الأذن خفّةً ... كأنّ الزّلال العذب منه يفجّر
فها أنا منه في نعيمٍ مخلّدٍ ... وعيشي بخضرٍ في ربا مصر أخضر
وكتب إلي أيضاً ملغزاً: يا سيد العلماء والبلغاء، والكتاب والأدباء، ما اسم أول سورتين من القرآن، وحرف من أول سورة أخرى، وهو ثلاثة أحرف، وتلقاه ثمانيه، إذا أفردت مجموعه سراً وجهراً، أول حروفه إليه ينسب أحد الجبال، وآخرها قسماً لا تزال، إن حذفت أوله وصحفت ثانيه فهو ظن حقيقته الآمال، أو صحفت جملته كان وصف مؤمن يجري على هذا المنوال، أو حذفت أوسطه مع التحريف كان عبداً لا يعتق، أو حذفت آخره مع بقاء التحريف كان حيواناً يسرق ولا يسرق، ويأنس وينفر، ويقيد بالإحسان وهو مطلق، يطوف بالبيت، ويأوي في المنازل إلى الحي والميت، ولا يباع ولا يشترى، وعينه المجاز حقيقة تبلغ قيمة بل تماثل جوهرا، وإن أبقيت هذا الاسم على حالته، فهو شيء لا يستغني عنه مسجد ولا جامع، ولا بيع ولا صوامع، ولا مسلم ولا كافر، ولا قاطن ولا مسافر، ولا غني ولا فقير صابر، ولا قوي ولا ضعيف، ولا مشروف ولا شريف، ولا خائن ولا مأمون، ولا حي ولا من سقي كأس المنون، ومع ذلك فهو جليل حقير، قليل كثير، يملكه المالك والمملوك، والملي والصعلوك، وهو شيء ممتهن، ويعلو على رؤوس الأمراء والوزراء والملوك،
قلبه بالتحريف فعل مضى، واسم إذا نطق به قد يرتضى، وهو قد يبدو به النور في الدياجي، وعند الصباح ينقطع منه أمل الراجي، لا يستغني عنه بيت ولا بقعة، ومع ذلك يباع بفلس ودينار، وفوق ذلك في الرفعة، وهو بين واضح، فأحلله بميزان عقلك الراجح إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب عن ذلك وهو في قطن: وقف المملوك على هذا اللغز العجيب، والمعمى الذي ماله في فنه مماثل ولا ضريب، وعجبت منه نباتا نطق معكوسه، وثلثاه كتاب تزدان سطوره وطروسه، أوله يضاف إليه أكبر الجبال، ومجموعه مادة للحبال أشبه بياضا بالثلج، ومحبوبه يروق ويحسن بالحلج، قد خف على اللسان وزنه، وأعجب أرباب الأموال ادخاره وخزنه، كله نابت في التراب، وثلثاه سابح في البحر لا يستراب، إن جعلت آخره وسطا كان فعل من انقطع رجاؤه، واتسعت في اليأس أرجاؤه، وإن صحفت حروفه في هذه الحالة أتتك من الحر واقدة، وأصبحت العجاجة وهي في الجو عاقدة، وإن صحفته أيضاً كان أمةً من الأمم، وليسوا من العرب إذا عدوا ولا العجم، يعد منهم فرعون وجنوده، ولنا فيهم نسب وصهر يعزك منكره وجحوده، وإن عكسته في هذه الحالة كان آنيةً لا محالة، ولهذا اللغز أوصاف أخر لا تذكر، ولا تعرف بعد ولا تنكر، أضربت عنها خوف الإطالة صفحا، وعددت هذا القدر ربحا، لأن مولانا حرسه الله تعالى مد فيه الأطناب، واستوعب أوصافه بالإسهاب والإطناب، والله يديم حياته لأهل الإنشاء، وينشر محامده بلسان الإذاعة والإنشاء، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
خضر بن أقجبا
جمال الدين بن فخر الدين الصفدي، والده يعرف بأقجبا الساقي.
انتشأ هذا في صفد جندياً مثل والده، وزاد بطارفه على تالده، وسعى حتى ولي بها عدة ولايات، وساس الناس بما رآه من الإهمال والغيابات.
ولما كان أرغون شاه بصفد ثانيا خدمه، وأثبت في الوقوف بين يديه قدمه، فرشحه للتقدم، وعمارة مجده بعد التهدم. ولما حضر إلى دمشق أتاه، ووافقه السعد عنده وواتاه، فحصل له عشرة، فجد في أمرها لما عنده من الشره.
ثم إن الحال زاد به، فسعى في ولاية مدينة دمشق فتولاها، وبقي فيها مدة وما جلاها ولا حلاها، بل راح وخلاها.
وتوفي رحمه الله ثاني عيد النحر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى قد عزل من الولاية قبل موته بعشرة أيام، لأنه كان قد مرض مرضاً طويلاً، وبقي مدة عليلاً.
وكان وهو أمرد صورة في الحسن بديعه، ولما قارب التكهل استحال إلى هيئة شنيعه.
وباشر بدمشق قبل الولاية شد الزكاة.
خضر بن سليمان
الأمير ابن أمير المؤمنين المستكفي بالله.
كان ولي العهد. فتوفي في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة عشر وسبع مئة، ودفن في التربة المظفرية جوار السيدة نفيسة خارج القاهرة.
خطاب بن محمود بن رنقش
الأمير عز الدين العراقي.
كان له مال وثروه، وشيخاً قد بقي على رأي العوام بروه، وفيه خير وإحسان، وفضل أربى به على رب السيف والطيلسان.
عمر الخان بين غباغب والكسوه، وجبر به كل من يمر في الطريق من الرجال والنسوه، وعمر حماماً بحكر السماق معروفاً، وجعله بألسنة الشكر موصوفاً.
وكان فيه معروف وبر، وخير في الظاهر وفي السر.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الخطب ب
خطاب
، وبدل أهله بنكد العيش بعدما طاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
خطاب
الصاحب الكبير المحترم، ركن الدين بن الصاحب كمال الدين أحمد بن خطاب الرومي السيواسي.
شيخ كبير له حرمه، وعليه أثار سعادة ونعمه، وله غلمان وأتباع وحفده، وحاله تقتضي التوسع في الحشمة والحفده.
وقف خانقاه ببلد سيواس، ووقف عليها وقوفاً كثيرة من أنواع البر التي تعم الناس.
قدم إلى دمشق، وتوجه إلى الحجاز، فمات رحمه الله تعالى بالكرك، وراح إلى الله تعالى، وترك ما ترك، وذلك في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبعمئة، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن عند جعفر الطيار رضي الله عنه.