وكان محدث القدس ومفيده، ومبدي فضله ومعيده.
روى عن العز الحراني، وروى عنه ابن الخباز، وكان ينقض في بحثه على الخصم كما ينقض الباز. وكان ذكياً يقظاً نبيهاً، ويزيد على الحديث بأنه كان فقيهاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح فما أمسى، وسكن بعد بيته رمساً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة في شهر ربيع الأول.
درس بالأمجدية وغيرها بالقدس، وكان مفيد القدس.
خليل بن محمد بن سليمان
الشيخ الإمام العدل جمال الدين السملوطي - بالسين المهملة، وبعدها ميم ولام مشددة وواو وطاء مهملة - الشافعي النحوي.
أقرأ النحو بمصر مدة، وكابد في تعليم الطلبة شدة، وكان عدلاً مقبولاً، ولم يكن بالرياسة متبولاً.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى من دعاه، وقام به الصارخ ونعاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شوال سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، وقد بلغ السبعين، ودفن بباب النصر خارج القاهرة.
خليل ابن الأمير حسام الدين بن البرجمي
بالباء الموحدة، والراء والجيم والميم.
كان له دربة بالأمور والمباشرات، وتغاض عن الشرور والمكاشرات، فتحدث في أيام الملك الناصر في ديوان بشتاك، وعظم في تلك المدة فما نال بسوء ولا يشاك، ولما انفصل بشتاك، تحدث في ديوان الكامل، وخدمه قبل الملك، فحصل له به السرور الشامل.
ثم لما ولي الملك، رسم له بإمرة طبلخاناه، وولاه شد الدواوين، وأركبه رقاب من كانوا له مناوين. ولما خلع الكامل أخذ منه ذلك، وانصرم عنه ما هنالك.
ثم أعطي إمرة عشرة، فما وصلت إلا وقد انفصل أجله، ولم ينفعه تلبثه ولا عجله.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رجب الفرد سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق، بصق دماً يوماً، ومات في الثاني.
وكان الملك الكامل قد طلبه وهو سلطان فأعطاه طبلخاناه وشد الدواوين، وأعاد الصاحب علاء الدين بن الحراني إلى نظر الدواوين بدمشق، وجهزه معه، فوصلا إليها في أول ذي الحجة سنة ست وأربعين وسبع مئة.
ولما خلع الكامل انفصل من الإمرة ومن الشد، وبقي بطالاً إلى أن كتب له أرغون شاه بعشرة الأمير بدر الدين صدقة بن الحاج بيدمر فما وصل منشوره حتى مات رحمه الله تعالى.
وكان ممن يتوالى محبة أصحاب الشيخ تقي لدين بن تيميه.
خليل بن كيكلدي العلائي
الشيخ الإمام العلامة الفريد الكامل، جامع شتات الفضائل، المفسر المحدث الفقيه النحوي الأديب المؤرخ الإخباري صلاح الدين الدمشقي الشافعي الأشعري.
كان أعجوبة في علومه الجمه، وفضائله التي لم يكن أمرها على الناس غمه. أتقن التفسير، وعلم من الحديث ما يشهد به له الجم الغفير. وبرع في الفروع والأصول، وأحاط بما في المحصل والمحصول، واستخرج لباب الإعراب، واطلع على أسرار لغة الأعراب، وعلم تراجم أعيان العالم، وعرف وقائع من داهى أو سالم.
وأما نقد الصحيح من الحديث فذاك فن تفرد بخاصته، وشهد له أهل زمانه في أفراده وعامته، وتصانيفه تؤيد هذه الدعاوي، وتعاليقه تحقق له المحاسن، وتنفي عنه المساوي.
أقام بالقدس زماناً، وأنفق فيه من العمر أعواما، واتخذ فيه من الطلبة أعوانا، فهبت له النفخات القدسيه، وصبت له اللمحات الأنسيه.
ولم يزل على حاله بتلك الأرض المقدسه، والرحل التي هي ظلال البركات معرسه، إلى أن فسد من الصلاح تركيبه، ورحل على الرقاب وعلم الحديث جنيبه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين ثالث شهر الله المحرم سنة إحدى وستين وسبع مئة.
ومولده في أحد الربيعين سنة أربع وتسعين وست مئة.
سمع صحيح مسلم سنة ثلاث وسبع مئة على الشيخ شرف الدين الفزاري، وكمل عليه ختم القرآن. وسمع البخاري على ابن مشرف سنة أربع. وقرأ العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي، والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكري. وجد في طلب الحديث سنة عشر وسبع مئة. وقرأ بنفسه على القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، وعلى أبي بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، وإسماعيل بن مكتوم، وعبد الأحد بن تيمية، والقاسم بن عساكر، وابن عمه إسماعيل، وهذه الطبقة، ومن بعدها. وشيوخه بالسماع نحو سبع مئة شيخ. ومن مسموعاته: الكتب الستة، وغالب دواوين الحديث، وقد علق في مجلد سماه: الفوائد المجموعة في الفرائد المسموعه.
ومن تصانيفه: النفحات القدسية، يشتمل على تفسير آيات وأحاديث، مواعيد، وكتاب الأربعين في أعمال المتقين، وكتاب تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، وبرهان التيسير في عنوان التفسير، وإحكام العنوان لأحكام القرآن، ونزهة السفرة في تفسير خواتم سورة البقرة، والمباحث المختارة في تفسير آية الدية والكفارة، ونظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد، وتحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، وتفصيل الإجمال في
تعارض الأقوال والأفعال، وتحقيق الكلام في نية الصيام، وشفاء المسترشدين في اختلاف المجتهدين، ورفع الاشتباه عن أحكام الإكراه، ونهاية الإحكام لدراية الأحكام، وكتاب الأربعين الكبرى. وله التعاليق الأربعة: الكبرى والوسطى والصغرى والمصرية في اثني عشر مجلداً. وكتاب الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين في اثني عشر أجزاءاً. والأربعين الآلهية ثلاثة جزءاً، وعوالي مالك بن أنس السباعيات ستة أجزاء، وسداسيات أصحاب سفيان بن عيينة في سبعة أجزاء، والمحاسن المبتكرة، عشرة أجزاء، والمسلسلات ثلاثة أجزاء، وعنبر السحر في آية السحر، وتقرير غاية المدة في تفسير آية العدة، وتفسير مجابي الهصر في تفسير آيتي الخوف والقصر، والفوائد المحققة في تفسير آيتي المحاربة والحرام، وكتاب إيضاح وجوب الإجمال والإحسان في شرح حديث الخصال الواجبة للغير على الإنسان، وشرح القول الحسن في الوصية لمعاذ عند بعثته لليمن، وروض الإيقان في شرح حديث: الطهور شطر الإيمان، جامع التحصيل لأحكام المراسيل، تحقيق ثبوت الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب، تفسير حصول السعادة في تقرير شمول الإرادة، تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، فصل القضاء في أحكام الأداء والقضاء، إبانة الخطوة في قاعدة مد عجوة، رفع الالتباس عن مسائل البناء والغراس، إتمام الفوائد المحصولة في الأدوات الموصولة، الفضول المفيدة في الواو المزيدة، المعاني العارضة لمن الخافضة.
وكان أولاً بزي الأجناد، ثم ترك ذلك، وأقبل على الطالب والاشتغال. وحفظ التنبيه، ومختصر ابن الجاجب، ومقدمتيه في النحو والتصريف، ولباب الأربعين في أصول الدين لسراج الدين الأرموي، وكتاب الإلمام في الأحكام، وعلق عليه حواشي.
ورحل صحبة الشيخ كمال الدين الزملكاني إلى القدس سنة سبع عشرة وسبع مئة.
وسمع من زينب بنت شكر وغيرها. ولازم الشيخ كمال الدين سفراً وحضرا، وعلق عنه كثيراً، وحج معه في سنة عشرين وسبع مئة.
وسمع بمكة من الشيخ رضي الدين الطبري، ولازم القراءة على الشيخ برهان الدين الفزاري في الفقه والأصول مدة سنين، وخرج له مشيخة، وللشيخ تقي الدين قاضي القضة السبكي، وغيره من الأشياخ مشيخات، وولي تدريس الحديث بالناصرية سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ثم إنه درس بالأسدية سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة. وأذن له الشيخ كمال الدين الزملكاني بالإفتاء سنة أربع وعشرين وسبع مئة. ثم درس بحلقة صاحب حمص سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. ثم تولى تدريس المدرسة الصلاحية بالقدس سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وأقام به إلى آخر وقت.
وتولى تدريس مشيخة الحديث بالسيفية تنكز بالقدس.
وحج سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وجاور بمكة وعاد في سنة ست وخمسين. وعدت أنا وهو إلى الشام، ورافقته في الطريق، واجتمعت به غير مرة في دمشق والقاهرة والقدس. وأخذت من فوائده في كل علم، وقل أن رأيت مثله في تحقيق ما يقوله في كل فن وتدقيقه.
وكان ممتعاً في أي باب فتح، يحفظ تراجم أهل العصر، ومن قبلهم، وتراجم الناس من المتقدمين، وهو عارف بكل شيء يقوله أو يتكلم فيه.
وأنشدني لنفسه إجازة، ونقلته من خطه:
يا ربّ كم من نعمةٍ ... لك لا أُؤدّي شكرها
أو ليتني فيها الجمي ... ل وذدت عني شرّها
وكفيتني يا ربّ في ... كلّ الأمور أمرّها
ووقيتني عند الشدا ... ئد والحوادث ضرّها
فاغفر ذنوبي كلّها ... إنّي لأرهب وزرها
فهي التي فارقتها ... وأجدت حلماً سترها
وعصيت جهلاً حين لم ... أقدر جحيمك قدرها
والطف بعبدك دائماً ... وقه الخطوب ومكرها
وكان له ذوق كبير في الأدب ونكتة، وعمل كثيراً نظماً ونثراً.
وكان فيه كرم زائد، ووجه طلق في تلقي الأصحاب ومن يرد القدس، وترك عليه جملة من الديون بسبب ذلك.
وكتبت إليه وقد ورد إلى دمشق المحروسة في بعض السنين، أظنها سنة تسع وثلاثين وسبع مئة:
أتيت إلى دمشق وقد تشكّت ... إليك لطول بعد وانتزاح
وكانت بعد بعدك في فساد ... وجئت لها ففازت بالصّلاح
وقد أجاز لي بخطه كل ما يجوز له تسميعه. وكان يكتب في الإجازات بيتاً مفرداً، وهو:
أجازهم المسؤول فيه بشرطه ... خليل بن كيكلدي العلائي كاتبه
وهذا مثل ما أكتبه أنا أيضاً في الإجازات، وهو:
أجاز للسائلين ما سألوا ... فيه خليل بن أيبك الصفدي
وكتبت له أنا عدة تواقيع بتدريس المدرسة الصلاحية بالقدس بالشام والقاهرة.
فأول ما كتبت له بذلك بدمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ونسخته: رسم بالأمر العالي، لا زالت أوامره المطاعة تهدي إلى الأماكن الشريفة صلاحا، وترفع قدر من إذا خطا في طلب العلم الشريف تضع له الملائكة جناحا، أن يرتب المجلس السامي الصلاحي مدرسا بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف لما اتصف به من العلوم التي أتقنها حفظا، وطرز بإيرادها المحافل، فراقت في القلوب معنىً، وفي الأسماع لفظا، فهو الحبر الذي يفوق البحر بغزارة مواده، والعالم الذي أصبح دم الشهداء بإزاء مداده، إن نقل حكماً فما المزني إلا قطرة من هتانه، أو