وحج سنة أربع وأربعين وسبع مئة. وجاور بمكة وعاد في سنة ست وخمسين. وعدت أنا وهو إلى الشام، ورافقته في الطريق، واجتمعت به غير مرة في دمشق والقاهرة والقدس. وأخذت من فوائده في كل علم، وقل أن رأيت مثله في تحقيق ما يقوله في كل فن وتدقيقه.
وكان ممتعاً في أي باب فتح، يحفظ تراجم أهل العصر، ومن قبلهم، وتراجم الناس من المتقدمين، وهو عارف بكل شيء يقوله أو يتكلم فيه.
وأنشدني لنفسه إجازة، ونقلته من خطه:
يا ربّ كم من نعمةٍ ... لك لا أُؤدّي شكرها
أو ليتني فيها الجمي ... ل وذدت عني شرّها
وكفيتني يا ربّ في ... كلّ الأمور أمرّها
ووقيتني عند الشدا ... ئد والحوادث ضرّها
فاغفر ذنوبي كلّها ... إنّي لأرهب وزرها
فهي التي فارقتها ... وأجدت حلماً سترها
وعصيت جهلاً حين لم ... أقدر جحيمك قدرها
والطف بعبدك دائماً ... وقه الخطوب ومكرها
وكان له ذوق كبير في الأدب ونكتة، وعمل كثيراً نظماً ونثراً.
وكان فيه كرم زائد، ووجه طلق في تلقي الأصحاب ومن يرد القدس، وترك عليه جملة من الديون بسبب ذلك.
وكتبت إليه وقد ورد إلى دمشق المحروسة في بعض السنين، أظنها سنة تسع وثلاثين وسبع مئة:
أتيت إلى دمشق وقد تشكّت ... إليك لطول بعد وانتزاح
وكانت بعد بعدك في فساد ... وجئت لها ففازت بالصّلاح
وقد أجاز لي بخطه كل ما يجوز له تسميعه. وكان يكتب في الإجازات بيتاً مفرداً، وهو:
أجازهم المسؤول فيه بشرطه ... خليل بن كيكلدي العلائي كاتبه
وهذا مثل ما أكتبه أنا أيضاً في الإجازات، وهو:
أجاز للسائلين ما سألوا ... فيه خليل بن أيبك الصفدي
وكتبت له أنا عدة تواقيع بتدريس المدرسة الصلاحية بالقدس بالشام والقاهرة.
فأول ما كتبت له بذلك بدمشق في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ونسخته: رسم بالأمر العالي، لا زالت أوامره المطاعة تهدي إلى الأماكن الشريفة صلاحا، وترفع قدر من إذا خطا في طلب العلم الشريف تضع له الملائكة جناحا، أن يرتب المجلس السامي الصلاحي مدرسا بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف لما اتصف به من العلوم التي أتقنها حفظا، وطرز بإيرادها المحافل، فراقت في القلوب معنىً، وفي الأسماع لفظا، فهو الحبر الذي يفوق البحر بغزارة مواده، والعالم الذي أصبح دم الشهداء بإزاء مداده، إن نقل حكماً فما المزني إلا قطرة من هتانه، أو
رجح قولاً فما ابن سريج إذا جاراه من خيل ميدانه، أو ناظر خصماً فما ابن الخطيب ممن يعد في أقرانه، أو استدل محتجاً فما يقطع السيف إلا بدليله وبرهانه، فالماوردي حاوي مناقبه وذكره، وأبو إسحاق صاحب التنبيه على رفعة محله وقدره، قد أضحت به وجوه الأصحاب سافرةً عن الحسن البارع والمنظر الجميل، وأمست طرق المذهب بدروسه واضحة الأمارة، راجحة الدليل، ولذلك ندب لنشر العلم الشريف لذلك القطر الجليل، واستحق لفضله الأقصى أن تكون حضرة القدس مقام الخليل، فليورد من فضله الباهر هناك ما يحيي مذهب ابن إدريس بدرسه، وينشر ميت العلم حتى يكون روحاً في قدسه، وليتعهد الطلبة بالحفظ والبحث، فإنها للعلم كالجناحين، وليقف عندما شرطه الواقف أثابه الله الجنة، فما يفسد أمر وقع بين صلاحين، وتقوى الله تعالى زينة العلم، فليجعلها طراز لبسه، وجمال العلم، فليدخرها لغده الذي يربى في الخير على أمسه، والله تعالى يزيده فضلاً على فضله، وينشر به أعلام العلم الذي يخفق على رؤوس أهله، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وبيني وبينه رحمه الله مجارات ومكابتات وألغاز وغير ذلك، وقد سقت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع.
ولما بلغتني وفاته رحمه الله تعالى قلت أرثيه:
يا صاح دعني من حديثك إنّ قلبي في البلاء
أو ما ترى أهل الحديث تسافلوا بعد العلائي
وقلت فيه أيضاً:
العلم بعد صلاح الدين قد فسدا ... والفضل نقصانه قد راح مطّردا
مات الذي كان في علم الحديث إذا ... ما أظلم الشكّ فيه راح متّقدا
ومن يحررّ أسماء الرجال ويد ... ري النقد والنقل والتعليل والسندا
قد شارك الناس في أشياء يفضلهم ... فيها من العلم لا نحصي لها عددا
أما إذا كان في نقد الصحيح من ال ... حديث فهو لهذا الشأن قد قعدا
والفقه ألقاه تدريساً يحرّره ... حتى تجاوز في غاياته الأمدا
وفي الأُصولين أستاذٌ فما أحدٌ ... أراه يقوى لديه لو حكى أُحدا
ستّ وستون عاماً مرّ أكثرها ... في نصرة السنة الغراء مجتهدا
إن أظلمت شبهة من إفك مبتدعٍ ... وقام في دفعها قلت الصباح بدا
أهل الضلالات أرداهم فلم يجدوا ... من دونه في جميع الناس ملتحدا
جاؤوا إليه وكادوا الحقّ فيه وقد ... كادوا يكونون من شرّ له لبدا
فشتت الله من لطف عزائهم ... وحلّ إذ فيهم كلّ ما عقدا
مباحثٌ كلّما التفّ الجلاد من ال ... جدال أو ضاق حربٌ فكّت الزردا
سرى إلى غاية ما نالها أحد ... كانت طرائقه نحو العلى قددا
نحوٌ وفقهٌ وتفسير إلى أدب ... قد راح مجموعه المختار منفردا
وفي تراجم أهل العصر حاز يداً ... طولى وكم قد أفاد الناس منه يدا
فليس أدري له مثلاً أنظّره ... ومن يدانيه في شأوٍ فقد بعدا
علمٌ وحلمٌ ومعروفٌ وطيب ثناً ... وحسن سمت ونسك زائد وهدى
تمرّ أوقاته في حفظ سؤدده ... فما رأيت له وقتاً يضيع سدى
يقري الورى جفنات ثم يقرئهم ... مجلداتٍ لمن وافى ومن وفدا
وحين جاور من جور الزمان وقد ... أنضى إلى مكة العيرانة الأُجدا
وكان خير فتى أدّى فرائضه ... في عصره وتردّى الصّبر والجلدا
وكل يوم يزيد البّر في عمل ... منه على أمسه حتى يسرّ غدا
مضى إلى الله محفوفاً برحمته ... حتى يلاقي غدا في الحشر ما وعدا
أكاد من حسن ظني في طريقته ... أني أشاهده في جملة الشهدا
يا بن العلائيّ إني قد قضيتك من ... حق الرثاء الذي أبصرته رشدا
فاذكر أخاك إذا حيّتك نافحةٌ ... من روح ربك أو بلّت لديك صدى
فأنت ضيف عظيم الجود وهو إذا ... ما جاد لم ينس من معروفه أحدا
وقم إلى الله يوم الحشر في دعةٍ ... فأنت عندي معدودٌ من السّعدا
خليل بن أيتمش
الأمير صلاح الدين بن الأمير أيتمش المحمدي، والده تقدم ذكره في مكانه من حرف الهمزة.
وكان هذا صلاح الدين له صورة سبحان من أبدعها، ولو شاء لذهب بالشمس وأطلعها، بديع الجمال، وافر الحسن، يشهد له البدر بالكمال قد تأنى الحسن فيه وتألق، وتملأ القمر بنظره لما رآه فتملق، بقد من أين للغصن تخطره، ونشر من أين لزهر الروض في السحر تعطره، ووجه حلا نظره، وتمنى الأفق لو أنه شمسه أو قمره، وعيون من نفاثات السحر في عقد القلوب، وجفون كم وقع أسد منها في أقلوب، وفم
تبسم مرجان شفته عن لآلئ منظومه، ووجنات كأنها بأزاهر الحدائق مرقومه، وشعر يخط في الأرض إذا خطا، ويحسده الغزال إذا عطا، زان بجماله المواكب، وزاحمته الكواكب على حسنه بالمناكب.
فلو قدر البدر كان الذي ... تطلّع ما بين أطواقه
وما أطمع الظبي إن رام أن ... يحاكيه يوماً بأحداقه
بينا هو في أمر صعوده، ومنازل سعوده، إذ أنزله الحمام من حصنه، وبكى الحمام على غصنه وتجرع أبوه كأس فقده المر، وود لو كان بدله في تلك الحفر، فتأسف الناس على شبابه، وبلوا بوبل دموعهم ما جف من ترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان ممن يحبه ويهواه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولكنه كان يحب من غير إتيان محرم أو معصية غير النظر.
اللقب والنسب
ابن الخليلي الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز، وولده شرف الدين عبد الرحمن.
خوبي
بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، وبعدها باء موحدة وياء آخر الحروف.
كانت جارية الأمير سيفا الدين بكتمر الساقي، اشتراها بعشرة آلاف دينار
مصرية، كانت مغنية عواده، بادية الحسن والطرب عواده، لم يكن دخل مصر لها نظير، ولا غنى الحمام على مثل قدها النضير، اشتراها وهام في هواها، وسكنها في داره على بركة الفيل التي ما اقتنى أحد مثلها ولا حواها، إذا جست أوتارها أخذت من القلوب أوتارها، وجرى من لطف أناملها الماء في العود، وقيل: هذا البدر في السعود. فإذا غنت أغنت عن الأطيار، وإذا عنت عنت قلوب البررة الأخيار.
ثم إنها نقلت بعده إلى ملك بشتاك، وزن فيها ستة آلاف دينار، ودخل معها قماش وحلي، وغير ذلك بعشرة آلاف دينار، ثم إنه وهبها لمملوكه ألطنبغا فيمن أظن، وهنا آخر علمي بأمرها.
ولما اشتراها بكتمر الساقي بلغ أمرها امرأته أم أمير أحمد، فقالت له: أريد أنزل إلى دارك التي على البركة لأتفرج هناك، فعلم المقصود، فنزل إلى خوبي وقال لها: الست إذا جاءت إلى هنا اجلسي على يديها والعود في حجرك، واضربي قدامها، وغني لها نوبة مطربة، فلما نزلت ودخلت الدار أول ما توجهت إلى الشباك المطل على البركة، واشتغلت ساعة، ثم التفتت بعد ذلك إلى جهة جواريها، فرأت جارية تركية بيضاء، وجميع ما عليها أبيض مصقول من غير زركش ولا حلي ولا مصاغ فأنكرت ذلك، وقالت: من هي هذه؟ فباست الأرض وقعدت، ووضعت العود في حجرها، وقالت: دستور، وغنت نوبة كاملة مطربة، فقالت الست: من هي هذه؟ فقالوا: هذه جارية الأمير. فقالت: هذه خوشداشتي، ثم أخذت بيدها، وأجلستها إلى جانبها وأحضرت لها بدلة كاملة بطرز زركش وباولي وزركش، وحلياً ومصاغاً مما هو يجمله، وقالت لمن يثق إليها: والله لما قالوا اشترى الأمير جارية بعشرة آلاف دينار وسكنها في داره على البركة، ظننت أنها تكون مثلي في الحشم والخدم والجواري والملبوس. ثم إنها طلعت بعد ذلك إلى القلعة ولم تنكر من أمرها شيئاً، واطمأنت نفسها إلى ذلك.
قلت: ضعيفان يغلبان قوياً، لأن بكتمر الساقي رحمه الله تعالى تداهى فيما قاله لخوبي، وزادت هي في الدهاء عليه، فما حصل لهما بذلك إلا خير.
ولما توفي بكتمر الساقي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز قال السلطان: والكم أول ما تصلون القاهرة احترزوا على عود خوبي، فإنها أول ما تسمع خبر بكتمر تكسر عودها. وكان الأمر كما قال، فقيل: إنها أول ما بلغها ذلك قبل وصول السلطان كسرت عودها. وغضب السلطان عليها، وأباعها لبشتاك بستة آلاف دينار، ولكنها لم تقع من قلب بشتاك بموقع.
اللقب والنسب
ابن خواجا إمام محمد بن عمر ابن أبي الخوف أحمد بن محمد ابن الخيمي مجد الدين إبراهيم بن علي ابن الخلاطي الكاتب محمد بن نجيب