المرواني، وداخل النشو، فكانا إذا حضرا عنده ينبسط ابن المرواني مع من يكون حاضرا، ويندب وينشرح ونجم الدين الزيبق في تصميم وإطراق، أو يري أنه ناعس، إلى أن رأى النشو أنه ما يدخل معه في دائرته، فاتفق مع الأمير سيف الدين مكلتمر الحجازي، وأحضر من شكا منه في يوم دار عدل، فعزله السلطان، وأمر بإخراجه إلى دمشق إكراماً للأمير سيف الدين تنكز في يومه ذاك، فعاد إلى دمشق، فولاه تنكز شد الأوقاف والخاص، إلى أن جرت واقعة النصارى في نوبة الحريق بالجامع الأموي، فسلمهم الأمير تنكز إليه، فتولى عقابهم وتقريرهم، واستخرج أموالهم وتسميرهم على الجمال وتوسيطهم وحريقهم.
وجرت عقيب هذه الواقعة كائنة تنكز وإمساكه، فأمسك الأمير نجم الدين في جملة من أمسك لأجله، ثم أفرج عنه. وتولى نابلس في أيام الأمير علاء الدين أيدغمش، ثم عزل وتولى بر دمشق في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر.
ثم طلب إلى مصر في أيام الصالح إسماعيل، وتولى شد الخاص المرتجع عن العربان بالشام وصفد وحمص وحماة وطرابلس. وأقام كذلك ولده شجاع الدين أبو بكر نائبه في ولاية البر بدمشق إلى أوائل أيام الأمير سيفي الدين يلبغا، فتوجه على الخاص إلى مصر، وتولى بمصر شد الجيزية، وكان بها كاشفاً ومشدا.
ولما أمسك يلبغا وأقاربه ومن كان تسحب معه حضر الأمير نجم الدين هو والصاحب علاء الدين بن الحراني والأمير عز الدين أيدمر الزراق للحوطة على موجود المذكورين وإقطاعاتهم، وجعل الأمير شمس الدين آقسنقر أمير جاندار يتحدث
معهم. وكان قد عين للأمير نجم الدين إقطاع طبلخاناه لتجهز إليه إلى الشام، فاعتل قريباً من جمعة، ومات رحمه الله تعالى.
ومن حسن سياسته أنه تولى نابلس في أيام تنكز فقتل فيهم، وأراق دماءهم، وبعد ذلك نقل عنهم وولي شد دواوين دمشق. وغضب عليه تنكز وأمسكه، وطلب منه مئة ألف درهم، فحضر أكابر أهل نابلس، فقالوا: نحن نزنها عنه، ويعاد إلينا والياً، فكان ذلك من أسباب الرضى عنه.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بشد الخاص بدمشق في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وكان ذلك عقيب قدومه من مصر إلى الشام، وهو: الحمد لله الذي جعل نجم الدين في آفاق السعادة طالعا، وسيره في منازل السيادة حتى كان الحكم بشرفه قاطعا، وقدر له الخير في حركاته وسكناته مستقيماً وراجعا، وأبرزه في هذه الدولة القاهرة لشمل مسراتها جامعا، نحمده على نعمه التي قربت من نأى بعد انتزاحه، وأعادته إلى وطنه الذي طالما شام التماع برقه في الدجى بالتماحه، وجبلته على إشارة دون كل قطر تبسم روضه بثغر أقاحين وما قلنا أقاحه، وخصته بمباشرة خاص تأتى له وتأتي البركات فيه على اقتراحه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نزل إثبات التوحيد في أبياتها، ووجدت النفوس لذاتها بإدمانها لذاتها، ومد الإيمان أيدي جناتها إلى ثمار جناتها، وأوصل الإيقان راحات قاطفيها إلى راحاتها.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بعثه الله إلى الخاص والعام، وأورثه من
خزائن جوده فريد الإفضال ومزايا الإنعام، وحببه إلى قوم هم أنس الإنس، وجنبه قوماً " إنْ هُم إلاّ كالأنعامِ " وأيده بالكرامة، وأمده بالكرم ونصره بالملائكة الكرام. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين سدوا ما ولاهم، وسادوا من والاهم، وشادوا مجد هذه الأمة فهم أولادهم فيه وبه أولاهم، ووعدوا على ما اتبعوا جنةً دعواهم فيها: سبحانك اللهم، صلاةً يتضوع من نشرها شذاهم، وتكفي من اتبعهم شر أهل البدع وتقيه إذا هم أذاهم، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فلما كانت وظيفة شد الخاص الشريف بدومة وداريا من أجل الوظائف، وأنفس المناصب التي كم أمها عاف وراقها عائف، وأشرف المباشرات التي من دونها بيض الصفائح لا سود الصحائف، يحتاج من باشرها إلى أن يكون ممن علت هممه، وغلت قيمه، وشكرت شيمه، حتى تفيض على العام من الخاص نعمه، وتدر بداريا دروه، وتدوم على دومة ديمه.
وكان المجلس السامي الأميري النجمي داود بن الزيبق الناصري ممن تهادته الممالك الإسلامية شاماً ومصرا، وحاز نوعي الثنا مداً وقصرا، وفات البلغاء من الحصر وصفه حصرا، وطرف عيناً ترون العين، ووضع عن الغلال أغلالاً وإصرا. طلع في كل
أفق، ولا غرو، فهو النجم، وأقام على من خطف الخطفة من رصد حفظه كوكب رجم، وصلب عوده على من أراد امتحان بأسه بغمز أو اختبار لينه بعجم، وانتقل من جنة دمشق إلى مجاورة النيل وهو نهر الجنه، وعاد إلى وطنه ومصر مصرة على محبته، فأشواقها في سموم هوائها مستجنه، وحسنت مباشرته في كل قطر محدود، وباتت مخازيم سؤدده وسدادها مسدود، وأضحى وعمل عمله ليس لناظر فيه مخرج، ولا دون فضله باب مردود، وأطربت مناقبه حتى قال الناس: هذه مزامير داود.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أن يفوض إليه كذا، فليباشر ذلك مباشرةً تشخص لها عيون الأعيان، ويتعلم الكتاب منها تثمير أقلام الديوان، والأبطال تدبير عوالي المران، مجتهداً فيما يدبره، معتمداً على حسن النظر فيما ينبه عليه أو يثمره، فما ندب لذلك إلا لحسن الظن بسياسته، ولا عين لهذه الوظيفة إلا لجميل المعرفة بما جرب بين سؤدده ورياسته، ومثله لا ينبه على مصلحة يبديها، أو منفعة يعلنها أو يعليها، أو فائدة يهديها أو يهديها، أو كلمة اجتهاد لا يملها من يأخذها عنه أو يستمليها.
وهو بحمد الله تعالى غني عن إطراء من يمدحه من الغاوين، أو يزهره له بشد هذا الديوان، فقد باشر قبله شد الدواوين، فلا يبذل للناس غير ما ألفوه من سجاياه الحسان في الإحسان، ولا يطو بشره عنهم، فمن رآه لم يكن معه محتاجاً إلى بستان، ولا يعامل الرفاق إلا بالرفق، فإن " كلّ مَنْ عليها فان "، والتقوى ملاك الوصايا فليجعلها له نجيا، وقوام الأمور فلا يتخذها ظهريا، وسداد كل عوز فمن
رامها " تمثّل لها بشراً سويّاً "، والله تعالى يتولاه فيما ولاه، ويزيده من فضله الأوفى على ما أولاه، والخط الكريم أعلاه الله تعال أعلاه، حجة على ثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
؟
داود بن الحسن بن منصور
علم الدين بن سواق.
قرأ الفقه على بهاء الدين هبة الله القفطي، وتأدب على أبيه، وقد مر ذكره في حرف الحاء.
كان شاعراً مطبوعا، محمولاً على اللطف موضوعا، خفيف الروح، لا تندمل له من اللهو قروح.
ولم يزل على حاله إلى أن نزل الأمر الذي هو لقبض النفوس تواق، وساق ابن سواق إلى القبر سواق.
وتوفي في حياة والده رحمه الله تعالى سنة ست وسبع مئة. وأورث أباه داءً عظيما، وقال من حزنه: يا ليت الفتى أضحى عقيما.
ومما قال أبوه في رثائه:
مصابك يا داود ليس يهون ... فقد أنبعت فيك العيون عيون
ورثاه محمد بن الحكم بقصيدة منها:
قصدت ربع بني سوّاق مبتغيا ... حجّاً فخبت لأنّي لم أر العلما
ومن شعره علم الدين يمدح طقصبا والي قوص:
لاح برق من الخبا ... إنّ هذا له نبا
وتنشّقت نسمة ... طرقتني مع الصّبا
همت لمّا شممتها ... وفؤادي لها صبا
وسرى النشر في الورى ... عمّ شرقاً ومغربا
هذه دولة الرضا ... وبلها جاء صيّبا
جئت بالحق ناطقاً ... لست يا برق خلّبا
إنما أنت بارقٌ ... لاح من وجه طقصبا
سيف دين مجرّدٌ ... ضيغمٌ ضمّه قبا
عفوه وانتقامه ... قرن الذيب والظّبا
وغدا طوع أمره ... أسمر الخطّ والظبى
قلت: شعر عذب منسجم.
داود بن محمد
ابن أبي القاسم بن أحمد بن محمد: الأمير الرئيس الجليل عماد الدين ابن الأمير بدر الدين الهكاري.
سمع من ابن اللتي، وحامد بن أبي العميد القزويني، والزكي البرزالي، وابن رواحة، وابن خليل، وابن قميرة بحلب، والتاج بن أبي جعفر بدمشق، وعمار بن منيع بحران، وعبد الغني بن بنين بمصر.
كان فاضلاً نبيلا، عاقلاً جليلا، تولى نيابة قلعة جعبر في أيام الناصر، وكان في تلك الدولة ممن تعقد عليه الخناصر.
ولم يزل يركب ويتصيد، ويتصدى للحركات ولا يتقيد، إلى أن حان مقدوره، وآن نزوله في القبر وحدوره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
ومولده سنة تسع وست مئة.
وحدث بدمشق والقدس.
داود بن مروان بن داود
الفقيه الإمام القاضي نجم الدين أبو سليمان الملطي الحنفي.
كان شيخاً كبيراً من أعيان الحنفية، درس بعدة مدارس، وتولى قضاء العسكر. وكان يقدم إلى دمشق، ويحكم فيها نيابةً عن قاضي القضاة حسام الدين أيام إقامته.
وكان فيه مروءة وتعصب.
توفي رحمه الله تعالى ثالث شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبع مئة.
داود بن يوسف بن عمر
رسول الملك المؤيد هزبر الدين بن الملك المظفر التركماني صاحب اليمن.
بحث التنبيه، وحفظ كفاية المتحفظ، ومقدمة ابن بابشاذ، وسمع من المحب الطبري وغيره.
كان قد تفنن في العلوم، وأخذ بكل طرف من الفضائل والفهوم.
وسمع الناس بميله إلى الأفاضل، فجاؤوه من كل قطر بعيد، واعتدوا للدهر يوم لقائه بعيد، وانثالوا عليه من كل فج، وأموا كعبة جوده بالحج. وأحسن إلى الواردين، وأجمل إلى القاصدين، وهاجر إليه أرباب الصنائع، وأودع عندهم الأيادي والصنائع، وجلب إليه نفائس الأصناف، وأنصف أربابها في العوض عنها غاية الإنصاف، جهزت إليه نسخة بالأغاني الكبير في مجلدة واحدة بخط ياقوت، فوزن فيها مبلغ خمسة آلاف درهم، واشتملت خزائنه على مئة ألف مجلد.
وكان يحب أهل الخير، ويزور الصالحين، وكانت أيامه كثيرة الخير.
قيل: إن عز الدين الكولمي ورد عليه، ومعه من الحرير والمسك والصيني ما أدى عنه ثلاث مئة ألف درهم. وأنشأ قصراً عديم المثل بديع الحسن.
ولما مات رحمه الله تعالى اضطرب أمر اليمن مدة، وتمكن الملك الظاهر بن الملك المنصور، وقبضوا على المجاهد بن المؤيد، ثم مات المنصور، وكان دينا رحيما.
ثم ثار أمراء مع المجاهد، فاستولى على قلعة تعز، ثم قوي أمره، وجرى على الرعايا من النهب وافتضاض الأبكار كل سوء، ودام الحرب بين الظاهر والمجاهد، وآل