وأنشدني لنفسه:
سموت إذ كلمتني ... سلمى بغير رساله
وقال صحبي: تنبّا ... وكلمته الغزاله
وأنشدني لنفسه:
من يكن أعمى أصما ... يدخل الحان جهارا
يسمع الألحان تتلى ... ويرى الناس سكارى
وأنشدني لنفسه:
بدا الشّعر في الخدّ الذي كان مشتهى ... فأخفى عن المعشوق حالي وما تخفى
لقد كانت الأرداف بالأمس روضةً ... من الورد وهي اليوم موردة الحلفا
وأنشدني لنفسه:
يا رسول الحبيب غث مستهاماً ... مغرماً يعشق الملاح ديانه
حدّث الخائف الكئيب من الهج ... ر فهو ممن الحديث أمانه
وأنشدني لنفسه:
وقائلةٍ يوم الوداع أرى دماً ... تفيض به عيناك، ناديت لا أدري
ألم تعلمي أنّ الفؤاد لبيننا ... يذوب وأنّ العين لا بدّ أن تجري
وأنشدني لنفسه:
وإلام أمنحك الوداد سجيّةً ... وأبوء بالحرمان منك وبالأذى
ويولمني فيك العذول وليس لي ... سمعٌ يعي وإلى متى نبقى كذا
وأنشدني لنفسه:
يقول نديمي عن نضوحٍ بكفّه ... لقد فضح الصّهبا وجلّ عن الخبث
فقلت: هو المطبوخ من حسدٍ لها ... ألم تره قد صار منه إلى الثّلث
وأنشدني لنفسه:
ضيّعت أموالي في سائبٍ ... يظهر لي بالودّ كالصّاحب
لمّا انتهى ما لي انتهى ودّه ... واضعية الأموال في السّائب
وأنشدني لنفسه:
وساحر طرفٍ عقربٌ فوق صدغه ... تدبّ إلى قلبي ولم أملك النفعا
وحيّة شعرٍ خلفها نحو مهجتي ... يخيّل لي من سحرها أنّها تسعى
وأنشدني لنفسه:
لمّا حكى برق النّقا ... لمعان ثغرك إذ سرى
نقل الغمام إليك عن ... دمعي الحديث كما جرى
وأنشدني لنفسه:
حظّ عينيّ من الدّنيا القذى ... وفؤادي حظّه منها الأذى
ولكم حاولت فيها راحةً ... ما أراد الله إلا هكذا
وبيني وبينه مكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع، وعلقت من شعره كثيراً مما أنشدنيه من لفظه لنفسه من الموشحات والمواليا وغير ذلك وجميعه في التذكرة التي لي.
سليمان بن داود بن سليمان
أمين الدين رئيس الأطباء بدمشق.
كان سعيد العلاج، عديد السعد برأيه والابتهاج، أول ما ظهر به من المعرفة واشتهر، وشاع عنه أنه قد جاد وقهر، لما طلب إلى طرابلس لمعالجة أسندمر نائب طرابلس، فإنه وجده في الصيف في مثل ساحل طرابلس، وهم قد أدخلوه في خركاة وألبسوه فروة للمنام ثقيلة ومرضه حاد، فأمر بإخراجه من الخركاة، ونزع الفروة وحلق رأسه، وأخذ في علاجه بما يصلح به مزاجه، فصح وعوفي، وأعطاه شيئاً كثيراً، فاشتهر حينئذ أمر الأمين سليمان.
وأنا اجتمعت به بدمشق والديار المصرية غير مرة، وبحثت معه، فوجدته رجلاً خبيراً بالعلاج لا على القواعد، بل أخذ ذلك بسعد يرشده له، وفطنة تؤديه إليه، ولم أجده يعرف شيئاً من الحكمة. وزرت أنا وهو الآثار النبوية التي برباط الصاحب تاج الدين محمد بن حنا في المعشوق.
ولما توجه قاضي القضاة القزويني إلى الديار المصرية وجد عند السلطان تطلعا إلى عافية القاضي علاء الدين بن الأثير لفالج أصابه، فقال القاضي للسلطان:
يا خوند: أمين الدين سليمان الطيب بدمشق داوى ولدي عبد الله من هذا المرض وبرئ منه. فطلبه السلطان إلى القاهرة، ولازم ابن الأثير، فما أنجب فيه علاج، لأنه كان قد تحكم فيه المرض، وعاد إلى دمشق في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكان يسمر عند الصاحب شمس الدين بن غبريال، ويلعب الشطرنج بين يديه كل ليلة، ويلازمه في النزهة وغيرها، وكان قد حصل أموالاً عديدة وكتباً عظيمة.
ولم يزل على حاله إلى أن أعيي العلاد داؤه، وفقده صحبه وأوداؤه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وسبع مئة في يوم السبت سادس عشري شعبان.
وكان قد سمع على شيخه كمال الدين الدنيسري شيئاً من الحديث بقراءة شيخنا علم الدين البرزالي.
ودفن بالقبيبات قبلي دمشق.
سليمان بن عبد الحليم بن عبد الحكيم
الشيخ الإمام العالم الفاضل صدر الدين الباردي، بالباء الموحدة وبعد الألف راء ودال مهملة، المالكي الأشعري.
كان فقيهاً في مذهب مالك، سديد الطرق في علمه والمسالك، أفتى على مذهب إمامه مالك رضي الله عنه زمانا، والتقط الناس من فتاويه دراً وجمانا، وكان من بقايا
العلماء وسلف الفضلاء، أشعري العقيدة، لا يقدر أحد على أن يكيده، وكان يصحب أكابر الشافعية ومن فيه ذكاء أو ألمعية.
ولم يزل على حاله إلى أن فترت من الباردي حركاته، واستولت عليه سكناته.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد خامس جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون دمشق.
ومولده سنة ثلاث وسبعين وست مئة.
وكان يدرس بالشرابيشية.
وقلت أنا فيه:
من بعد صدر الدّين صدري ضاق بل ... قد ذاق فرط جوىً وحزن زائد
ومن العجائب أن قلبي يلتظي ... بالنار من حزني لأجل الباردي
سليمان بن عبد الرحمن
ابن علي بن عبد الرحمن الشيخ الإمام العالم نجم الدين أبو المحامد النهرماوي - بالنون والهاء والراء والميم والألف والواو - الحنبلي قاضي القضاة ببغداد.
قال الحافظ نجم الدين الدهلي: سمع ببغداد جميع الأربعين الطائية على
المسند أبي البركات إسماعيل بن علي بن أحمد بن الطبال الأزجي بسماعه ممن جمعها الإمام أبي الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، وحدث بها ببغداد، وسمعها جماعة، منهم نجم الدين الدهلي.
وكان المذكور شيخ الحنابلة ببغداد وفقيههم ومدرسهم، تفقه على شيخ الإسلام تقي الدين أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي بكر الزريراني، وكان يثنى عليه بمعرفة الفقه. ودرس للحنابلة بالمستنصرية، وباشر القضاء مع التعفف والصيانة والتقشف، ولم يحكم بين الناس قبل موته بمده. ثم إن ولده استقل بالقضاء في حياته فسده، وولي التدريس أيضا، وأفاض الخير فيضا.
ولم يزل نجم الدين المذكور على حاله إلى أن فغر القبر له فمه، وحلم إليه فالتقمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة ببغداد.
ومولده تقريباً سنة سبع وأربعين وست مئة.
سليمان بن عبد القوي
ابن عبد الكريم بن سعيد الطوفي، بالطاء المهملة والواو.
كان فقيهاً حنبليا، عارفاً بفروع مذهبه مليا، شاعراً أديبا، فاضلاً لبيبا، له
مشاركة في الأصول، وهو منها كثير المحصول، قيماً بالنحو والفقه والتاريخ ونحو ذلك، وله في كل ذلك مقامات ومبارك.
ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة عشر وسبع مئة.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: كان شيعياً يتظاهر بذلك، ووجد بخطه هجو في الشيخين رضي الله عنهما.
وكان قاضي القضاة الحاري يكرمه ويبجله ورتبه في مواضع من دروس الحنابلة، وأحسن إليه. ثم وقع بينهما، وكلمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب، فقام عليه ابنه شمس الدين، وفوضوا أمره إلى بدر الدين بن الحبال، وشهدوا عليه بالرفض، فضرب، وتوجه من القاهرة إلى قوص، وأقام بها سنين.
وفي أول قدومه نزل عند بعض النضارى وصنف تصنيفاً أنكرت عليه ألفاظ فغيرها. قال: ولم نر منه بعد ولا سمعنا شيئاً يشين.
ولم يزل ملازماً للاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدروس معنا إلى أن سافر من قوص إلى الحجاز. وكان كثير المطالعة، أظنه طالع أكثر كتب خزائن قوص، وكانت قوته في الحفظ أكثر منها في الفهم.
وصنف تصانيف منها: مختصر الترمذي، واختصر الروضة في أصول الفقه تصنيف الشيخ الموفق، وشرحها، وشرح الأربعين النووية، وشرح
التبريزي في مذهب الشافعي وكتب على المقامات شرحاً رأيته يكتب فيه من حفظه، وما أظنه أكمله، وصنف في مسألة كاد، وسماه إزالة الإنكاد، وتكلم على آيات من الكتاب العزيز.
ومن شعره:
إن ساعدتك سوابق الأقدار ... فأنخ مطيّك في حمى المختار
هذا ربيع الشهر مولده الذي ... أضحى به زند النبوّة وار
هو في الشهور يهشّ في أنواره ... مثل الربيع يهشّ بالأنوار
ومن قصيدة يهجو فيها بلاد الشام:
قوم إذا حلّ الغريب بأرضهم ... أضحى يفكّر في بلاد مقام
بثقالة الأخلاق منهم والهوى ... والماء وهي عناصر الأجسام
ووعورة الأرضين فامش وقع وقم ... كتعّثر المستعجل التّمتام
لا غرو إن قست القلوب قلوبهم ... واستثقلوا خلقاً لدى الأقوام
فجوار قاسيّون هم وكأنهم ... من جرمه خلقوا بغير خصام
قالوا: لها في المسندات مناقبٌ ... كتبت بها شرفاً حليف دوام
أهل الرواية أثبتوا إسنادها ... من كل حبر فاضل وإمام
قلت: الأماكن شرّفت لا أهلها ... لخصوصة فيها من العلاّم
أرض مشرّفة وقوم جيفةٌ ... فالكلب حل بموطن الأجرام