أتوجه إلى الفخري، فجاء إلى الفخري وهو نازل على خان لاجين، وتحيز له وأعرض عن ألطنبغا، وتوجه من دمشق إلى الناصر أحمد بالكرك، ورسم له بالإمرة عوض أخيه موسى، فاستقل بإمرة آل فضل إلى أن توفي سليمان بظاهر سلمية.
وكان مفرط الكرم، حكى الأمير حسام الدين لاجين الغتمي النائب بالرحبة قال: كنت والي البر بالرحبة، وكان سليمان بن مهنا قد أغار على قفل فأخذه في البرية، وجاء إلى الرحبة فجهزت إليه رأس غنم، وأحضرت له من سنجار حمل شراب، فلما أكل وشرب وانتشى قليلاً قال لي: يا حسام خذلك هذه الفردة، فأختها، فوجدتها ملأى من القماش الإسكندري، قال: فبعت ما فيها بتسعين ألف درهم.
وكان مقداماً شجاعاً، ومن إقدامه أنه عارض بريدياً وهو متوجه من بغداد ومعه جارية للسلطان الملك الناصر فأمسكها وافتضها وما انتطح فيها عنزان.
وكان معاقراً للشراب ليلاً ونهاراً لا يفارقه.
سليمان بن موسى بن بهرام
تقي الدين السمهودي بن الهمام.
كان فاضلاً عالما، فقيهاً فاضلاً من الشر سالما، نحوياً شاعرا، عروضياً ماهرا، لا يعرف له أستاذ، وله مع ذلك بصر في هذه العلوم ونفاذ، جيد الحفظ حسن الفهم، ينفذ في الفرائض نفوذ السهم، ويدري من الأصول مسائل بأدلتها، وفوائد بجملتها، وأما تعبده وتقشفه وصبره على الفقر وتعسفه، فأمر عجيب، وشيء يصبح القلب منه وبه وجيب.
ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى من أماته ويحييه، ويسكنه الجنان ويحييه.
وتوفي رحمه الله تعالى بسمهود في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي رحمه الله: وأنشدني لنفسه:
لما في كلام العرب تسعة أوجه ... تعجّب وصف منكورةً وانف واشرط
وصلها، وزد، واستعملت مصدريّةً ... وجاءت للاستفهام والكفّ فاضبط
قلت: قد جمع بعض الأفاضل هذه التسعة في بيت وهو:
تعجّب بما اشرط زد صل انكره واصفاً ... وتستفهم انف المصدريّة واكففا
ومن شعر تقي الدين يمدح سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أضاء النور وانقشع الظلام ... بمولد من له الشرف والتّمام
ربيعٌ في الشهور له فخارٌ ... عظيم لا يحدّ ولا يرام
به كانت ولادة من تسامت ... به الدنيا وطاب بها المقام
نبيٌّ كان قبل الخلق طرّاً ... تقدّم سابقاً وهو الختام
وله في العروض أرجوزة.
سليمان بن موسى بن أبي العلاء
الشيخ الصالح صفي الدين أبو العلاء الصوفي الكاتب.
كان سامرياً، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، ثم إنه أقام عند الصوفية سنين، وكان يباشر شيئاً من وقفهم، ويعمل الحساب مع العامل لأنه كان فيه ماهراً وعارفاً خبيراً إلى الغاية،
وله مقدمة في صناعة الحساب والديوان وما يحتاج، وباشر عدة جهات وحصل أموالاً، وكان قد أسلم في الدولة الأشرفية.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشري شوال سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح
الشيخ الإمام الفقيه المفتي القدوة الزاهد العابد القاضي الخطيب صدر الدين أبو الفضل القرشي الجعفري الحوراني الشافعي صاحب النووي.
قدم دمشق مراهقاً، وحفظ القرآن بمدرسة أبي عمر على الشيخ نصر بن عبيد، ورجع إلى البلاد، ثم قدم بعد سبع سنين، وتفقه بالشيخ تاج الدين، وبالشيخ محيي الدين، وأتقن الفقه وأعاد بالناصرية وناب في القضاء لابن صصرى مدة، ولاه ابن صصرى نيابته في ثالث ذي القعدة سنة ست وسبع مئة عوضاً عن القاضي جلال الدين القزويني لما ولي خطابة الجامع الأموي، وولي خطابة العقيبة واكتفى بها.
وكان أولاً خطيباً بداريا، يدخل دمشق على بهيم ضعيف. وحدث عن أبي اليسر والمقداد القيسي، وناب عن ابن الشريشي في دار الحديث. وكان مفرطاً في اتضاعه، على سمو قدره في العلم وارتفاعه، لم يغير ثوبه القطني ولا عمامته الصغيره، ولا رأى أحد في الحكم نظيره، إذا رأى أن الغريم ضعيف لا يقدر على أجرة رسول
القاضي سعى هو بنفسه إليه وسمع جوابه، فأين يجد الناس هذا العلم أو هذا التقاضي، وربما توجه بنفسه إلى الشاهد وسمع شهادته وآثر بذلك فائدته وإفادته.
وعينه الأمير سيف الدين تنكز للاستسقاء بالناس فاستسقى بهم، ورحم به العالم في ساعة الإبلاس.
ولم يزل على حاله إلى أن نزلت على الداراني الدائره، ولحق بالأمم الخالية السائره.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده بقرية بسرى من السواد سنة اثنتين وأربعين وست مئة، وكانت جنازته حفلة إلى الغاية.
وكان يذكر نسبه إلى جعفر الطيار يعد بينه وبينه ثلاثة عشرة اسماً.
وكان لا يدخل الحمام ولا يتنعم في مأكل ولا ملبس، وأظنه كان يجيد اللعب بالشطرنج، والله أعلم.
سليمان القاضي
علم الدين التركماني الحنفي قاضي حماة.
أقام بحمص مدة مدرساً، ثم إنه نقل إلى قضاء حماة بعد وفاة القاضي نجم الدين بن العديم.
وكان يعرف القراءات، وله مشاركة في العلم.
توفي رحمه الله تعالى في مستهل شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
اللقب والنسب
ابن سلامة قاضي القضاة المالكي أحمد بن سلامة.
السنباطي قطب الدين محمد بن عبد الصمد.
سنجر
الأمير الكبير العالم المحدث أبو موسى الأمير علم الدين التركي البرلي بالباء الموحدة والراء واللام، الدواداري.
قدم من الترك في حدود الأربعين وست مئة. وكان شكله مليحا ووجهه صبيحا، خفيف اللحيه، ربعة من الرجال في البنيه، صغير العين، صناع اليدين، حسن الخلق، سهل الخلق، شجاعاً فارساً، مجادلاً لأهل العلم ممارسا، خيرا دينا، كاملاً صينا، مليح الكتابه، سريع الإقبال والإجابه، يحفظ الكتاب العزيز، ويؤثر تلاوته على الإبريز، فيه اصطناع للفضلاء، وتقديم للنبلاء، أنشأ جماعة من الأفاضل وقدم زمرة ممن يناظر أو يناضل.
ولم يزل على حاله إلى أن انجر الموت إلى سنجر، وأصبح من تحت التراب والمحجر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة في شهر رجب بحصن الأكراد، ودفن هناك.
وكان قد التجأ في الكسرة أيام غازان إليها.
ومولده سنة نيف وعشرين وست مئة.
قرأ القرآن على الشيخ جبريل الدلاصي وغيره. وحفظ الإشارة في الفقه لسليم الرازي، وحصل له عناية بالحديث وسماعه سنة بضع وخمسين، وسمع الكثير، وكتب بخطه وحصل الأصول.
وخرج له المزي جزأين عوالي. وخرج له البرزالي معجماً ضخماً في أربعة عشر جزءاً، وخرج له ابن الظاهري قبل ذلك شئياً.
وحج مرات. وكان يعرف عند المكيين بالستوري، لأنه أول من سار بكسوة للبيت بعد أخذ بغداد من الديار المصرية، وقبل ذلك كانت تأتيها الستور من الخليفة. وحج مرة هو واثنان على الهجن من مصر.
وكان أميراً في الأيام الظاهرية، ثم أعطي أمرية بحلب، ثم قدم دمشق، وتولى شد الدواوين مدة، ثم كان من أصحاب سنقر الأشقر، ثم أمسك، ثم أعيد إلى رتبته وأكثر، وأعطي خبزاً وتقدمةً على ألف في أيام الأشرف، وجعل مشد الدواوين بالقاهرة في ذي القعدة سنة أحدى وتسعين وست مئة، وتنقلت به الأحوال وعلت رتبته في دولة الملك المنصور حسام الدين لاجين، وقدمه على الجيوش في غزوة سيس.
وكان لطيفاً مع أهل الصلاح والحديث، يتواضع لهم ويؤانسهم ويحادثهم
ويصلهم، وله معروف كثير وأوقاف بالقدس ودمشق، وكان مجلسه عامراً بالعلماء والشعراء والأعيان.
وسمع الكثر بمصر والشام والحجاز، وروى عن الزكي عبد العظيم، والرشيد العطار، والكمال الضرير، وابن عبد السلام، والشرف المرسي، وعبد الغني بن بنين، وإبراهيم بن بشارة، وأحمد بن حامد الأرتاحي، وإسماعيل بن عزون، وسعد الله بن أبي الفضل التنوخي، وعبد الله بن يوسف بن اللمط، وعبد الرحمن بن يوسف المنبجي، ولاحق الأرتاحي، وأبي بكر بن مكارم، وفاطمة بنت الملثم بالقاهرة، وفاطمة بنت الحزام الحميرية بمكة، وابن عبد الدايم، وطائفة بدمشق. وهبة الله بن زوين، وأحمد بن النحاس بالإسكندرية، وعبد الله بن علي بن معزوز، وبمنية بني خصيب، وبأنطاكية، وحلب، وبعلبك، والقدس، وقوص، والكرك، وصفد، وحماة، وحمص، وينبع، وطيبة، والفيوم، وجدة، وقل من أنجب من الترك مثله وسمع من خلق.
وشهد الوقعة وهو ضعيف، ثم التجأ بأصحابه إلى حصن الأكراد فتوفي به هناك، هذا ما أخبرني به شيخنا الذهبي عنه.
وأما ما أخبرني به شيخنا أبو الفتح من لفظه، وكان به خصيصاً ينام عنده ويسامره، قال: كان الأمير علم الدين قد لبس بالفقيري وتجرد وجاور بمكة، وكتب الطباق بخطه، وكانت في وجهه آثار الضروب من الحروب، وكان إذا خرج إلى غزوة خرج طلبه وهو فيه إلى جانبه شخص يقرأ عليه جزءاً من أحاديث الجهاد، وقال: إن السلطان حسام الدين لاجين رتبه في شد عمارة جامع ابن طولون، وفوض أمره إليه، فعمره وعمر وقوفه، وقرر فيه دروس الفقه والحديث والطب، وجعل من جملة ذلك وقفاً يختص بالديكة التي تكون في وسط سطح الجامع في مكان مخصوص بها، وزعم أن الديكة تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين في السحر، وضمن ذلك كتاب الوقف، فلما قرئ على السلطان أعجبه ما اعتمده في ذلك، ولما انتهى إلى ذكر الديكة أنكر ذلك، وقال: أبطلوا هذا، لا يضحك الناس علينا.
وكان سبب اختصاصه بفتح الدين أنه سأل الشيخ شرف الدين الدمياطي عن وفاة البخاري فما استحضر تاريخها، ثم إنه سأل أبا الفتح عن ذلك فأجابه، فحظي عنده وقربه، فقيل له: إن هذا تلميذ الشيخ شرف الدين فقال: وليكن.
قلت: وغالب رؤساء دمشق وكبارها وعلمائها نشؤه.
وجمع الشيخ كمال الدين الزملكاني مدائحه في مجلدتين بخطه أو واحدة.
وكتب إليه علاء الدين الوداعي يعزيه في ولد اسمه عمر، ومن خطه نقلت:
قل للأمير وعزه في نجله ... عمر الذي أجرى الدموع أجاجا
حاشاك يظلم ربع صبرك بعد من ... أمسى لسكان الجنان سراجا
وقال فيه، ومن خطه نقلت: