بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 506

أما بعد، فالحمد لله الذي أمتع من الفضلاء بكل مجيز ومستجيز، وأشهد من معاصري ذوي الدراية والرواية من جمع بين البسيط من علو الإسناد والوجيز. نحمده على نعمه التي يجب له عليها الإحماد، ونشكره على تهيئة فضلها المخول شرف الإسعاف والإسعاد، ونصلي على سيدنا محمد المعظمة رواة حديثه، وحق لهم التعظيم، العالية قدراً وسندا، من شأنه التبجيل والتفخيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وما أحقهم بالصلاة والتسليم.
وبعد، فإني وقفت على ما التمسه الإمام الفاضل، الصدر الكامل، المحدث الصادق، العلي الإسناد، الراقي درجات علم الحديث النبوي بعلو روايته السائرة على رؤوس الأشهاد، وهو غرس الدين خليل بن أيبك:
وحسبي به غرساً تسامى أصالةً ... إلى أن سما نحو السماء علاؤها
حوى من بديع النّظم والنّثر ما رقى ... إلى درجاتٍ لا يرام انتهاؤها
استجاز - أعزه الله - فأتى ببديع النظم والنثر في استجازته، وقال فأبدع في إبدائه وإعادته، وتنوع في مقالهما فأسمع ما شنف الأسماع، وأبان عما انعقد على إبداعه الإجماع، وقال فما استقال، ورتل آي محكم كتابه فتميز وحق له التميز على كل حال.
وقد أجبته إلى ما به رسم جملةً وتفصيلا، وأصلاً وفرعا، وأبديت به وجهاً من وجوه الإجابة جميلا، ما يجوز لي روايته من كتب الحديث وأصنافها، ومصنفات العلوم حسب إجازة ألافها، حسبما أجزت به من المشايخ الذين أخذت عنهم، وسألت


صفحه 507

الإجازة منهم، بقراءة أو سماع أو مناولة أو وصية، ومالي من تأليف ووضع، ونظم ونثر وجمع، كشعري المتضمنة الديوان المثبت فيه، ومناظرة الفتح بن خاقان المسمى شنف الآذان في مماثلة تراجم قلائد العقيان، وسيرة مولانا السلطان الملك الناصر المتضمنة أجزاء متعددة، وسيرة والده السلطان الشهيد الملك المنصور المتضمنها جزء واحد التي حسنتها على ألسنة الرعايا متعددة، وسيرة ولده الملك الأشرف، ونظم الجواهر في سيرة مولانا السلطان الملك الناصر، أيضاً نظماً، وما يشرح الصدور من أخبار عكا وصور، والإعراب عما اشتمل عليه البناء الملكي الناصري بسرياقوس من الإغراب، وإفاضة أبهى الحلل على جامع قلعة الجبل، وقلائد الفرائد وفرائد القلائد فيما لشعراء العصريين من الأماجد، ومناظرة ابن زيدون في رسالته، وقراضات الذهب المصرية في تقريظات الحماسة البصرية، والمقامات الناصرية، ومماثلة رسائل ما حل من الشعر، وتضمين الآي الشريفة والأحاديث النبوية في المثل السائر، والمساعي المرضية في الغزوة الحمصية، وما ظهر من الدلائل في الحوادث والزلازل، والمناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية، والدر المنظم في مفاخرة السيف والقلم، والحكام العادلة فيما جرى بين المنظوم والمنثور من المفاضلة، والرأي الصائب في إثبات ما لا بد منه للكاتب، والإشعار بما للمتنبي من الأشعار، وتجرية الخاطر المخاطر في مماثلة فصوص الفصول وعقود العقول مما كتب به القاضي الفاضل في معنى السعيد بن سناء الملك، وعدة الكاتب وعمدة المخاطب،


صفحه 508

وشوارد المصائد فيما لحل الشعر من الفوائد، ومخالفة المرسوم في الوشي المرقوم، ومالي غير ذلك من حل نظم ونظم حل، ورسائل فيما قل أو جل. وما يتفق لي بعد ذلك من نظم ونثر وتأليف وجمع حسبما التمسه مني بمقتضى إجازته، وإيدائه وإعادته. وكتب في يوم الأحد خامس عشر صفر سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
وكتب بخط يده بعد ذلك: أجزت له جميع ذلك بشرطه، وكتب: شافع بن علي بن عباس.
وأنشدنا إجازة له:
أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه ... وموضعه الأولى به صفحة الخدّ
وما ذاك إلا أنّه من توقّدٍ ... تسامى يروم البعد من شدّة الوقد
وأنشدني له إجازة، وقد احترقت الكتب أيام الأشرف:
لا تحسبوا كتب الخزانة عن سدى ... هذا الذي قد تمّ من إحراقها
لمّا تشتّت شملها وتفرّقت ... أسفت فتلك النار من زفراتها
وأنشدني إجازة له:
شكا لي صديقٌ حبّ سوداء أُغريت ... بمصّ لسانٍ لا تملّ له وردا
فقلت له: دعها تلازم مصّه ... فماء لسان الثّور ينفع للسّودا
وأنشدني له إجازة:
قل لمن أطرى أبا دلفٍ ... بمديحٍ زاد في غرره


صفحه 509

كم رأينا من أبي دلفٍ ... خبره يربي على خبره
ثمّ ولّى بالممات وما ... ولّت الدّنيا على أثره
وأنشدني له إجازة في انكفاف بصره:
أضحى وجودي برغمي في الورى عدماً ... إذ ليس لي فيهم وردٌ ولا صدر
عدمت عيني ومالي فيهم أثرٌ ... فهل وجودٌ ولا عينٌ ولا أثر؟
وأنشدني له إجازة:
لقد فاز بالأموال قومٌ تحكّموا ... ودان لهم مأمورها وأميرها
نقاسمهم أكياسها شرّ قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها
وأنشدني له إجازة في سجادة خضراء:
عجبوا إذا رأوا بديع اخضرارٍ ... ضمن سجّادةٍ بظلٍّ مديد
ثمّ قالوا: من أيّ ماءٍ تروّى؟ ... قلت: ماء الوجوه عند السّجود
وأنشدني له إجازة في ممسحة القلم:
وممسحةٍ تناهى الحسن فيها ... فأضحت في الملاحة لا تبارى
ولا نكر على القلم الموافي ... إذا في ضمنها خلع العذارا
وأنشدني له إجازةً في شبابة:
سلبتنا شبّابةٌ بهواها ... كلّ ما ينسب اللّبيب إليه
كيف لا والمحسن القول فيها ... آخذٌ أمرها بكلتا يديه


صفحه 510

وأنشدني له إجازة:
ومن عجبٍ أنّ السّيوف لديهم ... تكلّم من تأتمّه وهي صامته
وأعجب من ذا أنّها في أكفّهم ... تحيد عن الكفّ المدى وهي ثابته
وكتب إليه السراج الوراق، ومن خطه نقلت:
أيا ناصر الدين انتصر لي فطالما ... ظفرت بنصرٍ منك بالجاه والمال
وكن شافعاً فالله سمّاك شافعا ... وطابقت أسماءً بأحسن أفعال
وقدرك لم نجهله عند محمّدٍ ... لأن ابن عبّاسٍ من الصّحب والآل
قلت: يريد بمحمد هنا القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر.
وكتب إليه أيضاً، ومن خطه نقلت:
سيّدي اليوم أنت ضيفٌ كريمٌ ... فاق معنىً في جوده بمعان
لو رأى الفتح سؤدد الفتح هذا ... ما انتمى بعده إلى خاقان
أو رآه فتح المغارب صلّى ... بعلاه قلائد العقيان
وكأنّي أراكما في مجارا ... ة المعاني بحرين يلتقيان
وتطارحتما مذاكرةً تفتن ... ن منها أزاهر الأفنان
فإذا مرّ للصنائع ذكرٌ ... فاجعلاني في بعض من تذكران
ومن نثر الشيخ ناصر الدين شافع - رحمه الله تعالى - في شمعة، قوله:
شمعة ما استتم نبتها بروضة الأنس حتى نورن ولا نما بدوحة المفاكهة حتى


صفحه 511

أثمر. أومأ بنان تبلجها إلى طرق الهداية وأشار، ودل على نهج التبصر وكيف لا وهي علم في رأسه نار. كأنما هي قلم امتد بما أليق من ذهب، أو صعدة إلا أن سنانها من لهب، وحسبها كرماً أن جادت بنفسها، وأعلنت بإمتاعها على همود حسها، سائلها في الجود بامثالها مسؤول، ودمه بالعفو للصفو من سماحتها مطلول. تحيتها: عموا صباحاً بتألف فجرها، وتمام بدرها في أوائل شهرها. قد جمعت من ماء دمعها ونار توقدها بين نقيضين، ومن حسن تأثيرها وعين تبصرها بين الأثر والعين. كم شوهد منها في مدلهم الليل للشمس وضحاها، ومن تمام نورها للنجم إذا تلاها، وكم طوى باع أنملتها المضيئة رداء الليل إذا يغشاها. قد غيرت ببياض ساطع نورها على الليل من أثواب الحداد، وتنزلت منه منزلة النور الباصر ولا شبهة أن النور في السواد. إن تمايل لسان نورها فالإضاءة ذات اليمين وذات الشمال، وإن استقام على طريقة الإنارة فلما يلزم إنارتها من الإكمال. نارها إنما هو من تلاعب الهوى بحشاها، ونحولها بمكابدة تعذيبها بما من الاصفرار يغشاها. كم عقدت على سفك دمها مع البراءة من العقوق من محافل، وكم قتلت على إطفاء نائرها، ولا ثائرة من قاتل، فهي السليمة التي كم بات من زبان صرفها بليله السليم، وكم أجدى نفسها على نفسها بنفح روح ربها من عذاب أليم.


صفحه 512

وأنشدني لنفسه إجازة:
ولمّا أتانا ابن تيميةٍ ... وحقّق بالخبر منه الخبر
أذبنا عقيدة تجسيمه ... بريق بريق سيوف النّظر
وأنشدني أيضاً:
قالوا: ألا تنظر ما قد جرى ... من حنبليٍّ زاد في لغوه
فقلت: هذا خشكنان، أنا ... والله ما أدخل في حشوه

الألقاب والأنساب
ابن الشحام: نجم الدين عبد الرحيم بن عبد الرحمن.
ابن شراقي: علم الدين عبيد الله.

شرف بن أسد المصري
شيخ ماجن، ماجن كما جن، ولا غسل ما حمل في ردنه من السخف ماء النيل ولا الأردن، خليع أربى على الجديد والخليع، وأنسى الناس ذكر صريع الدلاء بما له من الصنيع، ومتهتك ليس بعار من العار، ولا بمبال أي ثوبيه لبس أنقي من التقوى أو إزار من الأوزار؟، ظريف يصحب الكتاب، ويعاشر الشعراء وأهل الآداب، ويشبب في المجالس على القينات، ويسبب الفتيان للفتيات، لو رآه ابن حجاج ما حجه، أو ابن الهبارية لكان هباءً في تلك المحجه. وكان يمدح الأكابر والأصاغر،


صفحه 513

ولا يزال ذا كيس فارغ وفم فاغر. وله عدة مصنفات مملوءة بالخرافات والترهات، من مشاشاة الخليج وزوائد المصريين التي كالروض البهيج، وهي موجودة بالديار المصرية بين عوامهم وخواصهم، وفي رفوف ذخائرهم ومناصهم.
ولم يزل على حاله إلى أن مجه المجون وابتلعته الحفره، ولقي من الله تعالى عفوه وغفره.
وتوفي رحمه الله تعالى بعد مرض مزمن في سنة ثمان وثلاثين أو سبع وثلاثين وسبع مئة، وكان في عشر السبعين.
ورأيته غير مرة، وأنشدني شيئاً كثيراً من أشعاره ومن بلاليقه وأزجاله وموشحاته.
ووضع كتاباً في مادة كتاب ابن مولاهم في الصنائع، إلا أن الذي لابن مولاهم في خمسين صنعة، والذي لابن أسد في ألف ومئتي صنعة، ومنها مئتا صنعة تختص بالنساء، وهذا عمل كثير واستقراء عتيد.
وكان عامي العلم، فاضلي الطباع، يقع في شعره الجناس والتورية والاستخدام وسائر أنواع البديع، وإن لم يكن ذلك في بعض المواضع قاعداً من حيث العلم.
وأنشدني من لفظه لنفسه قطعةً من تغزل شذت عني، ولم أحفظ منها إلا قوله:
الظبي يسلح في أرجاء لحيته ... والغصن يصفعه إن ماس بالقدم
وأنشدني من لفظه لنفسه بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بليقة، وهي: