علي، فأمسكه في واقعة أمير موسى، ثم أفرج عنه بعد مدة تقارب العشرين سنة، وجهزه أميراً إلى صفد، فأقام بها مدة تزيد على السنة والنصف. ثم إنه نقل إلى دمشق على طبلخاناه، وكان الأمير سيف الدين يرعى له خدمته الأولى، وكان إذا خاطبه قال له: يا صارم.
ولم يزل مقيماً بدمشق إلى أن أمسك الأمير سيف الدين تنكز، فأمسك الأمير سيف الدين بشتاك لما حضر إلى دمشق الأمير صارم الدين
صاروجا
، واعتقل في قلعة دمشق في جملة من أمسك في تلك الواقعة، ثم إنه ورد المرسوم على الأمير علاء الدين ألطنبغا بأن يكحله، فدافع الأمير علاء الدين عنه يويمات يسيرة، ثم إنه خاف، فأمر بكحله، فعمي باصره، وكان ذلك عشية نهار، وفي صبيحة ذلك اليوم ورد المرسوم بالعفو عنه، ثم إنه رتب له ما يكفيه، وجهز إلى القدس، فأقام به مدة.
ثم إنه عاد إلى دمشق وأقام بها إلى أخريات سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة، وتوفي رحمه الله تعالى.
وكان رجلاً خير الطباع، سليم الصدر، كثير المؤانسة والإمتاع، قل أن يكون في خزانته شيء، بل الجميع يفرقه على مماليكه الخواص، والذين هم على خدمته وملازمته غواص. وكان كتابه ومن يتحدث في بابه يشكون من ذلك، ويرون أن أيامهم بهذا مثل الليالي الحوالك.
وكان الأمير سيف الدين قد ولاه الحكم في البندق، ثم عزله منه وتغير عليه قليلاً، ثم عاد إلى الحنو عليه.
صاروجا
الأمير صارم الدين، نقيب النقباء بالديار المصرية.
كان فيه دهاء وخدع، وصد عن الحق وصدع، لا يهاب أميراً ولا وزيرا، ولا يخاف كبيرا ولا صغيرا، له إقدام على السلطان، وعنده تختل ما يهتدي إليه الشيطان. قدمه السلطان وقربه، وأدناه لما عرفه وجر به كثيراً من مراده لما جربه. إلى أن خافه الأمراء، وهابه الكبراء.
ولم يزل على ذلك إلى أن فارق الحياة، فجاءه الموت فجاءه، وقطع من الحياة أصله ورجاءه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
كان نقيباً صغيراً، فلما توفي الأمير عز الدين دقماق نقيب النقباء أمره السلطان وجعله مكانه، وقدمه وعظمه، وصار يدخل إليه على ضوء الشمع، ويتحدث معه في كل ما يريد، حتى خافه الأمراء الكبار وخافه النشو ناظر الخاص، على ما فيه.
ثم إنه توجه مع السلطان في السنة المذكورة، لما وصل في تلك السفرة إلى خانق دندرا وعاد، فلما قارب القاهرة وقف صاروجا على بعض المعادي ليعدي الأطلاب، فوقف على بعض الجسور ومد يده بالعصا ليضرب شخصاً تعدى مكانه، فرفع يده بالعصا، فوقع من أعلى الفرس إلى الأرض ميتا.
الألقاب والنسب
ابن صارو شهاب الدين أحمد بن إبراهيم.
ابن صابر المقدم إبراهيم.
ابن الصباغ الكوفي صالح بن عبد الله.
ابن الصائغ المقرئ محمد بن أحمد.
صالح بن أحمد بن عثمان
صلاح الدين القواس، الشاعر البعلبكي.
كان رجلاً خيرا، مضيء القلب نيرا، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا، ويجيد فهمها حاسبا. وينظم القريض، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض. وكان كثير الاتضاع، غزير مادة الإمتاع. قد صحب الفقراء زمانا، وحفظ من كلامهم لؤلؤاً وجمانا. وسافر البلاد، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد.
ولم يزل على حاله إلى أن انفسد مزاج صالح، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة في سادس عشر شهر ربيع الأول.
ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة.
أنشدني شيخنا الذهبي، قال: أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان، وهي:
دائي ثوى بفؤادٍ شفّه سقم ... لمحنتي من دواعي الهمّ والكمد
بأضلعي لهبٌ تذكو شرارته ... من الضنى في محلّ الروح من جسدي
يوم النوى ظلّ في قلبي له ألمٌ ... وحرقتي وبلائي فيه بالرّصد
توجّعي من جوىً شبّت حرارته ... مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجداً به عدمٌ ... لمهجتي من رشا بالحسن منفرد
تتبّعي وجه من تزهو نضارته ... لمّا جنى مورثي وجداً مدى الأمد
هدّ القوى حسنٌ كالبدر مبتسم ... لفتننتي موهنٌ عند النوى جلدي
مودّعي قمرٌ تسبي إشارته ... إذا رنا ساطع الأنوار في البلد
مهدي الجوى مولعٌ بالهجر منتقمٌ ... ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
لمصرعي معتدٍ تحلو مرارته ... يا قومنا آخذٌ نحو الردى بيدي
قلبي كوى مالكٌ في النفس محتكمٌ ... لقصّتي وهو سولي وهو معتمدي
مروّعي سار لا شطّت زيارته ... لمّا انثنى قاتلي عمداً بلا قود
قلت: يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاث مئة وستين وجها.
وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا، وأكثروا، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ويكون عذباً منسجما، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول
أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني، وكان بعد العشرين والثلاث مئة، وهو:
وبلدةٍ قطعتها بضامر ... خفيددٍ عيرانة ركوب
وليلة سهرتها لزائر ... ومسعدٍ مواصلٍ حبيب
وقينةٍ وصلتها بظاهرٍ ... مسوّدٍ ترب العلا نجيب
إذا غوت أرشدتها بخاطرٍ ... مسدّدٍ وهاجسٍ مصيب
وقهوة باكرتها لتاجرٍ ... ذي عندٍ في دينه وحوب
سورتها كسرتها بماطرٍ ... مبرّدٍ من جمّة القليب
وحرب خصم هجتها مكاثر ... ذي عدد في قومه مهيب
معرّد إبلٍ سقتها بباترٍ ... مهنّدٍ يغري الطلارسوب
وكم حظوظٍ نلتها من قادر ... ممجّدٍ بصنعة القريب
كافيت إذ شكرتها في سامرٍ ... ومشهد للملك الرقيب
والأبيات المشهورة، وبعض الناس نسبها لأبي العلاء المعري، وما أظن أنا ذلك، وهي:
جودي على المستنظر الصبّ الجوي ... وتعطّفي بوصاله لا تظلمي
ذا المبتلى المتفكّر القلب الدوي ... واستكشفي عن حاله وترحّمي
وصلي ولا تستنكري ذنبي البري ... وترأفي بالواله المستسلم
تبدي القلا بتغيّري الحب الأبي ... المتلفي بخباله المتحكّم
هذه الأبيات على كاملها من الكامل المسدس على أتم أنواعه، إلا أنه لحق الإضمار بعض أجزائها، فإذا حذفت الجزء الآخر من كل بيت، وجعلت القوافي عند قوله: بوصاله كانت الأبيات من شاذ الكامل المخمس. وأنشد العروضيون في مثله:
لمن الصبيّ بجانب الصحراء ... ملقى غير ذي مهد
فإذا حذفت من آخر كل بيت جزءين وجعلت القافية عند قوله وتعطفي كانت الأبيات من مربع الكامل، ومثله:
وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشّعاً وتجمّل
فإذا اقتصرت على الشطر الأول من كل بيت، وجعلت القافية عند قوله الجوي كان من الضرب الرابع من الرجز، وصار البيت بيتين من مصرع الكامل المسدس، وإن حذفت من الشطر الأول جزءاً، وجعلت القافية عند قوله: الصب بقي معك بيتان مصرعان من أحذ الكامل المضمر، كقول زهير:
لمن الديار بقنّة الحجر ... أقوين من حجٍ ومن دهر
فإذا نقصت من الشطر الأول جزءين، وجعلت القافية عند قوله: المستنظر
بقي بيتان من مربع الكامل المعرى، وإن شئت من الضرب الخامس من الرجز، وإن اقتصرت على الأجزاء الأول من الأبيات بقي مجموعها الأربعة الأجزاء بيتاً واحداً من مربع الكامل، وإن شئت من أقل أنواع الرجز المحدث، مثل قوله:
طيفٌ ألم ... بذي سلم
وهذه الأبيات الأربعة تقرأ على عدة وجوه.
صالح بن ثامر بن حامد
الإمام القاضي الفرضي تاج الدين أبو الفضل الجعبري الشافعي.
سمع من ابن خليل، وعبد الحق المنبجي، والضياء صقر، والنظام البلخي، ومجد الدين بن تيمية، وعبد الله بن الخشوعي، والعماد عبد الحميد بن عبد الهاد.
وخرج له أمين الدين بن الواني مشيخة. وولي قضاء أماكن.
وروى عنه شيخنا علم الدين البرزالي، والواني، والطلبة.
كان حاكماً عاقلا، لا يقبل في الحق لائماً ولا عاذلا، خيراً عفيفا، سليم القلب من
الشر نظيفا. طريقه طريق السلف، يرى وهو بريء من الكبر والتيه والصلف. وكانت يده في الفرائض طولى، وذهنه فيه قد بلغ مراماً ونال سولا. وكان طويلاً مليح الشكل حسن الأخلاق.
ولم يزل على حاله إلى أن أراد الله فناءه، وعمر به ربع الخير وفناءه.
وتوفي رحمه الله تعالى في صفر سنة ست وسبع مئة.
ومولده سنة بضع وعشرين وست مئة.
وولي قضاء بعلبك، وناب في الحكم بدمشق، وولي الخطابة، واستسقى بالناس. وكان جيد الأحكام. وله قصيدة طويلة في الفرائض.
وتولى نيابة الحكم بعده القاضي نجم الدين أحمد بن عبد المحسن الدمشقي.
ولما طلع ليستسقي بالناس في خامس جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة قعد الأمير علم الدين الدواداري أمام درج المنبر، ولما جاء القاضي تاج الدين الجعبري ليصعد المنبر، ويخطب قال له الدواداري: ما تستسقي بنا وأنت حاكم! فما رأى القاضي في مثل ذلك الجمع أن يرجع ويصعد المنبر غيره، فقال: اشهدوا علي أنني قد عزلت نفسي من الحكم، فقال له الدواداري: اصعد الآن.
صالح بن عبد العظيم
ابن يونس بن عبد القوي بن ياسين بن سوار المسند تقي الدين العسقلاني.