فيقال: إنه هو الذي حسن له الفتك بقوصون، ولما شعر قوصون بذلك، خلع المنصور، ورتب أخاه الأشرف كجك، وأمسك طاجار وجماعة، وجهزهم إلى إسكندرية، فقتل طاجار مع بشتاك.
وكان كثير اللعب يخرج من قدام السلطان، وينزل إلى القاهرة، ويعمل سماعاً، ويرقص، إلى أن يجيء وقت الخدمة، فيطلع إلى القلعة.
وكان عليه في الرقص خفة وحركة وروح، وما تقرب إليه عماد الدين بن الرومي بشيء غير الرقص.
وكان إذا ساق في البريد في مهم السلطان ينام طول ليله، ويقوم بكرةً، فيركب خيل البريد الجياد، ويسوق مشواراً واحداً من المركز إلى المركز، فإذا وصل المركز، ونزل، قال لمماليكه: صفقوا. فيصفقون له، ويرقص إلى أن يشدوا له الخيل فيركب، ويفعل ذلك من باب مصر إلى باب دمشق، وكذا إذا عاد.
وكان بشتاك يحط عليه، ويكرهه، ويندب عليه قدام السلطان، ولما أمسك حمل من بيته إلى القلعة ستة صناديق مملوءة ذهباً، وكان السلطان قد زوجه ابنة الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي الوزير، وكانت أولاً زوج الأمير خضر ابن الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب والشام.
وطاجار هو الذي عمر الخان الذي في جينين الذي ليس على درب مصر مثله بشد نجم الدين بن الزيبق، وعمر الحوض السبيل الذي في طريق غزة.
طاز
بعد الطاء المهملة والألف زاي، ابن قطغاج، بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبعدها غين معجمة وألف وجيم. الأمير سيف الدين أمير مجلس.
أول ما اشتهر ذكره في أيام الصالح إسماعيل.
وهو شكل تام طويل، نبيه نبيل، شجاع بطل، إذا أعمل فكره خمل معه الكيد من عدوه وبطل، حر النفس والطباع، ما لازم شيمته التي هو عليها من الرضاع، أبي الهمه، قوي العزمه، بريء من التهمه، حمل عسكر مصر بعدده وآلاته، وخيوله التي تربط في اصطبلاته.
ولم يزل أميراً إلى أن خلع الكامل شعبان، وأقيم المظفر حاجي، فكان هو أحد الأمراء الستة أرباب الحل والعقد.
ولما خلع المظفر، وأقيم السلطان الملك الناصر حسن زادت وجاهته وحرمته.
وهو الذي أمسك الأمير سيف الدين بيبغاروس في طريق الحجاز.
وهو الذي أمسك الملك المجاهد سيف الإسلام علي بن المؤيد هزبر الدين داود صاحب اليمن، وأحضره إلى مصر.
وهو الذي قام في نوبة الملك الناصر حسن لما خلع وأجلس الملك الصالح صالح على كرسي الملك.
وهو الذي قام على الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور، والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري، لما ركبا إلى قبة النصر، وخرجا على الملك الصالح بعد أربعة أيام، وهرب الصالح، ودخل إلى والدته، فدخل الأمير طاز إليها، والتزم به لها، واخذه، وركبه، وتوجه به، ورزقهما الله تعالى النصر.
وهو الذي سعى في إخراج الأمراء المعتقلين الذين أمسكوا في نوبة الوزير منجك، وبدا منه كل خير، ونصره الله في كل موطن.
وكان في درب الحجاز يلبس عباءة وزربولاً، ويخفي نفسه، ويدخل في طلب بيبغاروس، ويتجسس على أخباره. ولما خرج بيبغا من الحبس ووصل إلى حلب نائباً، وحدثته نفسه بالخروج على الدولة، وفشا هذا الأمر وزاد، ووصل بيبغاروس إلى دمشق، جهز قطلوبك الفارسي إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وهو على لد، يقول له: ما لي غريم دون المسلمين والسلطان إلا أنت وطاز، ولما بلغ ذلك إلى الأمير سيف الدين طاز قال: قد رضيت. وسير إليه يقول: أنا أمسكتك في درب الحجاز، وحججت بك، وما مكنت أحداً من أذاك، وأخرجتك من الحبس، وأعطيتك نيابة حلب، وأنت تعرفني جيداً، وأنا واصل إليك، إن أردت بارزتك وحدي، وإن أردت أنا وطلبي وأنت وطلبك، وما حاجة إلى قتال المسلمين وسفك دمائهم. ولما وصل الأمير سيف الدين طاز إلى غزة، ثم اجتمع بالأمير سيف الدين أرغون الكاملي، وتوجها إلى جهة بيبغاروس، وبلغه الخبر، هرب، وتفرق شمل من كان معه من العساكر، وساقا وراءه إلى حلب، وهرب هو إلى الأبلستين. وقلت أنا في ذلك:
قلت إذا بيبغا أراد خروجاً ... وهو يدري غريمه في الحجاز
بيبغا بيبغا طويرٌ ضعيف ... وعليه من طاز قد طاربازي
ثم إن الأمير طاز عاد هو والأمير سيف الدين شيخو إلى دمشق، وأخذ السلطان الملك الصالح، وتوجها به والعساكر المصرية إلى القاهرة، واستقروا بها، وجرى بعد ذلك لبيبغا وأحمد الساقي وبكلمش ما جرى، على ما تقدم في ترجمتهم.
ولم يزل الأمير سيف الدين طاز على حاله إلى ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبع مئة، فخلع الملك الصالح، وأعيد الملك الناصر حسن إلى الملك، ورسم للأمير سيف الدين طاز بالخروج إلى حلب نائباً، فخرج إليها، وأقام بها إلى أن ورد المرسوم عليه على يد الأمير سيف الدين منكلي بغا الناصري بحضوره إلى الباب الشريف على البريد في عشرة سروج، وذلك في أول سنة تسع وخمسين، فأقام بحلب يومين ثلاثة، ثم إنه خاشن الأمراء، وأمسكهم، ورسم عليهم، ثم أفرج عنهم بعد ما حوصر من القلعة، وركب في جماعته وطلبه ملبسين، وحضر إلى القطيفة، وعسكر طرابلس وحماة وحلب وجماعة من دمشق يسيرون خلفه منزلةً بمنزلة، وخرج ملك الأمراء أمير علي بمن بقي من عسكر دمشق لابسي السلاح، وقعد له على خان لاجين، فترددت الرسل بينهما، وآخر الأمر حلف له أمير علي نائب الشام على تمكينه من التوجه في عشرة سروج إلى باب السلطان، وتوجه إلى الكسوة، وهناك قيد، وتوجه به منكلي بغا،
وأمسك إخوته، واعتقلوا في قلعة دمشق وفي قلعة صفد، وتوجهوا به إلى الكرك، وتوجهت أمه إليه وأم ولده موسى، وولده، ولم يضيق عليه بالكرك.
ثم إنه بعد إمساك صرغتمش في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة رسم السلطان بنقله من الكرك إلى إسكندرية، فاعتقل بها، وكحله وهو في حبس الإسكندرية ولم يزل على حاله معتقلاً إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وجرى له ما جرى فأفرج عنه في أول دولة الملك المنصور صلاح الدين محمد بن المظفر حاجي بتدبير الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، يقال: إنه أنعم عليه بمئة ألف درهم وقماش كثير فاختار أن يكون مقيماً بالقدس، فوصل إلى القدس فيما أظن في أوائل شهر رجب الفرد سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه جهز إلى دمشق، وفي مستهل المحرم سنة ثلاث وستين وسبع مئة حضر له برلغ مكتوب بالذهب مزمك بأن يكون طرخانا على عادة الأمير منجك، يقيم في أي مكان اختاره من الشام.
وكان قد ورد إلى دمشق في أواخر سنة اثنتين وستين، ونزل بالقصر الأبلق، وتوجه ملك الأمراء أمير علي لتلقيه، وكان هو قد عرج عن الطريق، فلم يلقه، وحضر طاز إلى دار السعادة، فلم يلق ملك الأمراء، فعاد إلى القصر، وتوجه ملك الأمراء إليه. وسلم عليه، ثم إنه سكن في الدار التي للأمير سيف الدين تنكز المعروفة بدار الذهب، وأقام بها مدة إلى أن مرض، وانتقل إلى القصر الأبلق، وطول فيه،
فتوفي هناك - رحمه الله تعالى - في بكرة الاثنين عشري ذي الحجة سنة ثلاث وستين وسبع مئة، ودفن في مقابر الصوفية.
أبو طالب
ابن حميد القاضي الرئيس الصدر شمس الدين بن حميد.
كان في ديوان الجيش بدمشق، ولما طلب القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية إلى مصر، حضر للقاضي شمس الدين توقيع بأن يكون ناظر الجيش عوضاً عن قطب الدين، فباشره في يوم السبت ثاني عشري ربيع الآخر، فباشر ذلك مدة، ثم حضر القاضي معين الدين بن حشيش من الديار المصرية على الوظيفة المذكورة، وباشر القاضي شمس الدين بن حميد عوضاً عن القاضي فخر الدين بن المنذر في جيش دمشق، وتوجه ابن المنذر إلى نظر جيش طرابلس.
طالوت
الصدر الرئيس تاج الدين أبو علي بن الصدر نصير الدين عبد الله بن الشيخ وجيه الدين محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد التكريتي.
كان عاقلاً فيه خير ودين قوي، قرئ في داره صحيح البخاري.
وكان سمع من ناصر الدين عمر بن القواس، وحدث عنه بدمشق وبطريق الحجاز.
وتوفي - رحمه الله تعالى - ثاني جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وثمانين وست مئة.
طامغار
بعد الطاء والألف ميم وغين معجمة وألف وراء: الأمير شهاب الدين بن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أحد أمراء الخمسين بالقاهرة.
وكان يسكن على بركة الفيل بالحبانية، حسن الشكل، صاحب صدقة ومعروف.
توفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشري المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن في تربتهم بالقاهرة.
وكان له أخ اسمه إبراهيم في بلاد التتار، أعرفه، وقد جاء مرة رسولاً من القان بوسعيد إلى السلطان الملك الناصر قبل وفاة أخيه المذكور بقليل.
طان يرق
بطاء مهملة وبعد الألف نون وياء آخر الحروف وراء بعدها قاف: الأمير سيف الدين نائب حماة.
كان حظه عند المظفر قد توفر، وذنبه وخطأه قد تكفر، لا يرى فعله إلا مليحا، ولا يجد وجه وده إلا صبيحا، أثيل المكانه، أثير الاستكانه، إذا شفع فلا يرد، وإذا منع فلا يصد، لا يكاد يصبر عن رؤيته، ولا يراه يحاول أمراً إلا فداه بمهجته، فلذلك أغدق سحائب إنعامه، وروق له شراب إكرامه.
ولم يزل حاله عنده مستصحبا، إلى أن قال له اللحد: مرحبا.
وجاء الناصر حسن بعده، فأجراه على ما اعتاد، وسلم منه رسن المحبة له واقتاد، وارتاح إلى تعظيمه وارتاد، ولم يزل في أوائل الدولة الناصرية معظم الجانب، مقدم الوجاهة إلى قود المقانب، إلى أن طلع الأمير علاء الدين مغلطاي من الاصطبل، وزحف على هلاك تلك الدولة، وضرب الطبل، فأمسك الوزير منجك وغيره، فأطار بالشر في الآفاق طيره، وكان الأمير سيف الدين طان يرق فيمن أخرجه، ووغر خاطر السلطان عليه، وأحرجه، فخرج إلى حماة نائبا، وباشر أمرها، فأحسن إلى أهلها ذاهباً وآيبا.
أول ما ظهر من أمره أنه كان معظماً عند الملك المظفر حاجي، وحضر في أيامه إلى حلب في البريد، وجاء على يده كتاب من المظفر إلى الأمير سيف الدين يلبغا نائب الشام، يقول فيه: إننا قد تراهنا - نحن والخاصكية الأمير سيف الدين الجيبغا وغيره - أنه إن حضر إليك الأمير سيف الدين طان يرق أنك تضربه، وقال المشار إليهم: أنك ما تضربه، فلا تدعنا نغلب معهم، وحضر على يده كتب المذكورين أنه إن ضربه يكن خفية، فما أمكن يلبغا إلا أن ضربه في خفية ضرباً يسيراً خفيفاً.