وإلى النائب، فرسم بإخراج الدوادار إلى دمشق، فوصلها على البريد في يوم عيد الأضحى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، فأقام بها مديدة بطالاً، ثم أعطي طبلخاناه بدمشق، وزوجه نائب دمشق الأمير سيف الدين أيتمش بابنته بعدما شاور السلطان والأمراء في ذلك، وأقام بدمشق إلى أن أمسك الوزير منجك، فطلب إلى مصر لأن الأمير علاء الدين مغلطاي كان زوج أخت امرأة طشبغا، فتوجه إليها يوم السبت ثاني عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ولما دخل على السلطان أقبل عليه إقبالاً كبيرا، وولاه الدوادارية، وقدم المصريون له شيئاً كثيرا.
ولما جرى للأمير سيف الدين أرغون الكاملي ما جرى، وحضر إلى دمشق من حلب، أرسل السلطان طشبغا الدوادار إليه بناءً على أنه في حلب، فوجده في الرملة متوجهاً إلى باب السلطان، فعاد به إلى مصر، وحضر معه إلى نيابة حلب، فوصلا إلى دمشق في يوم الأحد بعد العصر خامس صفر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، فأعطاه نائب حلب شيئاً كثيراً إلى الغاية وفي يوم الاثنين سابع عشري صفر توجه من دمشق عائداً إلى مصر.
ثم إنه لما جرى ما جرى، وخلع الملك الناصر وتولى الملك الصالح صالح أقام على الدوادارية مديدة، ثم إنه حضر إلى دمشق في حادي عشري شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأقام بها بطالاً.
ومرض مدة، ثم توفي - رحمه الله تعالى - في التاريخ المذكور.
وكان يكتب كتابة حسنة منسوبة، وكان فيه ميل إلى الفضلاء، كان بدمشق يسير يستعير مني التذكرة التي لي جزءاً بعد جزء يطالعها.
طشتمر
الأمير سيف الدين حمص أخضر الساقي الناصري.
كان شكلاً ضخما، ووجهه ممتلئ لحما، قد طالت مدته في الإمره، وجمع من أزاهر الذهب والفضة كل حضره، فزادت أملاكه، ونمت أجورها، وعظمت خزائنه، وملئت بالأموال حجورها، إلا أنه كان عطاؤه عطاء الملوك، وإذا جاء وهب الجواهر التي في السلوك. وفيه بر للفقراء وإيثار، وجود لهم على طول المدى مدرار، وأمسكه السلطان مرتين، ولم يتمكن من أذاه كرتين. ثم إنه أخرجه إلى صفد نائبا، فترك فوده لذلك الهول شائبا، لأنه كان يستقل نيابة دمشق استكباراً وعلوا، واستهتاراً منه وعتوا، فأقام بها إلى أن رسم له بإمساك تنكز، فحضر إليه، وأمسكه، وأخذ ثأره منه وأدركه.
ثم إنه توجه إلى حلب نائبا، بل جاء هاماً مالكاً صاحبا، فأظهر فيها من العظمة ما أظهر، وأبدى فيها من البذخ ما أرمد عيون أهلها وأسهر.
ثم إنه قام في ناصر أحمد الناصر، ورام غاية ما كانت تبعد عليه إلا أن جده قاصر، فتعكس وهرب إلى البلاد الرومية في فصل تفاقم برده وبرده، ولم يقاوم جليده جلده، وقاس شقة الطريق، وقاسى أهوالا، ورأى أوحالاً صعبت عليه أحوالا.
ثم إنه عاد وجعل في مصر نائبا، ولم يدر أنه سهم القدر إذا أرسل كان صائبا،
فأمسك بعد مدة قصيره، وذهب به إلى الكرك والعيون لفقده غير بصيره، فقتل هو والفخري صبراً بالسيف، وتحيفهما الحين والحيف.
وكانت قتلته في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
وإنما كان يسمى حمص أخضر لأنه لما كان في الطباق كان يأكله كثيراً، فسماه خوشداشوه بذلك.
وكان في طبقة أرغون الدوادار وتلك الرفعة، وأراد السلطان مرةً إمساكه وإمساك أخيه قطلوبغا الفخري، وكان يدعوه أخي، وأنا شاك في إمساك الفخري في هذه المرة، فوقف الحرافيش تحت القلعة، واستغاثوا، ودخل خوشداشيته على السلطان، فأفرج عنهما، وعلم أنه لا قبل له بهما.
ثم إنه لما أمسك الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وجهزه إلى حلب نائباً أمسكهما، وكان الأمير سيف الدين تنكز تلك الأيام في القاهرة، فشفع فيهما، فأفرج عنهما، وقال له: يا أمير، هذا المجنون - يعني الفخري - خذه معك إلى الشام، وهذا العاقل - يعني طشتمر - دعه عندي. فخرج الفخري إلى الشام، وأقام طشتمر في القاهرة وهو مستوحش الباطن.
ولما توجه السلطان إلى الحجاز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة كان طشتمر أحد الأمراء الأربعة الذين جعلهم مقيمين في القاهرة.
وكان في أول أمره مليحاً حسن الصورة، وكان القاضي كريم الدين يتولى عمائره
بنفسه، وهو الذي عمر له الدار التي عند حدرة البقر والإصطبل، ولها تلك البوابة العظمى والربع التي إلى جانبها التي ليس في القاهرة مثلها.
ولما جهزه إلى صفد في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، استعفى وتضرع، وطلب الإقالة فدخل قوصون إلى المرقد، وخرج مرتين، وفي الثالثة قال له: بس الأرض، ولا تتكلم كلمة واحدة، فباس الأرض، وتوجه إلى بيته، وجهز إليه السلطان خيولاً بسروجها وأنعاماً. وفي يوم الخميس أجلسه بين يديه بعد الخدمة، وقال له: ما أجهزك إلى الشام إلا لتقضي لي فيه شغلاً. وأكب على رأسه، يقبله، وودعه.
قلت: وكان ذلك الشغل المشؤوم إمساك تنكز. وجهز معه طاجار الدوادار، وقال: بعدما توصله إلى صفد؛ توجه إلى دمشق، وقل للأمير نائب الشام: هذا خوشداشك الكبير، وقد صار جارك، فراعه، ولا تعامله معاملة من تقدم.
ومرض في صفد مرضة عظيمة، أشرف فيها على التلف، وعمر له قبراً في مغارة يعقوب بصفد، وفرغ منه، ثم إنه عوفي بعد ذلك.
ثم إن السلطان جهز إليه للقبض على تنكز مع بهادر حلاوة الأوشاقي، فتوهم، وظن أن ذلك مكيدة لإمساكه نفسه، وقام من صفد المؤذن قبل انفجار الصبح، وساق منها في جماعته حتى وصل إلى المزة قبل الظهر، وهذا سوق عظيم لا يفعله غيره، لأن دمشق عن صفد مسافة يومين وأكثر، ثم إن الطريق محجر ووعر، لا يتمكن الفارس أن يسوق فيه. ولما أمسكه - على ما تقدم في ترجمة تنكز - وجهزه إلى باب السلطان مقيداً دخل إلى دمشق، ونزل في النجيبية وحدثته نفسه بنيابة الشام، فورد
إليه المرسوم بالتوجه إلى باب السلطان، فسار إليه من صفد على البريد، ولما وصل إليه شكره وأمر له بنيابة حلب، فورد إليها، وأقام بها نائباً، إلى أن خلع الملك المنصور أبو بكر، وولي الملك الأشرف كجك، وطلب الناصر أحمد إلى القاهرة، فامتنع، وجهز الفخري لمحاصرة الكرك، فلما بلغ ذلك طشتمر قام وقعد، وقلق لذلك قلقاً زائداً واضطرب اضطراباً عظيماً، وقال: هذا أمر ما أوافق أنا عليه أبداً، لأننا حلفنا لأستاذنا ولأولاده من بعده غير مرة، ولما أمسكنا تنكز، حلفنا له ولهم، والسلطان قد مات، وهذا سيدي أحمد في الكرك ووالده أعطاه إياها، فكيف يليق بنا - معاشر مماليكه - أن نخلع ابنه الواحد من ملكه الذي نص عليه، وقرره، ونهجج أولاده وحريمه إلى قوص، ونحاصر ولده الأكبر في الكرك، أيش يقول العدو عنا؟! وسير كتبه بهذه المادة، وما جرى مجراها إلى قوصون وإلى الأمراء الكبار وإلى ألطنبغا نائب دمشق، وتواتر منه ذلك، وتحامل عليه ألطنبغا، واتفق مع قوصون أنه يتوجه إلى محاربته بعسكر دمشق وإمساكه أو طرده، فجرى ما ذكرته في ترجمة ألطنبغا. ولما برز طشتمر من حلب، وعلم أن ما في يده من أمراء حلب شيئاً خرج من حلب، وترك خزانته وحواصله بها، وحمل ما يقدر عليه من الذهب الفضة والحوائص وما أشبه ذلك، ولحقه بعض عساكر حلب، وما أقدموا عليه وجعل كلما مر على قلعة من حصون حلب ناوشه عسكرها القتال، وهو يخلص من الجميع، ودخل إلى الروم في أمطار عظيمة وثلوج زائدة، وبقي هناك إلى أن ملك الفخري دمشق، وانهزم ألطبنغا ومن معه إلى مصر، على ما تقدم. وكتب الفخري إلى الناصر أحمد يطلب حضوره إلى دمشق، فشرع يدافعه من وقت إلى وقت، حتى فهم عنه أنه ما يحضر إلا
بعد حضور طشتمر، فجهز الفخري البريد إلى أرتنا حاكم الروم، واجتهد في حضور طشتمر كل الاجتهاد. فلما كان في شهر رمضان، وصل طشتمر إلى دمشق، وكان قد خرج من حلب في أوائل جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة، وقاسى في الطرقات مشاق ومصاعب، ونجا من الموت مرات. ثم إن الفخري وطشتمر توجهوا بالعساكر الشامية، ولما وصلوا إلى غزة بلغهم أن الناصر أحمد توجه من الكرك إلى القاهرة، فدخلوا إلى مصر بعده، وأقبل عليهما وقررا له الملك تقريراً ما فرح به غيره، لاجتماع العساكر بمصر والشام والقضاة بمصر والشام والخليفة، وكان يوماً عظيماً، قل أن وقع في مصر مثله، ثم إنه قرر طشتمر في نيابة مصر، وبعث الفخري إلى دمشق نائباً. فأقام وطشتمر في النيابة تقدير أربعين يوماً، وعمل النيابة بعظمة زائدة إلى الغاية القصوى، وتحجر على السلطان زائداً، ومنع الناس من الدخول إليه فصبر السلطان عليه، إلى أن خرج الفخري إلى الشام، وتوسط الرمل، وطلب طشتمر، فدخل إليه فأمسكه في القصر عنده، وجهز ألطنبغا المارداني في الحال وغيره لإمساك الفخري، وخرج السلطان من القاهرة، وتوجه إلى الكرك، وأخذ طشتمر معه معتقلاً، وجهز إلى ألطنبغا ليجهز الفخري إليه إلى الكرك، فوصل إليه، وجعل الاثنين في الاعتقال بقلعة الكرك، فأقاما مدة يسيرة، فقيل: إن السلطان بات برا الكرك ليلة، وأنهما كسرا باب محبسهما، وخرجا منه، وجاء الخبر، فأمر بإحضارهما إليه، وضرب عنقهما بالسيف صبراً، رحمهما الله تعالى.
وقلت أنا فيه؛ لما قتل - رحمه الله تعالى -:
طوى الردى طشتمراً بعدما ... بالغ في دفع الأذى واحترس
عهدي به كان شديد القوى ... أشجع من يركب ظهر الفرس
ألم تقولوا حمّصاً أخضرا ... تعجبّوا بالله كيف اندرس
وقد بسطت ترجمته في تاريخي الكبير أكثر من هذا، وهو الذي عمر الحمامين المليحين اللذين في الزريبة بالقاهرة، وعمر الربع العظيم الذي في الحريريين داخل القاهرة، وعمر حماماً حسناً بصفد، وقال بهاء الدين الرهاوي لما اجتمع بالفخري في دمشق:
قد أقبل الفخري في موكبٍ ... أعاذه الله من العين
والحمّص الأخضر في فرحة ... لأجلها صار بقلبين
طشتمر
طلليه، الأمير سيف الدين، بالطاء المهملة وبعدها لامان متحركان بالفتح وبعدما ياء آخر الحروف ساكنة وهاء، إنما عرف بهذا لأنه كان إذا تكلم بشيء قال في آخره: طلليه، كأنه يغني بها.
كان من المماليك الناصرية، وعظم أخيراً في أيام المظفر حاجي، وجعل أمير سلاح، وهو من أمراء المشور، والذين يكتبون إليهم نواب الشام قرين مطالعات السلطان.
ولم يزل في هذه الرتبة إلى أن صار ربع الحياة من طلليه طللا، وحمل إلى قبره وقد نشرت الرحمة عليه ظللا.
لأنه توفي - رحمه الله تعالى - في طاعون مصر في شوال سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ططق
الأمير سيف الدين الأحمدي، نسبةً إلى الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي؛ أمير جاندار، وقد تقدم ذكره في مكانه.
كان عارفاً خبيرا، درباً بالأمور لا كمن لا يعرف قبيلاً ولا دبيرا، يكتب فيكبت حساده، ويقرأ فيرقا ويعلو أضداده، استراح به أرغون الكاملي مدة نيابته لما كان له دوداراً، ورأى من العز والعظمة ما لم يره كسرى ولا دارا، وعمل النيابة بالرحبة جيدا، وكان من العربان منصوراً مؤيدا، فابتسم به ذلك الثغر بعد قطوبه، ومعاناة كروبه، ومداناة حروبه. إلى أن جاءه الأمر الذي لا تمنع منه الحصون، وأذاع من حينه السر المصون.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في رابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
كان المذكور من مماليك الأحمدي، أمير جاندار، ولما تأمر الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، أخذ جماعة من مماليك الأحمدي، فكان هذا ططق المذكور دواداره، وكان عاقلاً خبيراً مهذباً مدرباً، فاستراح به الكامل في نيابة حلب ودمشق، وكان بدمشق أمير عشرة، ولما عادوا إلى حلب ثانياً من دمشق أعطي إمرة طبلخاناه، ولما طلب الكاملي إلى مصر، توجه معه، وأمسك الكاملي على ما تقدم في ترجمته، بقي بطالاً مدة، ثم إنه أعطي طبلخاناه، وجهز إلى دمشق، فحضر إليها، وعرض جنده بدار السعادة في رابع عشر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وأقام بدمشق