بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 645

في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍ ... وكلّ ظامٍ سقي من بحرك الطّامي
لا يرتقي نحوك السّاري على فلكٍ ... فكيف من رام أن يسعى بأقدام
منك استفاد بنو الآداب ما نظموا ... وعنك ما حفظوا من رقم أقلام
أنت الشّهاب الذي سامى السّماك علاً ... وفيض فضلك فينا فيض إلهام
لمّا رأيت كتاباً أنت كاتبه ... وأضرم الشّوق عندي أيّ إضرام
أنشدت قلبي هذا منتهى أربي ... أعاد عهد حياتي بعد أعوام
يا ناظريّ خذا من خدّه قبلاً ... مهو الحرير بتقبيلٍ وإكرام
ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقه ... وقد زهي زهرها الزّاهي بأكمام
من ذا يوفّيه في ردّ الجواب له ... عذراً إليك ولو كنت ابن بسّام
فكم جنحت ولي طرفٌ يخالسه ... وأنثني خجلاً من بعد إحجام
يا ساكناً بفؤادي وهو منزله ... محلّ شخصك في سرّي وأوهامي
حقاً أراك بلا شكّ مشاهدةً ... ما حال دونك إنجادي وإتهامي
ولذّ عتبك لي يا منتهى أربي ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام
حوشيت من عرضٍ يشكى ومن ألمٍ ... لكنّ عبدك أضحى حلف آلام
ولو شكا سمجت منه شكايته ... إنّ الثمانين تستبطي يد الرّامي
وحيد دارٍ فريدٌ في الأنام له ... جيران عهدٍ قديم بين آكام
طالت بهم شقّة الأسفار ويحهم ... أخفوا وما نطقوا من تحت أرجام
أبلى محاسنهم مرّ الجديد بهم ... وأبعد العهد عنهم بعد أيام


صفحه 646

فلا عداهم من الرّحمن رحمته ... فهي الرّجاء الذي قدّمت قدّامي
وكم رجوت إلهي وهو أرحم لي ... وقلّ عند رجائي قبح آثامي
فطال عمرك يا مولاي في دعةً ... ودام سعدك في عزٍّ وإنعام
ولا خلت مصر يوماً من سناك بها ... ولا نأى نورك الضّاحي عن الشّام
وأنشدني العلامة أبو حيان قال: أنشدنا لنفسه ابن تمام:
وقالوا: تقول الشّعر قلت أُجيده ... وأنظمه كالدّرّ راقت عقوده
وأبتكر المعنى البديع بصنعةٍ ... يحلّى بها عطف الكلام وجيده
ويحلو إذا كرّرت بيت قصيدةٍ ... وفي كلّ بيتٍ منه يزها قصيده
ولكنّني ما شمت بارق ديمةٍ ... ولا عارضٍ فيه ندى أستفيده
فحسبي إلهٌ لا عدمت نواله ... وكلّ نوالٍ يبتديه يعيده
وأنشدني أيضا قال: أنشدني لنفسه:
وقالوا صبا بعد المشيب تعلّلاً ... وفي الشّيب ما ينهى عن اللهو والصّبا
نعم قه صبا لمّا رأى الظّبي آنساً ... يميل كغصن البان يعطفه الصّبا
أدار التفاتاً عاطل الجسيد حالياً ... وفي لحظه معنىً به الصبّ قد صبا
ومزّق أثواب الدّجا وهو طالعٌ ... وأطلع بدراً بالجمال تحجّبا
جرى حبّه في كلّ قلبٍ كأنّما ... تصوّر من أرواحنا وتركّبا
وأنشدني، قال: أنشدنا لنفسه:
أُكاتبكم وأعلم أنّ قلبي ... يذوب إذا ذكرتكم حريقا
وأجفاني تسحّ الدّمع سيلاً ... به أمسيت في دمعي غريقا
أُشاهد من محاسنكم محيّاً ... يكاد البدر يشبهه شقيقا


صفحه 647

وأصحب من جمالكم خيالاً ... فأنّى سرت يرشدني الطريقا
ومن سلك السّبيل إلى حماكم ... بكم بلغ المنى وقضى الحقوقا
ومن شعره:
طرقتك من أعلى زرود ودونها ... عنقا زرود ومن تهمامة نفنف
تتعسّف المرمى البعيد لقصدها ... يا حبّذا المرمى وما تتعسّف
ومنه:
معانٍ كنت أشهدها عياناً ... وإن لم تشهد المعنى العيون
وألفاظ متى فكّرت فيها ... ففيها من محاسنها فنون
ومنه:
تبدّى فهو أحسن من رأينا ... وألطف من تهيم به العقول
وأسفر وهو في فلك المعاني ... وعنه الطّرف ناظره كليل
له قدٌّ يميل إذا تثنّى ... كذاك الغصن من هيفٍ يميل
وخدٌّ ورده الجوريّ غضٌّ ... وطرفٌ لحظه سيفٌ صقيل
وخالٌ قد طفا في ماءٍ حسنٍ ... فراق بحسنه الخدّ الأسيل
تخال الخدّ من ماءٍ وجمرٍ ... وفيه الخال نشوانٌ يجول
وكم لام العذول عليه جهلاً ... وآخر ما جرى عشق العذول
قلت: وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
مالنا كلّنا جوٍ يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول


صفحه 648

كلّما عاد من بعثت إليها ... هام فيها وخان فيما يقول
وإذا خامر الهوى قلب صبٍّ ... فعليه لكلّ عينٍ دليل
أفسدت بيننا الأمانات عينا ... ها وخانت قلوبهنّ العقول
وقال ابن سناء الملك:
راح رسولاً وجاءني عاشق ... وعاقه عن رسالتي عائق
وعاد لا بالجواب بل بجوىً ... أخرسه والهوى به ناطق
وذكرت أنا بقول ابن تمام رحمه الله ما قلته أنا ومن مادته أخذت، وعلى منواله نسجت:
ألحّ عذولي في هواه وزاد في ... ملامي، فقلت: احتل على غير مسمعي
فلم يدر من فرط الولوع بذكره ... مصيبته حتى تعشقه معي
وقلت أنا أيضاً على هذه المادة:
بي غزالٌ لمّا أطعت هواه ... أخذ القلب والتّصبر غصبا
ما أفاق العذول من سكرة العذ ... ل عليه حتى غدا فيه صبّا

عبد الله بن أحمد بن عبد الله
ابن أحمد بن محمد، الشيخ الإمام الصالح المحدث أبو محمد بن الشيخ المحدث محب الدين السعدي المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي.
سمعه والده، وحفظه القرآن، وطلب بنفسه في سنة سبع وتسعين، ولحق ابن


صفحه 649

القواس، وابن عساكر الشرف، والغسولي، والناس بعدهم، وكان عنده عوال عن ابن البخاري وبنت مكي وعدة، وانتقى له شيخنا الذهبي جزءاً، وانتقى هو لبعض مشايخه ونسخ عدة أجزاء.
وخلف عدة أولاد، وكان من أهل الخير والصيانه، وأولي الصلاح والديانه، حسن الشكل واللحية السوداء، والوجه كأنه بدر في الليلة الظلماء، طيب الصوت لذيذ النغمه، إذا تلا كأنما صب على الآذان صوب نعمه، يقرأ سريعاً مع فصاحه، ويخيط بإيراده ما في القلوب من جراحه.
نفع الناس بمواعيده العامه، وأفاض عليهم فيها ملابس التقوى التامه، وكان له محبون وزبون يدفع بهم الحرب الزبون، وكان يقرأ في الحائط الشمالي ومجلسه حافل غاص، وسمعته غير مرة.
ولم يزل على حاله إلى أن طالت منه الرقده، وأذاق الله الناس فقده.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وثمانين وست مئة.

عبد الله بن أحمد بن علي
ابن أحمد الشيخ الإمام الفقيه النحوي جلال الدين بن الشيخ فخر الدين بن الفصيح العراقي الكوفي الحنفي، قد تقدم ذكر والده في الأحمدين.


صفحه 650

وكان هذا جلال الدين همته مباركه، وعنده في العلوم مشاركه، وقدم إلى دمشق، وسمع بها وسمع أولاده. إلا أنه عجل عليه حتفه، ورغم بالتراب أنفه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وسبع مئة.
وكان قد سمع ببغداد من جماعة، وسمع بدمشق من شيخنا الذهبي، ومن الجزري.

عبد الله بن أحمد بن يوسف
ابن الحسن الفقيه الفاضل جلال الدين أبو اليمن الزرندي، بالزاي والراء المفتوحة وبعدها نون ساكنة، الشافعي.
سمع بالحرمين، وبحماة، وحلب، والساحل، وغير ذلك، وقرأ كثيراً، وله عدة محافيظ، وكتب المشتبه، وسمع أبا العباس الجزري، والمزي، والذهبي، وغيرهم من الموجودين.
وكان شاباً فيه يقظه، وطلب في كل لحظه، لا يفتر ولا يني، ولا يعدل عن الدأب ولا ينثني.
ولم يزل على حاله إلى أن قصف، ومحق بدره بعدما خسف.


صفحه 651

وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأخير من شعبان سنة تسع وأربعين وسبع مئة. بالطاعون.
ومولده سنة عشرين وسبع مئة.

عبد الله بن أحمد بن محمد بن سليمان
القاضي تاج الدين بن القاضي الشيخ شهاب الدين بن غانم. تقدم ذكر والده رحمه الله تعالى.
كان شاباً غضا، طري البشرة بضا، كتب في ديوان الإنشاء بدمشق فأخجل الحدائق، وتعثرت وراء أشرعته البوارق، يكاد قلمه يفوت الطرف تسرعا، ويظن من يراه أنه لم يعمل أقلامه تبرعا، وكان الناس يتعجبون من كتابته البديعه، وحركة يده السريعه.
ولم يزل على حاله إلى أن عثرت قوائم جواده، وأصاب سهم المنية حبة فؤاده.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء سادس المحرم ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
ووجدت بخطه أبياتاً كتبها للقاضي علاء الدين بن الأثير:
ومثلك إن أبدى الجميل أعاده ... وإن جاد بالمعروف عاد كمّلا
وما زلت تغني بالنّدى كلّ مقترٍ ... مقلّ فتولي العالمين تطوّلا
وما جاءك المسكين قطّ مؤمّلا ... جميلك إلاّ نال ما كان أمّلا
لك اشتهرت يا بن الأثير مآثرٌ ... بآثارها الحسنى ملأت بها الملا


صفحه 652

وجودك قد عمّ الوجود وأهله ... فما منزلٌ من فيض فضلك قد خلا
وأنت فلم تبرح تغيث ولم تزل ... تعين ذوي الحاجات منك تفضّلا
فلا زلت محروس المقرّ مبلّغا ... أمانيك مشكور الندى دائم العلا
ورثاه والده بشعر كثير، ومنه ما كتبه تحت خطه بعد وفاته:
آها لكاتبها وما ... فعلت بأنملها الظراف
نوب المنون العارضا ... ت لكلّ حيٍّ بالتّلاف
أفرطت في تفريطهنّ ... بما أفتن من التلاق
تجتاح أرواح الورى ... بظواهرٍ منها خواف
لتعيدهم كمرامدٍ ... بالريح تنسفها السّواف
أجّجن نيران الجحيم ... أسىً بقلبي والشّغاف
وأطلن سقماّ ماله ... إلاّ علاج الموت شاف

عبد الله بن أحمد
الوزير علم الدين بن القاضي تاج الدين بن زنبور.
كان كاتباً سعيد البدايه، متصرفاً له في التدبير عنايه، جمع له من الوظائف الجليلة ما لم يجمع لغيره، ودانت له الأيام حتى ذل الأُسود لعيره، وجمع له من الأموال ما تقصر عنه أمواج الأمواه، وتكل عن وصفه أفواج الكلم من الأفواه، واقتنى من الأملاك ما يحار له الأملاك، وحاز من الإنعام ما يقف السابح في ذكره إن عام، وأما المراكيب والمراكب والملابس التي تفخر بها الكواكب، فشيء زاد على المعهود مقداره، وضاقت في البر والبحر أقطاره.