عبد الله بن أحمد بن محمد
ابن محمد بن نصر الله الشيخ فخر الدين بن الشيخ الإمام تاج الدين ابن المغيزل الحموي شيخ الشيوخ بحماة.
كان رجلاً مباركاً، ولي المشيخة بعد والده وأقام فيها أكثر من أربعين سنةً. ووليها بعده قاضي القضاة شرف الدين البارزي.
سمع بقراءة شيخنا البرزالي بحماة على والده سنة خمس وثمانين وست مئة. وكان منقطعاً يصوم دائماً ويتعبد، ولم يكن قد تأخر في بني المغيزل مثله.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشري شهر رمضان ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
عبد الله بن أحمد بن عبد الحميد
ابن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: روى لنا عن إبراهيم بن خليل وغيره، وكان فقيهاً كتب الكثير وسمع وكتب الطباق: وصار نقيباً للقاضي الحنبلي قبل موته بشهر.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة تسع وتسعين وست مئة.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وله حضور على خطيب مردا، وهو في ثاني سنة من عمره، وسمع من جده وعم والده الفقيه محمد بن عبد الهادي وابن عبد الدائم وغيرهم.
عبد الله بن أحمد بن علي
ابن المظفر - وسيأتي تمام نسبه في ترجمة ولده القاضي فخر الدين محمد - القاضي الصدر الكبير الرئيس بهاء الدين ابن الحلي ناظر الجيوش بالديار المصرية.
كان من أعيان المصريين وصدورهم ونجوم مباشريهم وبدورهم، قال شيخنا البرزالي: روى لنا عن النجيب عبد اللطيف الحراني.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الجمعة عاشر شوال سنة تسع وسبع مئة. ودفن بالقرافة. وتولى الوظيفة بعده القاضي فخر الدين كاتب المماليك.
عبد الله بن أبي بكر بن عرام
بفتح العين المهملة وتشديد الراء وبعدها ألف وميم: الأسواني المحتد، الإسكندراني الدار والوفاة.
سمع الحديث، وصحب الشيخ أبا العباس المرسي، وأمه بنت الشيخ الشاذلي.
كان يقرئ النحو بإسكندريه، ويألف به كل ذي نفس سنيه، وأفعال سريه، فأفات الجهل وأفاد العلم، وساد الناس لما ساسهم بالحلم، وكان يذكر عنه كرامات، ويشاهد له في الصلاح مقامات.
ولم يزل على حاله إلى أن عرى الموت ابن عرام حياته، وقدر له بالسوء بياته.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
ومولده بدمنهور سنة أربع وخمسين وست مئة.
عبد الله بن تاج الرئاسة
الصاحب الرئيس الوزير الكبير أمين الملك وزير الديار المصرية والشامية.
لما استسلم الجاشنكير الأمير ركن الدين بيبرس النصارى اختبأ الصاحب أمين الدين هو والصاحب شمس الدين غبريال تقدير شهر، ولما طال الأمر عليهما ظهرا وأسلما. وهو ابن أخت السديد الأعز المذكور المشهور في الدولة الظاهرية المنصورية، وكان خاله مستوفياً، وبه تخرج، وعليه تدرب، ولما مات رتب هو مكانه ومال في الاستيفاء، السعادة الزائدة والدنيا العريضة، وزر بعد ذلك ثلاث مرات، وهو يتأسف على وظيفة الاستيفاء.
وكان رئيساً كبيرا، كاتباً منفذاً وزيرا، قد درب الأمور وباشرها، ورأى المناصب الجليلة وعاش بها وعاشرها، ولم أر من يكتب أسرع منه ولا أقوى، ولا أعرف بالمصطلح في الدولة ولا أحوز لمعرفة عوائدها ولا أحوى، يكون مرتفقاً على مدوره، والورقة في يده اليسرى مهوره، فيأخذ القلم ويكتب ما يريده ويلقيه أسرع من البرق، وأعجل من الشمس التي يكون ضؤوها في الغرب وهي في الشرق، وكان إذا وضع القلم في أول السطر وكتبه لا يرفعه إلى آخره قدرةً على الكتابة، كأنما يمد بسبب.
وكان مع جلالة منصبه كثير الأدب، زائد التواضع إذا أمر أو نهى أو طلب، وكتب بخطه المليح ربعة مليحه، واعتنى بأمرها فجاءت جيدة صحيحه، وكان يتغالى في أمداح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويكتبها بخطه ممن أنشدها أو تكلم.
ولم يزل بدمشق على نظر الدواوين إلى أن طلب إلى مصر ليعاد إلى الوزاره، فتوجه إليها، ولم يصل إلا وأمره قد نقصه من حسن العباره، فأقام في بيته بطالا إلى أن قبض عليه، وأخذ روحه قبل ما لديه.
وتوفي رحمه الله تحت المصادرة والعقاب، وطلب الأموال منه بلا حساب، وذلك في سنة أربعين وسبع مئة.
وكان قد ولي الوزارة عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب بالديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة، ثم عزل منها وتولى الوزارة بعده الأمير بدر الدين بن التركماني في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة، وصودر وأفرج عنه، ثم إنه ولي الوزارة ثانياً، فعمل عليه القاضي كريم الدين الكبير وفخر الدين وأخرجاه إلى طرابلس ناظراً بمعلوم الوزارة في مصر، فوصل إليها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وأقام بها إلى أن حج فيما أظن واستعفى من المباشرة، وسأل الإقامة في القدس يعبد الله تعالى هناك، فأجيب إلى ذلك، فتوجه إليها في المحرم سنة عشرين وسبع مئة، وله راتب يكفيه، في كل مرة يعزل شاماً ومصراً.
ولم يزل بالقدس مقيماً، إلى أن أمسك القاضي كريم الدين الكبير في شهر ربيع
الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، فطلب إلى مصر على البريد، ولما وصل في خامس عشري ربيع الآخر ولاه السلطان الوزارة مرة ثالثة.
أخبرني الصاحب أمين الدين رحمه الله تعالى قال: لو علمت أنه بقي في الدنيا وظيفة يقال لها نظر خاص ما خرجت من القدس، قلت: لم ذاك يا مولانا الصاحب؟ قال: لأن ناظر الخاص يدخل إلى السلطان بكرة النهار فيتحدث معه بكل ما يريد أن يطلقه وينعم به على خواصه وجواريه ومن يختاره، ويدخل بعده ناظر الجيش فيتحدث معه في إقطاعات الأمراء والجند بالديار المصرية والشامية من الزيادات والنقصان والإفراجات، ويدخل كاتب السر فيقرأ البريد عليه وفيه من الولايات والعزل جميع ما بالشام، وأدخل أنا بعد ذلك، فيقول: اخرج احمل لناظر الخاص كذا وكذا فأنا فلاح لذلك المولى، وليس لي مع السلطان حديث إلا في فندق الجبن، دار التفاح، صناعة التمر، جهات القاهرة ومصر، فعلمت صحة ما قاله.
وأقام في الوزارة إلى أن كثر الطلب عليه، فدخل إلى السلطان وقال: يا خوند ما يصلح للوزارة إلا واحد من مماليك مولانا السلطان يكون أمير مئة مقدم ألف، واتفقا على الأمير علاء الدين
مغلطاي الجمالي، فقال له السلطان. اخرج نفذ أشغالك إلى آخر النهار وانزل إلى بيتك واسترح، وأعلم الناس أن الوزير فلان. فخرج ونفذ الأشغال، وكتب على التواقيع، وأطلق ورتب إلى آخر النهار، ونزل آخر النهار إلى بيته بالمشاعل والفوانيس على عادة الوزير، والنظار والمستوفون والمنشدون قدامه، ولما نزل على باب بيته قال: يا جماعة مساكم الله بالخير، ووزيركم غداً علاء الدين مغلطاي الجمالي، وكان ذلك عزلاً لم يعزله وزير غيره في الدولة التركية، وذلك يوم الخميس ثامن شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ثم لازم بيته يأكل مرتبه إلى أن عمل الاستيمار في أيام الجمالي، ووفر فيه جماعة، فطلب هو من السلطان أن يتصدق عليه بوظيفة، فقال السلطان تكون ناظر الدولة كبيراً مع الوزير، فباشر النظر في شوال سنة ثمان وعشرين وسبع مئة هو والقاضي مجد الدين بن لفيتة أربعين يوماً فكان حمله على الجميع ثقيلاً. فاجتمع الكتاب بأجمعهم عليه، وقاموا كتفاً واحدة، فما كان إلا أن كان يوماً وهو قاعد في باب الوزير لخدمة العصر، وإذا خادم صغير خرج من القصر وجاء إلى باب الوزير وأغلق دواته وقال: يا مولانا بسم الله الزم بيتك، فلزم بيته.
ولما أمسك الصاحب شمس الدين غبريال وجاء السلطان من الحجاز وطلب غبريال إلى مصر رسم السلطان للصاحب أمين الدين بمكانه ناظر النظار بدمشق، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، فأقام بها بعمل الوزارة إلى أن أمسك السلطان النشو ناظر الخاص في سنة أربعين وسبع مئة، طلب الصاحب أمين الدين إلى مصر ليوليه الوزارة، فعمل الكتاب عليه وسعوا في أمره إلى أن انثنى عزمه عنه، فأقام في بيته قليلاً، ثم أمسك هو ووالده القاضي تاج الدين ناظر الدولة والقاضي كريم الدين مستوفي الصحبة، وصودروا، وبسط عليهم العذاب إلى أتوفي هو رحمه الله تعالى تحت العقاب في سنة أربعين وسبع مئة.
وكان الصاحب أمين الدين كثير التواضع والأدب مع جميع الناس كبارهم وصغارهم، وكان قد أسن وكبر، ولا يدخل عليه أحد إلا يقوم له، ويحكى عقيب
ذلك أن خاله كان إذا جاء إلى قوم يقول بالله لا تقوموا فإن هذا دين يشق علي وفاؤه.
ولما حضر إلى دمشق أحبه الأمير سيف الدين تنكز أخيراً محبة كبيرة، وكان يثني على آدابه وحشمته.
ولما عمل نظر الدولة مع الجمالي كنت بالديار المصرية فطلبني وقال: أشتهي أن تكتب عني المكاتبات والأجوبة، ورتب لي عليه شيئاً، وكنت أبيت معه وأصبح وأنا في جامكيته وجرايته وقماشه، فيعاملني بآداب كثيرة وحشمة زائدة، رحمه الله تعالى. إذا جاءته قصة أو كتاب قلب ذاك وكتب في ظهره: مولانا يتصدق ويكتب بكيت وكيت.
ولما رسم له بنظر النظار بدمشق كنت إذ ذاك في ديوان الإنشاء بالديار المصرية، وكتبت له توقيعاً شريفاً بذلك ونسخته: الحمد لله الذي جعل ولي أيامنا الزاهرة أمينا وأحله ضمائر من ضمائرنا الظاهرة مكانا أينما توجه وجده مكينا، وخصه بالإخلاص لدولتنا القاهرة فهو يقيناً يقينا، وعضد بتدبيره ممالكنا الشريفة فكان على نيل الأمل الذي لا يمين يمينا، وفجر خلاله نهراً أصبح على نيل السعود معيناً معينا، وزين به آفاق المعالي فما دجا أمر إلا وكان فكره صبحاً مبينا، وجمل به الرتب الفاخرة، فكم قلد جيدها عقداً نفيسا، ورصع في تاجها دراً ثمينا، وأعانه على ما يتولاه فهو الأسد الأسد الذي اتخذ الأقلام عرينا.
نحمده على نعمه التي خصتنا بولي تتجمل به الدول، وتغنى الممالك بتدبيره عن النصار والخول، وتحسد أيامنا الشريفة عليه أيام من مضى من الملوك الأول، وتحل السعود حيث حل إذ لم يكن لها عنه حول.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً نستمطر بها صوب الصواب، ونرفل منها في ثوب الثواب، وندخر منها حاصلاً ليوم الحساب، ونعتد برها واصلاً ليوم الفصل والمآب.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده الصادق الأمين، ورسوله الذي لم يكن على الغيب بضنين، وحبيبه الذي فضل الملائكة المقربين، ونجيه الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى حجة على الملحدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين صحبوا ووزروا، وأيدوا حزبه ونصروا، وبذلوا في نصحه ما قدروا، وعدلوا فيما نهوا وأمروا، صلاةً لهم تكون لهم هدىً ونوراً إذا حشروا، ويضوع بها عرفهم في الغرف ويطيب نشرهم إذا نشروا، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن أشرف الكواكب أبعدها دارا، وأجلها سراً وأقلها سرارا، وأدناها مبارا وأعلاها منارا، وأطيب الجنات جناباً ما طاب أرجاً وثمارا، وفجر خلاله كل نهر تروع حصاه حالية العذارى، ورنحت معاطف غضونه سلافة النسيم فتراها سكارى، وتمد ظلال الغصون، فتخال أنها على وجنات الأزهار تدب عذارا. وكانت دمشق المحروسة لها هذه الصفات، وعلى صفاها تهب نسمات هذه السمات، لم يتصف غيرها بهذه الصفة، ولا اتفق أولو الألباب إلا على محاسنها المختلفة، فهي البقعة التي يطرب لأوصاف جمالها الجماد، والبلد الذي ذهب المفسرون إلى أنها إرم ذات العماد،