وقل: وفي بلاد من أختها بدل، واختر ما اختارته لك سعادتنا المؤبدة المؤيدة فطرفها بالذكاء مكتحل:
إن السعادة فيما أنت فاعله ... وفّقت مرتحلاً أو غير مرتحل
فما آثرنا بتوجهك إلى الشام إلا ليأتيك المجد من هنا وهنا، ولأنك إذا كنت معنا في المعنى فما غبت في الصورة عنا، وابسط أملك " إنك اليوم لدينا مكينٌ أمين "، ونزه نفسك فقد أويت " إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعين "، والوصايا كثيرة وأنت ابن بجدتها علماً ومعرفة، وفارس نجدتها الذي لا يقدم على أمر حتى يعرف مصرفه، فما نحتاج أن نرشدك منها إلى علم، ولا أن نشير إليك فيها بأنملة قلم، وتقوى الله تعالى هي العروة الوثقى، والكعبة التي من يطوف بها " فلا يضلّ ولا يشقى "، فعض بالناجذ عليها وضم يديك على معطفيها، والله يتولى ولايتك، ويعين دربتك في الأمور وعنايتك، والخط الشريف أعلاه الله تعالى وشرفه أعلاه، حجة بثبوته والعمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وأنشدني لنفسه إجازة ما كتبه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود عندما ولي الوزارة الأخيرة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة:
تبلّجت الدّنيا وأشرق نورها ... وعاودها بعد النّفور سرورها
وماست بأعطاف الممالك نفحةٌ ... من العزّ عمّ الخلق طيباً مرورها
وردّت على دست الوزارة بهجةٌ ... إذا لم تكنها الشمس فهي نظيرها
فأربت على ماضي الدّهور لكونها ... أُعيدت إلى المولى الوزير أُمورها
وصاحبها حكماً فكلّ محكّمٍ ... يباشرها من عنده يستعيرها
وما رسمت من بعده باسم غيره ... فساوى الورود الآن منها صدورها
وهل يطرق الآمال أرجاء ربّته ... على مفرق الشّعرى العبور عبورها
أمين الدّنا والدين والملك والعلى ... ومعلي سنا آرائها ومشيرها
فأشرقت الأقطار بعد قطوبها ... بمرآه وافتّرت سروراً ثغورها
ولم لا ترى تلك الثغور بواسماً ... وآراؤه حول الممالك سورها
ولم يدر إن أثرى ثرى الملك بالنّدى ... أيمناه أحيت تربها أم بحورها
وقد كانت الآمال ماتت فردّها ... به نشر بشرى كان فيها نشورها
ولو نذرت من قبلها رتبةٌ علت ... لحقّ عليها أن توفّى نذورها
يلوح بأجياد التقاليد وصفه ... فتشرق بالدرّ الثمين سطورها
وتبدو معاني نفسه في مدادها ... كما تتبدّى في الليالي بدورها
إذا ما سطت أقلامه وضراغم ... لها الطّرس غابٌ والصّرير زئيرها
وإن أجرت الأرزاق فهي غمائم ... يسير إلى الآفاق منها مطيرها
وإن دبّحت طرساً فأبهج روضه ... يناظر زهر النيّرات نضيرها
وإن سجعت في مهرقٍ فحمائم ... لها الكتب دوحٌ والقلوب طيورها
أتانا به لطف الإله بخلقه ... وكلّ امرئ هادي العيون قريرها
إذا أجدبت أرضٌ وغاض معينها ... فمن راحتيه روضها وغديرها
فأخصب واديها وأمرع ربعها ... وأُصلح غاويها وأثرى فقيرها
بحجته معنى الجلالة سافرٌ ... وأضفى ستور الكاملين سفورها
ويدنيه منّا فضله في علوّه ... كشمس الضحى تعلو ويقرب نورها
وقد لحظ الأعمال أوّل نظرةٍ ... تساوى لديه نأيها وحضورها
ووافت حمول المال من كلّ وجهة ... ثقالا هواديها بطيّا مسيرها
ولم يك عن عسفٍ ولكن أثارها ... وقد خفيت من كل قطرٍ خبيرها
فأضحت بيوت المال ملأى برأيه ... تغصّ ولا يخشى انتقاصاً غريرها
وقد أخصبت منه الخزائن فاغتدت ... كروضة حسن والدلال زهورها
ولو لم تكن قد أصبحت وهي جنّة ... به ما علا الأبرار منها حريرها
أيا مالك النّعمى الذي لنواله ... مناهل لم يكدر لديّ نميرها
لقد كنت أخشى أن أموت وما أتى ... بما كنت أرجو من علاك بشيرها
وقد كنت بالعقبى من الله واثقا ... وإن أبطأت أيامها وشهورها
وإنك ما استنصرت إلاّ بربك الع ... ليّ ولم ينس العباد نصيرها
ومن يكن الرحمن حافظ نفسه ... فكيد أعادي نفسه لا يضيرها
فدونكها يصفي لك العزّ وردها ... ويضفي جبير السّعد منك جبورها
فقد يئست منها وقد آل أمرها ... إليك نفوس زال عنها غرورها
فأكرم بملكٍ أنت منه أمينه ... ودولة ملك أنت فيها وزيرها
وعش وابق ما غنّى الحمام بدوحه ... وبارى هديل الورق منها هديرها
يقبل الأرض التي يود لو فاز بلثم أعتابها، أو كحل ناظره الذي قذي بالبعد عنها بلثم ترابها، ويتمنى لو قام لديها بفرض التهنئة منشدا، أو مثل بها بين الأولياء منبهاً لهم على تكرار السجود لله تعالى ومرشدا. وينهي ورود البشرى التي كانت الآمال تترقب ورودها، والتهاني التي كانت الأماني تتنجز من الدهر وعودها، والنعم التي كانت
الأولياء تخشى أن تجود بأنفسها قبل أن ترى وجودها، فالحمد لله على هذه المنن التي أجابت من سأل، وتركت المملوك وأمثاله من الأولياء يصحبون الدنيا بلا أمل، وأعادت على النواظر نضارة نورها وإضاءة نورها، وردت إلى القلوب ما بعد من آمالها أو نفر من سرورها، وفسحت للأولياء في أرجاء الرجاء مجالا، وأجرت سوابق الإحسان في مضمار المعنى فغدت لها المحامد غررا، والأثنية المشرقة أحجالا، ثم الحمد لله على هذه المنة التي لا يقدر الشكر قدرها، ولا يدرك سرار الانتهاء بدرها، ولا تزال الأقدار تعاضد نهيها وأمرها، والسعادة ترفه بيمن خياطتها الممالك بيض جيوشها المرهفة وسمرها، والمملوك فقد اجتنى ثمر دعائه الصالح، وأخذ من هذه التهنئة حظ المقيم الملازم بالأبواب العالية مع أنه النائي النازح، والله يجعل هذه المنة فاتحة ما يستقبل من أمثالها، ويمتع الأولياء كافة بما أنجزت لها الأيام من وعود آمالها بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى.
عبد الله بن جعفر
بن علي بن صالح
محيي الدين الأسدي الكوفي النحوي الحنفي، ابن الصباغ.
أجاز له رضي الدين الصاغاني، والموفق الكواشي، وبالعامة من ابن الخير، وألقى الكشاف مرات دروسا، وجلا من آدابه، على الطلبة عروسا، وسقى من فضائله المتنوعة غروسا، وكانت له جلالة وأبوة وأصالة، عرض عليه تدريس المستنصرية فأبى، وصار له بهذا الإعراض حديث ونبا، وكانت فضائله موصوفه، وهو في ذلك الزمان فاضل الكوفه.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح الموت بابن الصباغ صبا، وصبت الأحزان عليه سحائب الدموع صبا.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وثلاثين وست مئة.
كان فيه عبادة وزهادة، وكتب عنه عفيف الدين المطري، وأجاز للشيخ تقي الدين بن رافع، ونظم الفرائض.
عبد الله بن جعفر
عفيف الدين التهامي أحد كتاب الإنشاء للملك المؤيد صاحب اليمن، كان دينا حسن السيره، طاهر السريره.
نقلت من خط الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليمني، قال: كان عفيف الدين يملي على أربعة قريضاً من فيه، على غرض طالبه ومستفتيه، من غير لعثمه، ولا فأفأة ولا تمتمه، في أوزان مختلفه، وقواف غير مؤتلفه، وبلغ السبعين، وهو مشتمل برداء الدين.
وقال: توفي سنة أربع عشرة وسبع مئة ببلده من أعمال الجثة.
قال يمدح المؤيد وقد سار إلى عدن من تعز، وعيد بها:
أعلمت من قاد الجبال خيولا ... وأفاض من لمع السيوف سيولا
وأماج بحراً من دلاصٍ سابحٍ ... جرّت أسود الغاب منه ذيولا
ومن القسىّ أهلةً ما تنقضى ... منها الخضاب عن النصول نصولا
وتزاحمت سمر القنا فتعانقت ... قرباً كما يلقى الخليل خليلا
فالغيث لا يلقى الطريق إلى الثرى ... والريح فيها لا تطيق دخولا
سحبٌ سرت فيها السيوف بوارقاً ... وتجاوبت فيها الرعود صهيلا
طلعت أسنّتها نجوماً في السما ... فتبادرت عنها النجوم أُفولا
تركت ديار الملحدين طلولا ... مما تبيح بها دماً مطلولا
والأرض ترجف تحتها من أفكلٍ ... والجوّ يحسب شلوه مأكولا
حطمت جحافلها الجحافل حطمةً ... تدع الحمام مع القتيل قتيلا
طلبوا الفرار فمّد أشطان القنا ... فأعاد معقلهم بها معقولا
عرفوا الذي جهلوا فكلّ غضنفرٍ ... في النّاس عاد نعامة إجفيلا
ملك إذا هاجت هوائج بأسه ... جعل العزيز من الملوك ذليلا
بحر إلى بحر يسير بمثله ... والملح أحقر أن يكون مثيلا
وقال: وقد أمر المؤيد أن تطرح دراهم في بركة صافية، وأن ينزل الخدام والحاضرون للغوص عليها:
أرى بركة قد طما ماؤها ... وفي قعرها ورقٌ منتثر
فيا ملك الأرض هذي السّما ... وهذي النجوم وأنت القمر
وقال: وقد أمر المؤيد أن يقطع الندامى عناقيد عنب، فقطع عفيف الدين عنقوداً وحمله إلى السلطان وهو يقول:
جاء ابن جعفر حاملاً بيمينه ... عنقود كرم وهو من نعماكا
يقضي الزمان بأنّ نصرك عاجلٌ ... يأتي إليك برأس من عاداكا
وقال: وقد حضر خروف المغني من الشام سنة ثلاثين وسبع مئة، وغنى بين يدي السلطان:
إن أيامكم لأمنٌ ويمنٌ ... وأمانٌ في كل بدوٍ وحضر
هيبةٌ منك صالحت بين سرحا ... نٍ وسنحلٍ وبين صقر وكدري
ومن المعجزات أنّ خروفاً ... يرفع الصوت وهو عند الهزبر
قلت: كذا نقلته من خط الشيخ تاج الدين اليمني قوله: أمن ويمن وأمان، والأمن والأمان واحد.
عبد الله بن أبي جمرة
خطيب غرناطة المالكي.
روى عن أبي الربيع بن سالم وأقام مدة بسبته لا يخرج عنها جمعته ولا سبته.
ثم إنه ولي خطابة غرناطه، وغدق به صاحبها ذاك وناطه، وكان ذلك في آخر عمره ونهاية أمره.
خطب يوم جمعة وسقط ميتاً من أعلى المنبر، وكان ذلك آية لمن عق ومن بر، وذلك بعد سنة عشر وسبع مئة.
عبد الله بن حسن
ابن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور، الشيخ الفقيه الإمام المحدث اللغوي المفتي قاضي القضاة شرف الدين أبو محمد بن العلامة شرف الدين بن الحافظ جمال الدين بن الحافظ تقي الدين الدمشقي الصالحي الحنبلي.
سمع حضورا سنة ثمان وأربعين، وحدث عن مكي بن علان، والعراقي، والكفرطابي، ومحمد بن سعد، سمع منه صحيفة همام والعماد بن عبد الهادي، واليلداني، وخطيب مردا، وعلي بن يوسف الصوري، وإبراهيم بن خليل، وأبي المظفر سبط الجوزي، وطائفة. وحدث بصحيح مسلم عن ابن عبد الهادي، وطلب قليلا بنفسه، وقرأ على ابن عبد الدائم والشيخ شمس الدين، روى الكثير وتفرد، وكان يمل ولا يحتمل تطويل المحدثين، تفقه وبرع في مذهبه، وأفتى ودرس في حال تقلبه.
وكان خيراً وقورا، ساكناً صبورا، حسن السمت، لا يرى في حاله عوج ولا