وكان جلوسه على التخت في مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبع مئة بمدينة السلطانية، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة والله أعلم.
وكان قبل موته بسنة قد حج الركب العراقي، وكان المقدم عليه، بطلاً شجاعاً، ولم يمكن أحداً من العربان يأخذون من الركب شيئاً، فلما كانت السنة الآتية خرجت العربان على الركب ونهبوه، وأخذوا منه شيئاً كثيراً، فلما عادوا شكوا إليه، فقال: هؤلاء في مملكتنا أو في مملكة الناصر؟ فقالوا: لا في مملكة الناصر ولا مملكتك إنما هؤلاء في البرية، لا يحكم عليهم أحد، يعيشون بقائم سيفهم ممن يمر عليهم، فقال: هؤلاء فقراء، كم مقدار ما يأخذون من الركب نحن نكون نحمله إليهم من بيت المال من عندنا كل سنة، ولا ندعهم يأخذون من الرعايا شيئاً، فقالوا له: يأخذون منهم ثلاثين ألف دينار، ليراها كبيرة فيبطلها، فقال: هذا القدر ما يكفهم ولا يكفيهم، اجعلوها كل سنة ستين ألف دينار، وتكون تحمل صحبة مسفر من بيت المال من عندنا مع الركب، فمات من سنته، رحمه الله تعالى، وجرت بعده أمور يطول شرحها، ولما بلغت وفاته السلطان الملك الناصر قال: رحمه الله تعالى، والله ما بقي يجينا مثل بوسعيد.
بولاي النوين التتري
أحد مقدهي التتار الذين حضروا مع غازان، اسمه على الصحيح مولاي وإنما الناس يحرفونه تهكماً به وبأمثاله كما يقولون في خداي بندا: خربندا.
لما أراد غازان العود من دمشق بعد ما ملكها إلى بلاده، ورتب الأمير سيف الدين قبجق نائب دمشق وجعل الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار نائب حلب والأمير فارس الدين البكي نائب السواحل كلها وزكريا بن الجلال وزيراً يستخرج الأموال من دمشق، وحلب وطرابلس، جعل بولاي هذا مقيماً بجماعة من عسكر التتار ردءاً لهؤلاء النواب إلى أن يستخدموا لهم جنداً، فنبت ببولاي الدار، وضاق عطنه من المقام بأرض الشام، وتذكر هو وقومه بلادهم وجنى له من دمشق جناية لما قدم من الغور في العشر الآخر سنة تسع وتسعين وست مئة.
الألقاب والأنساب
البيابانكي أحمد بن محمد
ابن البياعة: شمس الدين محمد بن عثمان.
وجلال الدين محمد بن سليمان.
بيبرس
الملك المظفر ركن الدين البرجي الجاشنكير المنصوري، وكان يعرف بالعثماني.
كان أبيض أشقر مستدير اللحية أزهر، فيه عقل موفر الأقسام، ودين لا يدعه يقع في محظور ولا حرام. يتجنب الفواحش ويحاذيها، ويقول:
إنّ السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمرّ بوادٍ من بواديها
شاع عنه ترك المحرمات وذاع، وملأ الأقطار والأسماع، خلا أنه لم يرزق في ملكه سعداً ولا أنجز الله له من طول المدة وعدا، وخانه سفرآؤه وخبث عليه أمراؤه
وأسلموه وقفزوا، وتركوه فرداً وتميزوا، فولى مدبراً ولم يعقب، وخرج من مصر نحو الصعيد خائفاً وهو مترقب، إلى أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت، واصفرت شمس سعوده وشحبت، فعاد وقد استسلم للطاعه، وبذل في رضى الله جهد الاستطاعه، وكانت أمواله لا تحصى، وأوامره لا تعصى، وله قبل السلطنة إقطاع كبيرة فيه عدة طبلخانات.
وكان أستاذ الدار للملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان سلار النائب، فحكما في البلاد وتصرفا في العباد، والسلطان له الاسم لا غير، وكانوا نواب الشام خوشداشيته، وحزبه من البرجية.
ولما توجه السلطان الملك الناصر محمد إلى الحجاز ورد من الطريق إلى الكرك وأقام بها وأظهر لهم أنه ترك الملك، لعب الأمير سيف الدين سلار بالجاشنكير وسلطنه، وتسمى بالمظفر وفوض الخليفة إليه ذلك، وأفتاه جماعة من الفقهاء بذلك منهم الشيخ صدر الدين بن الوكيل، والشيخ شمس الدين بن عدلان، حتى قيل في ذلك:
ومن يكن ابن عدلانٍ مدبّرة ... وابن المرّحل قل لي كيف ينتصر
وكتب عهده عن الخليفة، وركب بخلعة الخلافة السوداء والعمامة المدورة، والتقليد على رأس الوزير ضياء الدين النشائي، وناب له سلار، واستوسق له الأمر، وأطاعه أهل الشام ومصر، وحلفوا له في شوال سنة ثمان وسبع مئة، ولم يزل إلى وسط سنة تسع، حصل للأمير سيف الدين نغاي وجماعة من الخواص نحو المئة،
وخامروا عليه إلى الكرك، فخرج الناصر من الكرك وحضر إلى دمشق وسار في عسكر الشام إلى غزة فجهز المظفر يزكا قدم عليهم الأمير سيف الدين بلرغي فخامر إلى الناصر، فذل المظفر، وهرب في مماليكه نحو الغرب، ثم إنه رجع بعد ما استقر الملك الناصر في قلعة الجبل، فذكر أن قراسنقر ضرب حلقة بالقرب من غزة لما خرج من مصر نائباً في دمشق، فوقع في الحلقة الجاشنكير المذكور ومعه نحو ثلاث مئة فارس، فتفرق الجماعة عنه في ثامن ذي القعدة سنة تسع وسبع مئة، رجع بنفسه معه على الهجن إلى مصر والأمير بهادرآص، فوصلا به إلى الخطارة، وتسلمه منهما الأمير سيف الدين أسندمر، وردهما لأن السلطان كان قد جهز يقول للجاشنكير: تروح إلى صهيون فهي لك، فتوجه في البرية، فوقع به قراسنقر، وكتب إليه فيما بلغني ممن له اطلاع: الذي أعرفك به أنني قد رجعت إليك لأقلدك بغيك، فإن حبستني عددت ذلك خلوة، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة، وإن قتلني كان ذلك شهادة.
ومات رحمه الله تعالى سنة تسع وسبع مئة، وقيل: سقاه سما فهلك من وقته.
وعلى كل حال فما جاشت نفس الجاشنكير ولا جشأت ولا عبأت بوارد الموت ولا خسأت.
عمر الجامع الحاكمي بعد الزلزلة، ووقف عليه الأوقاف والكتب النفسية الكبيرة، وكتب له ابن الوحيد ختمة في سبع أجزاء بقلم الأشعار ذهباً، أخذ لها ليقةً ألف وست مئة دينار، وزمكها وذهبها صندل المشهور، وغرم عليها جملةً من الأجر، وما أظن أنه بقي يتهيأ لأحد أن ينشىء مثلها، ولا من تسمو همته إلى أن يغرم عليها مثل ذلك.
وكانت سلطنته عصر يوم السبت ثالث عشري شوال سنة ثمان وسبع مئة بالقاهرة، وجعل الأمير سيف الدين بلرغي مكان الجاشنكير ومكان بلرغي الأمير سيف الدين بتخاص، ومكان بتخاص الأمير جمال الدين بن آقوش نائب الكرك.
وعمر الخانقاه الركنية التي في رحيبة العيد مجاورة لخانقاه سعيد السعداء، ورتب لها فيما قيل أربع مئة صوفي، وصنع داخلها للفقراء بيمارستانا. ولما حضر السلطان الملك الناصر من الكرك لم يستمر لها إلا بمئة صوفي لا غير، وكان في كل قليل يؤخذ من حاصلها السبعون ألفاً والخمسون ألفاً والأقل والأكثر.
وكنت قد قلت فيه رحمه الله تعالى:
تثنّى عطف مصرٍ من قدوم ال ... مليك النّاصر الندب الخبير
فذلّ الجاشنكير بلا لقاءٍ ... وأمسى وهو ذو جاشٍ نكيرٍ
إذا لم تعضد الأقدار شخصاً ... فأوّل ما يراع من النصير
بيبرس
الشيخ المسند الكبير الجليل علاء الدين أبو سعيد بن عبد الله التركي العديمي مولى الصاحب مجد الدين بن العديم.
ارتحل مع أستاذه، وسمع ببغداد جزء البانياسي من الكاشغري، وجزء العيسوي من ابن الخازن وأسباب النزول من ابن أبي السهل، وتفرد بأشياء، وسمع من ابن قميره.
وحدث بدمشق وحلب. وسمع منه علم الدين البرزالي، وابن حبيب، وأولاده، والواني، وابن خلف، وابن خليل المكي، وغده.
وكان مليح الشكل أمياً، غير فصيح، أعجميا، لم يزل يسمع إلى أن عدم العديمي وفقد، وزيف الموت صرفه وما انتقد.
ووفاته بحلب سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده في حدود العشرين وست مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الشرفي المنصوري المعروف بالمجنون.
توجه بالناس إلى الحج في سنة ست وسبع مئة، ولما أمسك الأمير سيف الدين كراي المنصوري نائب دمشق توجه بالأمير ركن الدين والأمير سيف الدين أغرلو العادلي إلى الكرك في شهر ربيعة الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني عشري شهر ربيعة الأول سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان سكنه بالزلاقة داخل الباب الصغير، وكانت وفاته بحمص.
بيبرس
الأمير ركن الدين التلاوي، بكسر التاء ثالثة الحروف وبعدها لام ألف وواو بعدها ياء النسب.
كان أميراً لا مهابه، وشدة بأس تروع أعداءه وتروق صحابه، ولي شد دمشق بصرامة وحرمة أوقدت ضرامه، فخافه المباشرون وغيرهم، وطار من خوفه طيرهم.
ولم يزل على حاله إلى أن بردت أنفاسه، ونفضت من الحياة أحلاسه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شهر رجب الفرد سنة ثلاث وسبع مئة.
وكان فيه ظلم وعسف، وفرح الناس بموته، وباشر السد بعده الأمير شرف الدين قيران عقيب وصوله من طرابلس.
بيبرس
الأمير ركن الدين الموفقي المنصوري، كان من عتقاء الملك الأشرف.
كان قد ولي النيابة بغزه، وجعل لها بإمرته فيها طرباً في عطفها وهزه، وكان كبير القدر معظما، ومعاليه ترى على جيد الزمان عقداً منظما، ثم عزل من غزة وأقام بدمشق إلى أن بانت حياته، وقطف ثم عمره جناته.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة أربع وسبع مئة، وحضر الأمراء جنازته وتولى غزة بعده أقجبا المنصوري.
بيبرس
الأمير ركن الدين العلائي.
كان من جملة أمراء دمشق، توجه منها يوم السبت سابع عشري شوال إلى غزة نائباً عوضاً عن الأمير سيف الدين أقجبا المنصوري، وذلك في سنة سبع وسبع مئة، فأقام بها إلى أن عزل منها في صفر سنة تسع وسبع مئة بالأمير سيف الدين بلبان البدري، فأقام بدمشق على إمرته مدةً، ثم وصل إليه تقليده بنيابة حمص في سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، فتوجه إليها وأقام بها إلى أن قبض السلطان عليه بحمص في بكرة الأحد تاسع شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وورد إلى دمشق فأمسكه الأمير سيف الدين قجليس، وأمسك الأمير بدر الدين القرماني والأمير سيف الدين طوغان والأمير ركن الدين بيبرس المجنون،