قال في تفسير رشيد الدولة: هو إنسان رباني، بل رب إنساني، تكاد تجل عبارته بعد الله. فشهدوا عليه بعد موت الرشيد، فدخل على قاضي القضاة قطب الدين، فحقن دمه، ومات، ودفن في داره ببغداد.
عبد الله بن محمد بن علي
ابن حماد بن ثابت الواسطي الإمام المفتي بالعراق، جمال الدين بن العاقولي البغدادي، مدرس المستنصرية.
كان يقول: إنه سمع من محيي الدين بن الجوزي، وسمع من الكمال الكبير، وروى عن ابن الساعاتي شيئاً في تأليفه.
وكان إماماً عالما، سالباً غرة الكمال سالما، له مهابة وعنده شهامه، وإذا رمى أمراً أنفذ فيه سهامه، حميد الطريقه، مفتي العراق على الحقيقه، أفتى نحواً من سبعين سنه، وأعاد عينه في العلم رمداء، وغيره بالجهل عينه وسنه.
ولم يزل على حاله إلى أن زاد في هجر موضعه، وسار راكباً على شرجعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة، وعدل سنة سبع وخمسين وست مئة.
ورزق الحظ في فتاويه، ودفن بداره التي وقفها على ملقن وعشرة أيتام، وكانت جنازة عظيمة إلى الغاية، ما رؤي مثلها.
وخلف ولداً ذكياً، اشتغل بالحكمة والنظر، ودرس وعظم أيضاً بعد والده.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر
الإمام العلامة تقي الدين الزريراني، بزاي مفتوح، وراء بعدها، ياء آخر الحروف، وراء ثانية، وألف بعدها نون، العراقي الحنبلي مدرس المستنصرية.
برع في مذهبه، وسار منه في موكبه، واشتغل واشتعل، وحفي في طلب العلم وانتعل، وصنف وناظر، وذاكر بالعلوم وحاضر، وناب في الحكم فحمدت سيرته، وطهرت في القضاء سريرته، وقرأ الناس عليه، وحملوا المسائل والفتاوى إليه.
ولم يزل على حاله إلى أن التقى الموت بالتقي، وفني جسده، وذكره بقي وهو نقي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
وكان قد قدم دمشق في حدود سنة تسعين، وتفقه بها على المجد وغيره، وعاد إلى بغداد، وهو والد شرف الدين عبد الرحيم.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر
الفقيه شرف الدين أبو محمد بن الشيخ العلامة شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي، يأتي ذكره والده في مكانه.
كان شرف الدين هذا آيةً في الذكاء والحفظ. قرأ القرآن صغيراً وعمره تسع سنين، وختمه، وصلى به سنة إحدى وثلاثين بالجوزية، كان يتلقن في أكثر الأيام نصف جزء، وحفظ العراف في تلقينين، وحفظ الجرجانية والكافية الشافية لابن مالك، وحفظ المحرر للشيخ مجد الدين بن تيمية، وقرأ مختصر الروضة للشيخ مجد الدين الطوخي في أصول الفقه، وحفظ المحرر في الحديث لشمس الدين بن عبد الهادي، وسمع الحديث، وأكثر منه في الشام ومصر على أصحاب ابن عبد الدائم وأصحاب ابن النجيب الحراني وطبقتهم، وسمع على الحجار أكثر صحيح البخاري، وسمع الكتب الستة والمسانيد المشهورة، وشيئاً كثيراً من الأجزاء.
وأفتى ودرس، وأعاد، وحج مع والده مرتين، وأقام بينهما سنةً بمكة، ثم إنه حج بعد ذلك سبع حجات متواليات، وتزوج اثنتين.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شعبان سنة ست وخمسين وسبع مئة.
ومولده في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
عبد الله بن محمد بن عبد القادر بن ناصر
قاضي القضاة زين الدين المعروف بابن قاضي الخليل الشافعي.
كان قاضي قضاة الشافعية بحلب، وكان حسن الشكاله، قادراً على نصب الحباله، وقوراً، له مهابة فاخر البزة، قد أوقد التعاظم فيها شهابه، عنده مشاركه، وله منابذة ومتاركه، عقله المعيشي جيد، وذكره بالقبول متأيد، محاضرته حلوه، ومذاكرته من الإملال خلوه، وله نظم قد صفا، ورف عليه ظل القبول وضفى.
ولم يزل على حاله بحلب إلى أن كمل شوطه وانقلب.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة خمسين وست مئة.
ولي بدمشق قضاء بعلبك في أول المحرم سنة سبع وتسعين وست مئة، وقضاء حمص، ثم إنه نقل إلى قضاء حلب، فأقام به نيفاً وعشرين سنة، وناب في الحكم بدمشق، وحج مرات، وتزوج بابنة الأمير علم الدين الزراق، وجرت له أمور مضحكة بسببها، لأن سمعه لحقه صمم، وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني كثير الحط عليه، حكى لي عنه حكايات عجيبة، نسأل الله العفو والسلامة منها. وتوجه الشيخ كمال الدين بعده لقضاء حلب.
ومن شعره:
أحبّك حبّاً يمنع العين نومها ... ويمنعني عند الظّما بارد العذب
وما أنا راضٍ عن غرامي وإنني ... لأعتب في هذا الغرام على قلبي
قلت: هو مأخوذ من قول الأول..
ومن شعره في سنة حجه:
ولما أتى سيلٌ عظيم عرمرمٌ ... بوادي القرى يعلو على السهل والوعر
علونا ظهور اليعملات تحصّنا ... وكانت لنا في البرّ سفناً وفي البحر
ومن شعره قصيدة يمدح بها سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قد بدت طيبةٌ ولاحت رباها ... فابتدر قربه بلثم ثراها
واحمد الله ذا المواهب والفض ... ل على النعمة التي أولاها
وافرش الخدّ والدموع على الأر ... ض وهذا شأن الذي يغشاها
ثم لاحت لنا القباب العوالي ... فاستنارت رحالنا من سناها
وأتينا مدينة العلم والو ... حي ومن تنف خبثها وأذاها
فرأينا جلالةً وبهاءً ... ما رأيناه في مكانٍ سواها
وأتينا سعياً إلى الحرم الأ ... شرف والحجرة التي نهواها
حبذّا ساعةٌ أتيناه فيها ... وصباحٌ وليلةٌ سرناها
ثم قلنا عليك يا أشرف الخلق ... صلاة ورحمة لا تضاهى
وعلى صاحبيك صهريك جاري ... ك سلامٌ يعطر الأفواها
يا رسول الإله يا أشرف الخل ... ق ويا أعظم النبيين جاها
يا مغيث الأنام في موقف الحش ... ر إذا أوثق النفوس رداها
حيث كلٌ يقول: نفسي نفسي ... ليس يرجو نجاة شيءٌ سواها
فتنادي أنا لها زادك الّله ... ارتقاءً ورفعةً ترضاها
فهناك الرسول يسجد لله ... لدى العرش مخبتاً أوّاها
ملهماً أشرف المحامد لله ... وما كان قبل ذاك دراها
فينادى ارفع واشفع تشفّع ... ثم سل كلّ حاجة تعطاها
ثم يؤتى بأمّة نظر الله ... إليها بأحمدٍ فهداها
ثم يمضي بهم سريعاً إلى الجنة ... يا فوزها ويا بشراها
قلت: نظم، مقبول، إلا أن فيه لحناً خفياً، ولحناً ظاهراً، فالظاهر في قوله: ومن تنف، فجزم بمن، توهمها شرطية، وليس كذلك، والخفي قوله: وسل كل حاجة تعطاها، جواب الأمر في: سل تعطها، ولكنه يجوز، وهو أهون من الأول.
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون
الشيخ تقي الدين الهرغي، بضم الهاء وسكون الراء، وبعدها غين معجمة، الزكندري، بالزاء والكاف والنون والدال المهملة، والراء المراكشي، قاضي الركب المغربي.
اجتمعت به بجسر اللبادين بدمشق في حادي عشر صفر، سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وسألته عن مولده فقال: في تاسع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبع مئة.
وأنشدني من لفظه لنفسه ملغزاً في البربر:
وما أمّة سكناهم نصف وصفهم ... وعيش أعاليهم إذا ضمّ أوّله
ومقلوبه بالضم مشروب جلّهم ... وبالفتح من كلٌّ عليه معوّله
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
اسم الذي قد سبى قلبي تجنيّه ... وعزّ ملك جميع الحسن يطغيه
ما كل آخره عشرٌ لأوّله ... وعشر ثالثه شطرٌ لثانيه
وأنشدني من لفظه لنفسه أيضاً:
قسماً بورد الوجنتين ونضرته ... وبقدرك السامي الرفيع وعزّته
لو لاح وجهك في الكرى لكثيّر ... ما اعتاده برح الخيال بعزته
أو لو رأى الضّليل بعض جمالكم ... ما ضلّ عن سبل الهدى بعنيزته
عبد الله بن محمد أبو محمد المرجاني القرشي التونسي
الشيخ الإمام العالم المفتي.
كان مشهوراً في الآفاق ذكره، مشهوداً في البواطن علمه وخبره، وكان إماماً مفتياً في مذهب مالك، عالماً بما فيه من المآخذ والمسالك، حلو العبارة مذكرا، خبيراً بعلوم القرآن مفسرا، ما كان أحد يقدر على إعادة ما يسرده، ولا حفظ ما يقوله ويورده، لأنه كان ربما يتكلم على الآية الواحدة ثلاثة أشهر، وتخيل الناس أن هذه المادة من بحر زاخر، فإنها تستكثر على الأنهر، وله يد طولى في الحديث ومعرفه، وقدم راسخ في العبادة والتصوف البديع الصفه، ولم يصنف شيئا، ولا ترك لشخصه فيئا، وترك مجلدات كثيرة إلى الغايه، وعلى الجملة فكان آيه.
توفي بتونس رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة. وعاش اثنتين وستين سنة، وصلى عليه المستنصر أبو عبد الله محمد بن الواثق صاحب تونس.
قدم الإسكندرية والقاهرة، وذكر بهما، وتعجب الناس منه رحمه الله تعالى.
عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن خليل
بهاء الدين العسقلاني ثم المكي المقرئ الشافعي المحدث.
عني بالحديث، وارتحل له، وأخذ عن بيبرس العديمي بحلب، وعن ست الوزراء، والدشتي بدمشق، وعن التوزي، ورضي الدين بمكة، وعن طائفة بمصر، وقرأ المنطق، وقرأ بالروايات وأتقن المذهب.
وكان حسن القراءه، بديع المراجعة والبداءه، جيد المعرفة بعلومه، يضاهي الأفق في عداد نجومه، مليح المذاكرة إذا انشرح، بديع المحاضرة كأنه نسيم في السحر سرح، متين الديانه، مبين الصيانه، شديد الورع، عديم التسرع، يؤثر الانقطاع والخمول ويود أن لا يكون له بالخلق شمول. حصل المدارس والمعاليم، ثم ترك ذلك جميعه وانقطع، وآثر الحق الذي لاح له وسطع، ورابط بظاهر الإسكندرية في زاوية هناك، وخلص من الاشتراط والاشتراك.