ومولده في ثلاث وأربعين وست مئة.
جاور بضعاً وعشرين، حج من مصر، ولم يزر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعيب ذلك عليه مع جلالة قدره، وكان لجماعة كثيرة فيه اعتقاد عظيم.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن
الصدر الفاضل جمال الدين بن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وسوف يأتي ذكر جماعة من إخوته، وذكر والده وعمه كل منهم في مكانه.
كان قبل ما يتعلج، ويدخل في السمن ويتولج، ذا صورة في الحسن بديعه، وطلعة تترك قلوب من رآها صديعه، تتيم فيه جماعة وهاموا، وغرقوا في دموعهم وعاموا، ولما طلب السلطان والده ليوليه قضاء الشام كتب فيه تنكز أن هذا ولده يتعب الناس بسببه، فقال السلطان: أنا أترك ولده عندي بالقاهرة، فجهز والده، وأقام عبد الله المذكور بالديار المصرية، فخدمه الناس، وتقربوا إليه بمجالس اللهو والإيناس، وصحب الناس وعرفهم، ورافقهم وألفهم.
ولما حضر والده قاضي قضاة الديار المصرية زاد وجاهه، وارتفع عظمةً ونباهه، وحصل أموالاً جمه، وأملاكاً لا تذم لها ذمه، واقتنى من الخيل ما كثار بعدته وعدته نجوم الليل، وكانت له خبرة في معرفة جيادها، ودربة تامة في اقتنائها واقتيادها، وذهنه في غاية الحسن، وذكاؤه تعرفه القالة اللسن.
وحفظ التنبيه في الفقه وغيره من كتب العلم، ودرب الأحكام الشرعية كما يراه أولو الحلم.
ولما توجه والده مع السلطان إلى الحجاز ناب عنه في إلقاء الدروس، وعجب الناس منه، وحركوا له الرؤوس، ثم إنه خرج مع والده إلى الشام، وترك وراءه ملكاً كم لمح بارقه، وكم شام.
ولما كان الفخري على خان لاجين بدمشق قرره في ديوان الإنشاء كاتبا، وأجرى له معلوماً على ذلك وراتبا.
ولم يزل على ذلك إلى أن برك جمله فما قام، وثوى بعد تنعمه في ذل التراب وأقام.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ومولده ...
وكان قد حصل له فالج ووالده بدمشق خطيب، فتعب عليه وعالجه أمين الدين سليمان إلا بقايا منه.
وكان شكلاً ضخماً، كبير البطن، ثقيل الحركة، يتعذر عليه المشي إلا بكلفة.
وحضر إلى دمشق بخيول عظيمة، وجوار كثيرة مبدعات الحسن، وكان يحتاج لجماعته ومن حوله في كل يوم خمسة أرطال لحم بالدمشقي، وكان يبالغ في اقتناء الخيل المسومة، ويسابق عليها أولاد الأمراء والأمراء ومماليك السلطان، وأخرجه السلطان لذلك من مصر، وأقام بدمشق مدة، ثم سأل والده فيه السلطان، وضمنه، فأذن له في العود، ثم أخرجه، ثم أعاده مرتين، وأنا شاك في الثالثة، وعمر بمصر على النيل بالقرب من جزيرة الفيل عمارةً عظمى أنفق عليها ما يزيد على ألف ألف درهم،
ولما خرجوا من مصر اشتراها الأمير سيف بشتاك بأربعين ألف درهم، وأباع له النشو منها شبابيكها النحاس بأربعين ألف درهم، وكانت له دار أخرى داخل القاهرة عند دكة المحتسب أباعها بدون العشرين ألف درهم، أقل ما أنفق عليها ستون ألف درهم.
وأما الجواري فذكر لي من لفظه بالقاهرة: هن ما يبرحن عشرة، أربع منهن أمهات أولاد، وست أبيعهن وأشتري بدلهن دائماً.
وأما عدد خيله ومراكيبه وما يحتاج ذلك من السروج المرصعة واللجم والفكوك باليشم واليصم والأقواس والبرذنبات والكنافيش عمل الدار والمقصبه والعبي، وغير ذلك فشيء كثير جداً، لكل فرس بذلتان وثلاث، وقال لي في وقت: عندي تسع عشره حجراً غير البغال والأكاديش والفحول الثمينة.
وأما الكتب المجلدة من الأدبيات والدواوين وغيرها من كل فن فكان عنده وحده خارجاً عن أبيه وإخوته فوق الثلاثة آلاف مجلدة، ولكن كل نسخة ما يقع مثلها في عمر مديد.
وأما الصيني من القطع النفيسة الجليلة الغريبة فشيء عظيم، إلى غير ذلك من سائر الأصناف النفيسة البديعة الثمينة.
وبالجملة فما كان إلا في عداد الملوك، وكان يحفظ ديوان ابن الفارض بكماله، ومن شعر الأرجاني وابن النبيه والحاجري والبهاء زهير وابن عربي والسراج الوراق
وأبي الحسين وابن دانيال وابن النقيب، وفحول المتأخرين ما يقارب عشرين ألف بيت.
ولما مات كان قد ذهبت نعمته، ولم يبق منها إلا بقايا، وزالت بأجمعها، ولم يطرح الله فيها بركة، ووصل بعده أولاده إلى أن كانوا يستعطون من أصحاب أبيهم، ومن أكابر الناس، فسبحان العظيم.
عبد الله بن محمد بن عبد العظيم بن السقطي
الشيخ الإمام العالم فخر الدين أبو محمد الشافعي.
كان فقيهاً، وصنف منسكاً كبيراً، وناب في الحكم على باب النصر بالقاهرة، وأقام بمكة شاهداً على العمارة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وكان شاهداً بالخزانة في قلعة الجبل، وسمع من ابن خطيب المزة، وحدث، وقيل: إنه شرح التنبيه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
وهو ابن أخي القاضي جمال الدين ابن السقطي.
عبد الله بن محمدالمراكشي
بن عبد الله فخر الدين أبو محمد المراكشي كان فقيهاً مباركاً مشكوراً، اشتغل كثيراً بالعلم، ونسخ بخطه، وكان إمام المدرسة الرواحية، وفقيهاً بالمدارس. وقرأ بالروايات على الزواوي، وروى الحديث
عن الرشيد بن مسلمة، وسمع من جماعة منهم شمس الدين محمد بن سعد المقدسي، وعبد الله بن الخشوعي، وابن طلحة، وإسماعيل العراقي، والعماد بن عبد الهادي، واليلداني، والكفرطابي، والسديد بن علان، والباذرائي، وعثمان بن خطيب القرافة، والنجم بن النور البلخي، وابن عبد الدائم.
وتوفي رحمه الله في مستهل شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، وقد قارب الثمانين رحمه الله تعالى، دخل حمام السلاري فوقع ومات هناك، وغسل بالرواحية.
عبد الله بن محمد بن فضل الله
القاضي شمس الدين بن القاضي فخر الدين ناظر الجيوش.
نشأ في حياة والده، وتأهل للمناصب.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وفقده والده، وكتب الأمير سيف الدين تنكز إلى والده وعزاه فيه.
عبد الله بن محمد بن أحمد
ابن خالد بن محمد بن نصر بن صغير، الصاحب الأثير الوزير فتح الدين القرشي المخزومي الخالدي الحلبي بن القيسراني.
سمع أبا القاسم بن رواحة، وابن الجميزي، ويوسف الساوي، وابن خليل، وأحمد بن الحباب، وجماعة.
كان من أعيان الوزراء، وأفاضل الكبراء، شارك في الفضائل والآداب، ودخل في عداد المحدثين والشعراء والكتاب، روى وروى الناس عنه، وأخذوا الفوائد منه.
كان ممن يزهى الزمان بوجوده، ويفخر بعلوه في علومه، ورقيه في جو جوده.
وكتب الإنشاء في الديار المصرية، وأطلع بدور المعاني في ليالي سطوره الحبرية، وكان كما قال ابن الساعاتي:
أشمّ عفيف العين واليد والمنى ... وغيب الحشا والسر والجهر والحلم
له قلمٌ يرجى ويخشى شراته ... فكم شدّ من أزرٍ وكم سدّ من ثلم
وفاق يد الغيث الصناع جلالةً ... بما بثّ من وشي بديع ومن رقم
ولم يزل بين صناعة البلاغة والتدبير، وتصريف الدول والتحبير، إلى أن فتح القبر له فاه، وقال كل من يعرفه: والهفاه! وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
كان له اشتغال بالحديث وتحصيله، وصنف في أسماء الصحابة المذكورين في الصحيحين، وترجم لهم، وروى شيئاً من أحاديثهم بأسانيده في مجلديه، وهما وقف المدرسة الناصرية بدمشق.
وكان يذاكر بأشياء حسنة مفيدة اللفظ والمعنى، وكتب الناس عنه قديماً، وممن
روى عنه في معجمه الشيخ شرف الدين الدمياطي من نظمه، وأخذ عنه أشياخنا: فتح الدين بن سيد الناس، وعلم الدين البرزالي، والذهبي.
أنشدني من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الصاحب فتح الدين بن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحّت ... وها خطّ الكمال على الحواشي
وكان قد ولي الوزارة في دولة الملك السعيد بن الظاهر في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وست مئة بدمشق، وقبض عليه في تاسع عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وست مئة، ووليها أيضاً في دولة الكامل كتبغا فما أظن، وعمه عز الدين أبو حامد محمد كان وزيراً بدمشق للملك الناصر، وجده موفق الدين خالد وزير دمشق أيضاً للعادل نور الدين الشهيد، وكان عنده مكيناً، وقد ذكرت ترجمة موفق الدين مستوفاة في التاريخ الكبير.
وكان القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى قد نظم مرثية في الملك الظاهر، ومدح الملك السعيد، وضمن البيتين المشهورين، وهما:
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلةٌ في أوجه تتهلّل
ملكان ذلك راحلٌ وثناؤه ... باقٍ وذا باق ثناه يرحل
فكتب الصاحب فتح الدين إلى ابن عبد الظاهر لما وقف على المرثية:
يا ذا الذي أخذ الكتاب بقوّةٍ ... فأتى به وهو الأخير الأوّل
قد حاز فيه بدائع الحسن التي ... ما مثلها فهو الرئيس الأمثل
لا فاضلٌ ساواه فيه ولا مشى ... في مثل منطقه البليغ الأفضل
مستشهدٌ فيه بأحسن شاهد ... إذ قال بيتاً مثله لا ينقل
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلّةٌ في أدمع تتهلّل
وكذاك أنت خلفت فيه الفاضل ... الندب الجليل وأنت منه أفضل
أرهبت فيه فقد أتيت بمعجزٍ ... في كل سطر منه يبدو جحفل
قلت: ادعى بعضهم أن هذا البيت لابن قلاقس الإسكندري، يهنئ الأميرين محمداً وأبا السعود ولدي الداعي عمران بن سبأ صاحب عدن.
قلت: الصحيح أن ابن قلاقس ضمنه، فإني وقفت على مجموع لابن خلكان قاضي القضاة رحمه الله تعالى بخطه وقد أثبته لابن خفاجة الأندلسي، ومما وقفت عليه في هذه المادة وهي التعزية والتهنئة في بيت قول ابن شرف القيرواني:
بكينا عليه ضاحكين كأننا ... نهار عليه شمسه وهو ممطر
غراءً ممن زار القبور وغبطة ... بأبلج لبّاه سريرٌ ومنبر
وقد سبق الناس كلهم إلى هذا أبو دلامة زند بن الجون يعزي بالمنصور ويهنئ بالمهدي في كل بيت فقال:
عينان واحدةٌ ترى مسرورةً ... بأمامها جذلاً وأخرى تذرف