روى عنه في معجمه الشيخ شرف الدين الدمياطي من نظمه، وأخذ عنه أشياخنا: فتح الدين بن سيد الناس، وعلم الدين البرزالي، والذهبي.
أنشدني من لفظه، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الصاحب فتح الدين بن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
ونسخة حسنه قرئت فصحّت ... وها خطّ الكمال على الحواشي
وكان قد ولي الوزارة في دولة الملك السعيد بن الظاهر في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وست مئة بدمشق، وقبض عليه في تاسع عشر شهر رجب سنة ثمان وسبعين وست مئة، ووليها أيضاً في دولة الكامل كتبغا فما أظن، وعمه عز الدين أبو حامد محمد كان وزيراً بدمشق للملك الناصر، وجده موفق الدين خالد وزير دمشق أيضاً للعادل نور الدين الشهيد، وكان عنده مكيناً، وقد ذكرت ترجمة موفق الدين مستوفاة في التاريخ الكبير.
وكان القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر رحمه الله تعالى قد نظم مرثية في الملك الظاهر، ومدح الملك السعيد، وضمن البيتين المشهورين، وهما:
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلةٌ في أوجه تتهلّل
ملكان ذلك راحلٌ وثناؤه ... باقٍ وذا باق ثناه يرحل
فكتب الصاحب فتح الدين إلى ابن عبد الظاهر لما وقف على المرثية:
يا ذا الذي أخذ الكتاب بقوّةٍ ... فأتى به وهو الأخير الأوّل
قد حاز فيه بدائع الحسن التي ... ما مثلها فهو الرئيس الأمثل
لا فاضلٌ ساواه فيه ولا مشى ... في مثل منطقه البليغ الأفضل
مستشهدٌ فيه بأحسن شاهد ... إذ قال بيتاً مثله لا ينقل
خلف السعيد به الشهيد فأدمعٌ ... منهلّةٌ في أدمع تتهلّل
وكذاك أنت خلفت فيه الفاضل ... الندب الجليل وأنت منه أفضل
أرهبت فيه فقد أتيت بمعجزٍ ... في كل سطر منه يبدو جحفل
قلت: ادعى بعضهم أن هذا البيت لابن قلاقس الإسكندري، يهنئ الأميرين محمداً وأبا السعود ولدي الداعي عمران بن سبأ صاحب عدن.
قلت: الصحيح أن ابن قلاقس ضمنه، فإني وقفت على مجموع لابن خلكان قاضي القضاة رحمه الله تعالى بخطه وقد أثبته لابن خفاجة الأندلسي، ومما وقفت عليه في هذه المادة وهي التعزية والتهنئة في بيت قول ابن شرف القيرواني:
بكينا عليه ضاحكين كأننا ... نهار عليه شمسه وهو ممطر
غراءً ممن زار القبور وغبطة ... بأبلج لبّاه سريرٌ ومنبر
وقد سبق الناس كلهم إلى هذا أبو دلامة زند بن الجون يعزي بالمنصور ويهنئ بالمهدي في كل بيت فقال:
عينان واحدةٌ ترى مسرورةً ... بأمامها جذلاً وأخرى تذرف
تبكي وتضحك مرة فيسوءها ... ما أنكرت ويسرّها ما تعرف
ويسوءها موت الخليفة محرماً ... ويسرّها أن قام هذا الأرأف
هلك الخليفة يال أمّة أحمدٍ ... وأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافةٍ ... ولذاك جنات النعيم تزخرف
وكتبت أنا إلى القاضي ناصر الدين صاحب ديوان الإنشاء بدمشق أهنئه بولد ذكر جاءه، وأعزيه في ولد ذكر مات، كل بيت عزاء وهناء:
عزاؤك فيمن غدا راحلا ... هناءٌ بهذا الذي قد حضر
فأوحشنا ذاك لمّا مضى ... وآنسنا اليوم هذا وسر
وهذا به عيشنا قد صفا ... وجرّعنا ذاك كأس الكدر
إذا الشمس في جوّها أشرقت ... فما ضرّنا حين غاب القمر
عبد الله بن محمد بن بهادر آص
جمال الدين بن الأمير سيف الدين.
كان شاباً حسناً ومليحاً، يخجل البدر سناء وسنا، ذا وجه ناسب الأقمار، وجرى حديثه في الأسمار، يخطه بقد من أين للرمح هزته، أو للغصن بزته، يكاد ينعطف بالنسيم إذا سرى، وينقصف من لطف حركاته إذا انبرى:
رأى قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالاً فأضحى بين ذاك قواما
وكان رحمه الله تعالى يعمل بيده أشياء مليحة من آلات الجندية، قل من يعملها من حذاق الصناع، وعمل أشياء من أعمال الخرد فوشيه متقنة، ودخل بها إلى السلطان الملك الناصر حسن، وقدمها فاستحسنها منه.
وكان سعيد الحركات، له حظ وافر في المتجر، توجه مع والده الأمير ناصر الدين إلى الديار المصرية، وله إقطاع بالشام، فأقام بمصر عند والده، ومرض ثلاثة أيام، وكسف بدره.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري الحجة سنة إحدى وستين وسبع مئة، وترك شيئاً له صورة.
عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فيرو
الشيخ الإمام المحدث المفتي شيخ الإسلام زين الدين الفارقي، خطيب دمشق ومفتيها، أبو محمد الشافعي.
سمع من كريمة القرشية، وابن الصلاح، والسخاوي، وابن خليل، وطبقتهم، ثم إنه تحول إلى مصر، وقرأ على الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره.
وروى الكثير، وأبان عن فضل غزير، وفاز بذكر شهير.
وكانت فيه زعارة وحده، وهيبة عظيمة وشده، وكانت فيه قوة للحق، وجلادة على مخاصمة الخلق، وتسرع في الافتاء وقع معه في هوة الإثم إلى الحلق، أراق دماءً كثيره، وقطع أطرافاً أمورها في ذلك الزمان شهيره.
وكان فصيحاً في لفظه، بديعاً في خطه، متحرياً في ديانته، متجرياً إلى أمد صيانته.
ولم يزل على حاله إلى أن فارقت الفارقي حياته، وورد عليه بما أبكى الناس عليه مماته.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري صفر سنة ثلاث وسبع مئة.
ومولده في سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكان شيخ دار الحديث الأشرفية، قدم من مصر بالمشيخة بعد الشيخ محيي الدين النووي رحمهما الله تعالى، ودرس بالشامية البرانية، والناصرية، وتصدى للإشغال. وكان قد باشر الإمامة والخطابة بالجامع الأموي في العشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة، وحضر الأفرم لسماع خطبته، وصلى بالمقصورة، وفي هذا اليوم قرئ تقليد قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى بالمقصورة، قرأه الشيخ شرف الدين الفزاري.
وتولى مشيخة الحديث بالأشرفية سبعاً وعشرين سنة، وهو الذي اهتم بعمارتها بعدما احترقت أيام التتار، وعمرت أحسن مما كانت أولاً، وكان مقصوداً بالفتوى.
عبد الله بن موسى بن أحمد
الشيخ الصالح الجزري.
كان شيخاً مباركاً، كثير الخير والعبادة، وله مطالعة وفهم ومعرفة، وعليه هيبة ووقار، وأقام بجامع دمشق سنين بمشهد أبي بكر مجاوراً متعبداً منقطعاً. وسمع الحديث من ابن البخاري، وحدث عنه، وكان يلازم الحضور عند الشيخ تقي الدين بن تيمية، ويسأله ويضبط عنه أشياء من العلم. وحج غير مرة، وجاور بمكة وتعبد.
وتوفي في يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر سنة خمس وعشرين وسبع مئة، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند أولاد شيخه الشيخ عمر الجزري شيخ أرض نبات.
عبد الله بن موسى بن عمر
ابن يومن الزواوي، الشيخ المقرئ المحدث الصالح الزاهد العفيف.
قدم الحجاز قبل التسعين وست مئة، وأقام بمكة أكثر من المدينة، وجاور إلى أن توفي بها رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وصحب الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة، وسمع عليه وعلى التقي عبيد، ومن مؤنسة بنت الملك العادل السباعيات التي خرجها لها ابن الظاهري، وحدث بها عنها. وسمع منه جماعة، وكان يحفظ الموطأ، وكان كثير الأمراض.
عبد الله بن يوسف بن أبي بكر
الشيخ جمال الدين الإسعردي الإصطرلابي.
رأيته بدمشق في الحائط الشمالي بالجامع الأموي، وجالسته غير مرة، فوجدت إنساناً منحرف المزاج، محتاجاً إلى العلاج، قد ساءت أخلاقه من ضيق رزقه، وأدته إلى نوكه وحمقه، إلا أنه إذا ثاب عقله، وأناب فضله وجد الطالب منه في قواعد هذا العلم غرائب، وجعل للبه عنده رغائب، ولو جاءه بطليموس كتبه الجمل الكبير والصغير، وضيع زمانه في ما يعرفه الإنسان في الكتاب، حتى يستطيل أو يستطير، وما أظنه انتفع به أحد، ولا كان عنده لطالب ملتحد.
ولم يزل في جنونه، ودوران من جنونه إلى أن سقط من قيسارية محسي فدخل تحت الشعاع، ولم يكن له عن الطريقة المحترقة من دفاع.
وكانت وفاته عشية السبت عاشر شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
وكان يعرف الإسطرلاب معرفةً جيدة، وله أوضاع جيدة، إلا أنه كان منحرفاً يسب الناس ويغتابهم، ولا يذكر أحداً بخير لفقره، وضيق رزقه، وضعف بصره قبل موته.
/