روى عن ابن المقير، والمكرم بن عثمان، وغيرهما. ولما كان بمصر لازم الشيخ شرف الدين الدمياطي، واستنسخ بعض مصنفاته وسمع الغيلانيات على غازي الحلاوي، وحصل بها نسخة. وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث والآثار والأدعية المأثورة.
وحدث بالقاهرة وبدمشق والحجاز.
قرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي بعرفة الأربعين لابن المقير، ثم إنه ورد دمشق، ثم إنه حبس وقطع خبره، ثم أفرج عنه وانقطع في بيته، وأقبل على شانه، وعمل على ما يرجح كفة ميزانه، وأقام على ذلك مدة سنين لا يجتمع بالدولة، ولا بأحد من أرباب الصولة، ولا يتردد إلى أحمد من نواب السلطنة، ولا يدانيه ولا يتوجه إليه ولا يراه ولا يرائيه، إلى أن أتاه الأمر الذي يرد فلا يرد، ويصد فلا يصد.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الفارقاني نائب قلعة دمشق.
كان شيخاً طويلا، قديم الهجرة جليلا، فيه خير وديانه، وبر وصيانه، أحسن نيابة القلعه، وخبر ما وجد فيها من سلعه، ولم يزل بها على حاله إلى أن أنزله الموت من حصنه، وما أمكنه الفرار ولو علا على ظهور حصنه.
ووفاته في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ولما كان بالديار المصرية جهزه السلطان إلى القاضي كريم الدين الكبير، فتولى
ما أمره به، وكان يحكى عنه ما عامله به من المكارم وكيف تلقى ذلك برضىً وتسليم لأمر الله تعالى.
بيبغا
الأمير سيف الدين الأشرفي.
كان في وقت نائب الكرك فيما بعد العشرين وسبع مئة فيما أظن، ثم إنه عزل منها، وحضر إلى دمشق وجهز إلى قلعة صرخد، فيما أظن أيضاً، وكان قد أضر بأخرة فعدم قمريه المنيرين، وفقد نقديه البصيرين.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه باريه فلباه، وقال نادبه. وارباه.
ووفاته رحمه الله تعالى في ...
بيبغا
الأمير سيف الدين مملوك الملك المؤيد صاحب حماه رحمه الله تعالى.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بحماة.
ولم يزل بها على إمرته، وصحبة من ارتضاه وعشرته، إلى أن فقده ودوده وعاث في لحمه حشرات الأرض ودوده.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
بيبغاروس
الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالديار المصرية.
أول ما ظهر وشاع ذكره في الأيام الصالحية إسماعيل، وهو الذي جاء في أول دولة الكامل يطلب طقزتمر نائب الشام إلى مصر، ثم لما قتل المظفر حاجبي ظهر واشتهر، وباشر النيابة بمصر على أحسن ما يكون وأجمل ما باشره غيره لأنه أحسن إلى الناس وبسط لهم إلإيناس، ولم يظلم أحداً ولم يتخذ على من تهتك رصدا، وكان إذا مات أحد أعطى ولده إقطاعه، وكل من طلب منه شيئاً قال: سمعاً وطاعه، فأحبه الناس ودعوا، وحفظوا عهده ورعوا، ومشوا في ركابه وسعوا، وتباركوا بطلعته، وتقرب كل أحد إليه بنفاق سلعته، وكان الطاعون في أيامه، وذلك الوباء داخلاً في أقسامه، فيقال: إنه كفن مئة ألف أو يزيدون، وأعطى الإقطاعات للأولاد، أراد الأمراء ذلك أو لا يريدون.
قيل: إنه جاءت إليه امرأة وقالت: مات زوجي وليس له إلا إقطاعه وترك لي هاتين الابنتين، فرق لها، فقال لناظر الجيش: اكشف عبرته. فقال: خمسة عشر ألف، فقال: من يعطي في هذا عشرين ألف درهم فقال واحد: أنا أعطي اثني عشر ألف درهم فقال: هاتها، فوزنها، فقال للمرأة: خذي هذه الدراهم وجهزي بنتيك، وأعطى الإقطاع لذلك الذي سلم الدراهم.
وكان في النيابة فيه خير كثير، وإحسان إلى الناس غزير إلا أنه كان يعكف على حسو السلافه، ويرى أنه بتعاطي كؤوسها قد نال الخلافه، ماله رغبة في غير اجتلاء
شوسها وتناول كؤوسها، واجتلاء أنوارها من يدي سقاتها الأقمار وتذهيب أشعتها لما عليهم من الأطمار، لا يقابل من قابله بها برده، فهي تغرب في فمه وتطلع في خده، ومع ذلك فما يخل بالجلوس في الخدمة أوقات الخدم، وثبات مالها في الدول المعروفة من قدم القدم.
وكان قد ولى أخاه الأمير سيف الدين منجك الوزارة، فاختلف في أمره فيما بين الخاصكية، فأرضاهم بعزله أياماً قلائل، ثم إنه أخرج أمير أحمد الساقي إلى صفد نائباً، ثم أخرج بعده الأمير سيف الدين الجيبغا إلى دمشق، ثم أخرج حسام الدين لاجين العلائي زوج أم المظفر إلى حماه، وأقام على حاله إلى أن عزم على الحج، فقال له أخوه منجك: لا تحج، والله يتم لنا ما تم للفخري وطشتمر، فلم يسمع منه، وتوجه إلى الحجاز في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ومعه فاضل ومامور، وحج معه الأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين بزلار وغيرهم من الأمراء، فأمسك بعد توجهه الأمير سيف الدين منجك بأيام قلائل، وقبض عليه الأمير سيف الدين طاز في الينبع في سادس عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. فقال لطاز: أنا ميت لا محاله، فبالله دعني أحج، فقيده وأخذه معه وحج وطاف وسعى، وهو مقيد على إكديش، ولم يسمع بمثل ذلك، ولما عاد من الحجاز تلقاه الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، وأخذه وحضر به إلى الكرك، وسلمه إلى نائبها، وتوجهوا بأخيه فاضل إلى القاهرة مقيداً، فدخلها، أعني النائب بيبغا إلى الكرك في سابع المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. وقلت أنا فيه رحمة له:
تعجّب لصرف الدّهر في أمر بيبغا ... ولا عجبٌ فالشمس في الأفق تكسف
لقد ساس أمر الملك خير سياسةٍ ... ولم يك في بذل الندى يتوقّف
وأمسك في درب الحجاز ولم يكن ... له عن رضى السلطان في ذاك مصرف
وسلّم للأقدار طوعاً وما عتا ... ولو شاء خلّى السيف بالدم يرعف
وسار إلى البيت العتيق مقيّداً ... وريح الصبا تعتلّ والورق تهتف
فيا عجباً ما كان في الدهر مثله ... يطوف ويسعى وهو في القيد يرسف
وعاجوا به من بعد للكرك التي ... على ملكها في نفس الملوك تأسّف
وأودع في حصن بها شامخ الذرّى ... تراه بأقراط النجوم يشنّف
سيؤويه من آوى المسيح ابن مريم ... وينجو كما نجّي من الجبّ يوسف
ولم يزل في الكرك معتقلاً إلى أن ولي الملك السلطان الملك الصالح صالح، فأفرج عنه وعن الأمير سيف الدين شيخو وبقية الأمراء المعتقلين بالإسكندرية، ووصل إلى القاهرة، فوصله وأنعم عليه وخلع عليه، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي.
فوصل إلى دمشق نهار السبت ثالث عشري شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة ومعه الأمير عز الدين طقطاي ليقره في النيابة ويعود، ولما وصل إلى غزة عمل له الأمير سيف الدين بيبغاتتر النائب بغزة سماطاً فأكله، ولما فرغ منه أمسكه وجهزه مقيداً إلى الكرك، وتوجه هو إلى حلب وباشر النيابة، ومن حين دخلها تغيرت نيته وفسدت على الأمير طاز وعلى الدولة، ووسوس له الشيطان، نعوذ بالله منه، وحسن له كل قبيح، وسول له كل فساد بعد ذلك الخير والصلاح، واتفق مع أحمد الساقي نائب حماة، ومع بكلمش نائب طرابلس على الركوب والحضور إلى دمشق، فإن وافقهم أرغون الكاملي نائبها على ما يريدون وإلا ضربوا معه مضافاً، وأخذوا عسكر الشام وتوجهوا به إلى مصر، واتفق معه الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر نائب الإبلستين
على ذلك. وترددت الرسل بينهم، وجعلوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، إلى أن بلغ الأمير سيف الدين أرغون الكاملي قوة عزمهم على الحضور إلى دمشق، فخلف عسكر الشام للسلطان الملك الصالح، وتوجه بالعسكر إلى لد، وأقام عليها، ودخل بيبغاروس وأحمد وبكلمش بعساكر حلب وحماة وطرابلس وتركمان بن دلغادر إلى دمشق نهار الاثنين ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة مطلبين، ولاقاهم الأمير علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، على ما تقدم في ترجمته، ونزل بيبغا على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وأقام عنده أحمد يومين ثلاثة، ثم إنه توجه بألف فارس وأقام على المزيريب، وتسيب تركمان بن دلغادر وغيرهم من المفسدين على بلاد حوران وبلاد البقاع وبعلبك والمرج والغوطة يعبثون ويفسدون وينهبون الأموال والغلال والدواب ويستحلون الفروج، ويرتكبون المحارم مدة أربعة وعشرين يوماً، إلى أن بلغهم وصول الأمير سيف الدين طاز إلى لد في خمسة آلاف فارس من العسكر المصري، وتحققوا أن السلطان الملك الصالح عقيب ذلك يصل، فتفللت العزائم وهرب دلغادر، وتوجه إلى بلاده على وادي التيم، فقدم بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع بأحمد الساقي وبات عنده ليلةً، ثم إنهم انهزموا إلى بلاد حلب، وأرادوا الدخول إلى حلب فمنعوا، وأمسك أهل حلب منهم جماعةً، على ما تقدم في ترجمة الطنبغا برناق، وقتل حينئذ الأمير فاضل أخو بيبغاروس، وكان من الفرسان، ووصل الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز بعساكرهم إلى دمشق في خامس عشري شعبان، ووصل السلطان يوم الخميس مستهل شهر رمضان، وجهز الأمير أرغون الكاملي والأمير شيخو والأمير طاز وعساكر الشام إلى حلب خلف بيبغا، فوصلوا إلى حلب، وأقاموا بها وببيغا وجماعته مفرقون في بلاد مرعش وما حولها، وأقام بيبغا في الأبلستين، وضرب أحمد وبكلمش مع عساكر الحصون رأساً، ووقعت الأمطار والثلوج وعاد الأمير شيخو والأمير طاز وعسكر الشام بعدما تقرر الأمير سيف الدين الكاملي بحلب نائباً على عادته، فوصلوا إلى دمشق في تاسع عشري شهر رمضان.
ثم إن السلطان الملك الصالح توجه بالعساكر المصرية بعد ما صلى الجمعة في الجامع الأموي، وخرج منها سائراً إلى مصر في سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ولما طال الأمر على ابن دلغادر أمسك أحمد وبكلمش وقيدهما وجهزهما إلى حلب فاعتقلا بالقلعة، وكان من أمرهما ما ذكرته في ترجمة أحمد الساقي، ثم إن الأمير عز الدين طقطاي قعد في حلب ينتظر رسل بيبغاروس، وكان ابن دلغادر قد جهز إمساكه في الأبلستين، فوصل بيبغا مقيداً إلى حلب ثالث عشر شهر الله المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وخرج طقطاي الدوادار وجماعة من العسكر وتلقوه، فلما رأى الأمير عز الدين طقطاي بكى وقال: والله أنا أعرف ذنبي، والذي أشار علي بذلك فقد لقاه الله فعله، والله ما كان ذلك برضاي، وأنا فقد وقعت في فعلي. وسير إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي يطلب منه لحم ثم مشوياً ومأمونية، فجهز ذلك إليه وأطلعوه بالقلعة، ثم إنهم حزو راسه، بعدما قطع الوتر أمراسه، وتوجه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار برأسه إلى الديار المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن الشيطان الرجيم.
وقلت أنا في ذلك:
لا تعجبوا من حلب إن غدا ... أرغون فيها جبلاً راسي
من أجل هذا لم تطر فرحةً ... وبيبغاروس بلا راس
وكتب إلي المولى القاضي شرف الدين حسين بن ريان كتاباً نظماً ونثراً، فأما نظمه فأذكره، وهو:
بنيل الأماني هلّ شهر المحرم ... وحلت به البلوى على كل مجرم
أتوا فيه بالأعداء أسرى أذلّةً ... إلى حلب الشهباء يا خير مقدم
فبكلمشٍ وافوابه وبأحمد ... ومن بيبغا قد أدركوا كل مغنم
ومن رام ظلم الناس يقتل بسيفه ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
مضوا وقضوا لا خفّف الله عنهم ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
ففي رمضان كان يوم انكسارهم ... وآخره في عشر شهر المحرّم
فأكرم به شهراً كريماً مباركاً ... حراماً أتى من بعد شهر محرّم
بدأنا به العام الجديد فأسفرت ... لياليه عن شهرٍ شريفٍ معظّم
به يوم عاشوراء يومٌ مبارك ... أتت فيه أخبارٌ البخاري ومسلم
تعيّن شكر الله فيه على الذي ... سعى بيبغا فيه على كل مسلم
أرانا هلالاً كالسّوار وحوله ... عقود نجومٍ كالجمان المنظّم
وحيث وجدنا النصر فيه على العدى ... تعيّن أن يبقى كأعظم موسم
فصنه عن الآثام فيه ولا تمل ... إلى اللهو في شهر المحرّم تسلم
وفي صفرٍ فاصرف من الصفر كلّما ... ملكت على صرف المدامة تغنم
مدام إذا لاح الحباب حسبتها ... بكاساتها شمسا تحفّ بأنجم
بدورٌ بها ساقٍ من الترك أهيفٌ ... يريك عقود الدرّ عند التبسّم
له طلعةٌ كالبدر يشرق نورها ... على قامةٍ مثل القضيب المنعّم
ويبدي هلالاً من ضياء جبينه ... ويخفيه في داجٍ من الشّعر مظلم
تترجم عيناه عن السّحر في الهوى ... فيعجز فكري حلّ ذاك المترجم
يسلّ على عشّاقه سيف لحظه ... ويرشقهم من ناظريه بأسهم
تقدّمت إذ أقدمت ليلة وصله ... على قبلةٍ والفضل للمتقّدم
فما ردّني عمّا أردت ونلت ما ... قصدت من التقبيل في ذلك الفم
وعانقت منه غصن بانٍ على نقاً ... ووسّدته في الليل زندي ومعصمي
وزاد سروري بعد ذلك إذ أتى ... إليّ جوابٌ عن كتابي المقدّم