وسلّم للأقدار طوعاً وما عتا ... ولو شاء خلّى السيف بالدم يرعف
وسار إلى البيت العتيق مقيّداً ... وريح الصبا تعتلّ والورق تهتف
فيا عجباً ما كان في الدهر مثله ... يطوف ويسعى وهو في القيد يرسف
وعاجوا به من بعد للكرك التي ... على ملكها في نفس الملوك تأسّف
وأودع في حصن بها شامخ الذرّى ... تراه بأقراط النجوم يشنّف
سيؤويه من آوى المسيح ابن مريم ... وينجو كما نجّي من الجبّ يوسف
ولم يزل في الكرك معتقلاً إلى أن ولي الملك السلطان الملك الصالح صالح، فأفرج عنه وعن الأمير سيف الدين شيخو وبقية الأمراء المعتقلين بالإسكندرية، ووصل إلى القاهرة، فوصله وأنعم عليه وخلع عليه، ورسم له بنيابة حلب عوضاً عن الأمير سيف الدين أرغون الكاملي.
فوصل إلى دمشق نهار السبت ثالث عشري شعبان سنة اثنين وخمسين وسبع مئة ومعه الأمير عز الدين طقطاي ليقره في النيابة ويعود، ولما وصل إلى غزة عمل له الأمير سيف الدين بيبغاتتر النائب بغزة سماطاً فأكله، ولما فرغ منه أمسكه وجهزه مقيداً إلى الكرك، وتوجه هو إلى حلب وباشر النيابة، ومن حين دخلها تغيرت نيته وفسدت على الأمير طاز وعلى الدولة، ووسوس له الشيطان، نعوذ بالله منه، وحسن له كل قبيح، وسول له كل فساد بعد ذلك الخير والصلاح، واتفق مع أحمد الساقي نائب حماة، ومع بكلمش نائب طرابلس على الركوب والحضور إلى دمشق، فإن وافقهم أرغون الكاملي نائبها على ما يريدون وإلا ضربوا معه مضافاً، وأخذوا عسكر الشام وتوجهوا به إلى مصر، واتفق معه الأمير زين الدين قراجا بن دلغادر نائب الإبلستين
على ذلك. وترددت الرسل بينهم، وجعلوا يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، إلى أن بلغ الأمير سيف الدين أرغون الكاملي قوة عزمهم على الحضور إلى دمشق، فخلف عسكر الشام للسلطان الملك الصالح، وتوجه بالعسكر إلى لد، وأقام عليها، ودخل بيبغاروس وأحمد وبكلمش بعساكر حلب وحماة وطرابلس وتركمان بن دلغادر إلى دمشق نهار الاثنين ثالث عشري شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة مطلبين، ولاقاهم الأمير علاء الدين ألطنبغا برناق نائب صفد، على ما تقدم في ترجمته، ونزل بيبغا على قبة يلبغا ظاهر دمشق، وأقام عنده أحمد يومين ثلاثة، ثم إنه توجه بألف فارس وأقام على المزيريب، وتسيب تركمان بن دلغادر وغيرهم من المفسدين على بلاد حوران وبلاد البقاع وبعلبك والمرج والغوطة يعبثون ويفسدون وينهبون الأموال والغلال والدواب ويستحلون الفروج، ويرتكبون المحارم مدة أربعة وعشرين يوماً، إلى أن بلغهم وصول الأمير سيف الدين طاز إلى لد في خمسة آلاف فارس من العسكر المصري، وتحققوا أن السلطان الملك الصالح عقيب ذلك يصل، فتفللت العزائم وهرب دلغادر، وتوجه إلى بلاده على وادي التيم، فقدم بيبغاروس إلى المزيريب، واجتمع بأحمد الساقي وبات عنده ليلةً، ثم إنهم انهزموا إلى بلاد حلب، وأرادوا الدخول إلى حلب فمنعوا، وأمسك أهل حلب منهم جماعةً، على ما تقدم في ترجمة الطنبغا برناق، وقتل حينئذ الأمير فاضل أخو بيبغاروس، وكان من الفرسان، ووصل الأمير سيف الدين أرغون الكاملي، والأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز بعساكرهم إلى دمشق في خامس عشري شعبان، ووصل السلطان يوم الخميس مستهل شهر رمضان، وجهز الأمير أرغون الكاملي والأمير شيخو والأمير طاز وعساكر الشام إلى حلب خلف بيبغا، فوصلوا إلى حلب، وأقاموا بها وببيغا وجماعته مفرقون في بلاد مرعش وما حولها، وأقام بيبغا في الأبلستين، وضرب أحمد وبكلمش مع عساكر الحصون رأساً، ووقعت الأمطار والثلوج وعاد الأمير شيخو والأمير طاز وعسكر الشام بعدما تقرر الأمير سيف الدين الكاملي بحلب نائباً على عادته، فوصلوا إلى دمشق في تاسع عشري شهر رمضان.
ثم إن السلطان الملك الصالح توجه بالعساكر المصرية بعد ما صلى الجمعة في الجامع الأموي، وخرج منها سائراً إلى مصر في سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة، ولما طال الأمر على ابن دلغادر أمسك أحمد وبكلمش وقيدهما وجهزهما إلى حلب فاعتقلا بالقلعة، وكان من أمرهما ما ذكرته في ترجمة أحمد الساقي، ثم إن الأمير عز الدين طقطاي قعد في حلب ينتظر رسل بيبغاروس، وكان ابن دلغادر قد جهز إمساكه في الأبلستين، فوصل بيبغا مقيداً إلى حلب ثالث عشر شهر الله المحرم سنة أربع وخمسين وسبع مئة، وخرج طقطاي الدوادار وجماعة من العسكر وتلقوه، فلما رأى الأمير عز الدين طقطاي بكى وقال: والله أنا أعرف ذنبي، والذي أشار علي بذلك فقد لقاه الله فعله، والله ما كان ذلك برضاي، وأنا فقد وقعت في فعلي. وسير إلى الأمير سيف الدين أرغون الكاملي يطلب منه لحم ثم مشوياً ومأمونية، فجهز ذلك إليه وأطلعوه بالقلعة، ثم إنهم حزو راسه، بعدما قطع الوتر أمراسه، وتوجه الأمير عز الدين طقطاي الدوادار برأسه إلى الديار المصرية. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن الشيطان الرجيم.
وقلت أنا في ذلك:
لا تعجبوا من حلب إن غدا ... أرغون فيها جبلاً راسي
من أجل هذا لم تطر فرحةً ... وبيبغاروس بلا راس
وكتب إلي المولى القاضي شرف الدين حسين بن ريان كتاباً نظماً ونثراً، فأما نظمه فأذكره، وهو:
بنيل الأماني هلّ شهر المحرم ... وحلت به البلوى على كل مجرم
أتوا فيه بالأعداء أسرى أذلّةً ... إلى حلب الشهباء يا خير مقدم
فبكلمشٍ وافوابه وبأحمد ... ومن بيبغا قد أدركوا كل مغنم
ومن رام ظلم الناس يقتل بسيفه ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
مضوا وقضوا لا خفّف الله عنهم ... إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
ففي رمضان كان يوم انكسارهم ... وآخره في عشر شهر المحرّم
فأكرم به شهراً كريماً مباركاً ... حراماً أتى من بعد شهر محرّم
بدأنا به العام الجديد فأسفرت ... لياليه عن شهرٍ شريفٍ معظّم
به يوم عاشوراء يومٌ مبارك ... أتت فيه أخبارٌ البخاري ومسلم
تعيّن شكر الله فيه على الذي ... سعى بيبغا فيه على كل مسلم
أرانا هلالاً كالسّوار وحوله ... عقود نجومٍ كالجمان المنظّم
وحيث وجدنا النصر فيه على العدى ... تعيّن أن يبقى كأعظم موسم
فصنه عن الآثام فيه ولا تمل ... إلى اللهو في شهر المحرّم تسلم
وفي صفرٍ فاصرف من الصفر كلّما ... ملكت على صرف المدامة تغنم
مدام إذا لاح الحباب حسبتها ... بكاساتها شمسا تحفّ بأنجم
بدورٌ بها ساقٍ من الترك أهيفٌ ... يريك عقود الدرّ عند التبسّم
له طلعةٌ كالبدر يشرق نورها ... على قامةٍ مثل القضيب المنعّم
ويبدي هلالاً من ضياء جبينه ... ويخفيه في داجٍ من الشّعر مظلم
تترجم عيناه عن السّحر في الهوى ... فيعجز فكري حلّ ذاك المترجم
يسلّ على عشّاقه سيف لحظه ... ويرشقهم من ناظريه بأسهم
تقدّمت إذ أقدمت ليلة وصله ... على قبلةٍ والفضل للمتقّدم
فما ردّني عمّا أردت ونلت ما ... قصدت من التقبيل في ذلك الفم
وعانقت منه غصن بانٍ على نقاً ... ووسّدته في الليل زندي ومعصمي
وزاد سروري بعد ذلك إذ أتى ... إليّ جوابٌ عن كتابي المقدّم
بعثت به منّي إلى صاحب له ... فضائل شتّى أمرها غير مبهم
فأهدى جواباً عن كتابٍ رفلت في ... معانيه في ثوبٍ من الفخر معلم
به أتحلّى حليةً وحلاوة ... تحول بأفواه العدى طعم علقم
خليلي صديقي صاحبي ثقتي أخي ... إمامي وشيخي في العلوم معلّمي
تسيل دموعي عندماً لبعاده ... ولو زارني ما سال دمعي عن دمي
أودّ مقامي في دمشق لأجله ... وطرف زماني عن بلوغ المنى عم
فإن جاد لي دهري بقصدي حمدته ... وإن لم يجد يستغن عنه ويذمم
أينكر قصدي قرب خلّ صحبته ... قديماً إلى عليائه الفضل ينتمي
فلو قيل لي أهل التكرم من هم ... لقلت صلاح الدين أهل التكرم
إذا جال في فكري تذكّر أنسه ... بكيت على بعدي وزاد تندّمي
أعيش ومالي في دمشق كفايتي ... وغيري له في يومه ألف درهم
هو الحظّ والرزق الذي شمل الورى ... على مقتضى التقسيم لا بالتقدم
أرجّي اجتماع الشّمل بالشام فاجتهد ... وساعد على نقلي إلى الشام واسلم
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
بعثت بشعرٍ مثل برد مسهّمٍ ... وهيهات بل عقدٍ بدرّ منظّم
وإلا كأفق بالنجوم موشعٍ ... وإلاّ كوجهٍ بالجمال ملثّم
فكم همزةٍ فيه كمثل حمامة ... على ألفٍ فيه كغصن مقوّم
وكم فيه من عين كعين كحيلةٍ ... وكم فيه من ميم كدائرة الفم
وكم فيه من جيم كخالٍ مدبّج ... ونقطتها خالٌ يلوح لمغرم
أشاهد منه زهر روض ومنظراً ... أنيقاً لعين النّاظر المتوسمّ
فنفس كرباً كم تنفس عن لظى ... عذاب وداء في القلوب مخيمّ
وأجرى دموعي من جفوني ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم
وأذكرني عهد الشباب ولم أكن ... لأنسى ليالي عصره المتصرّم
نظام فتىً عار من الغار يرتدي ... بثوبٍ بفضل العلم والحلم معلم
مناي من الأيام رؤية وجهه ... وأحسن وجهٍ في الورى وجه منعم
وما كلّ هاوٍ للجميل بفاعلٍ ... ولا كلّ فعّال له بمتمّم
غدا شرفي منه على كلّ حالة ... ولكن إذا كاتبته كان مفحمي
إذا ساق نحوي العرف غير مكدّر ... أسّوق إليه الحمد غير مذمم
أيا شرف الدين الذي سار ذكره ... وما هو عنه بالحديث المرجّم
لقد سقت أخبار البغاة وبيبغا ... سياق بليغٍ لم يكن بمجمجم
وما كان هذا بيبغا قدر ما ابتغى ... ولو نال أسباب السماء بسلّم
لقد كان في أمن وعزّ ونعمة ... ولكنّه عن علم ما في غد عمي
فأضمر عدواناً وبغياً ولم يكن ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
وبات ونار الحقد تضرم صدره ... ولم يطفها غير الخميس العرمرم
وراح يناجي من وساوس قلبه ... ضعيف المساعي أو قليل التكرّم
وما ظنّ خيراً بالذي كان محسناً ... إليه ومن يفعل كذلك يندم
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبّيه لقول عداته ... وأصبح في ليل من الشكّ مظلم
وجاء دمشقاً في عساكر كلّهم ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
إلا إنّ هذا الأمر عقبى الذي جرى ... وآخره يفضي لنار جهنم
وقدم هو قبل قصيدته نثراً يتعلق بأمر بيبغا وجماعته، وأردفت أنا قصيدتي بنثر أيضاً يتعلق بالمذكورين وكلاهما أثبته في الجزء الرابع والثلاثين من التذكرة التي لي، ونظمت أنا عدة مقاطيع لما خرجا من دمشق فارين من بيبغا.
فمن ذلك، وقد خرجنا مع الأمير سيف الدين أرغون الكاملي على أنه متوجه إلى خان لاجين فأخذ العساكر من تحت قلعة دمشق وتوجه بها إلى لد، فقلت أنا في ذلك:
خرجنا على أنّا نلاقي عسكراً ... أتى
بيبغا
فيها على خان لاجين
فلم ندر من تعتيرنا وقطوعنا ... بأنفسنا إلاّ بأرض فلسطين
وقلت أيضاً:
أيا ولدي وافاني البين فجأةً ... وبدّد شملاً قد تنظّم كالعقد
فسرت وما أعددت عنك تجلّدا ... لقلبي ولا حدّثت نفسي بالبعد
وقلت، وقد كثرت الأراجيف:
أخرجني المقدور من جلّق ... عن طيب جنّاتٍ جنيّات
فإن أعد يوماً لها سالماً ... فهو بنيّات بنيّاتي
وقلت، وقد جاءت الأخبار بأن القوم قد تقدموا الكتيبة:
قد ضجرنا من المقام بلدّ ... بلدٍ ما طباعه، مثل طبعي
كلّما قيل لي كتيبة جيشٍ ... قد أتت للكتيبة اصطكّ سمعي
فتراني مغيّراً من نحولي ... وسقامي، وفي المزيريب دمعي
وقلت، وقد زاد الذباب بالمنزلة:
لقد أتانا ذباب لدّ ... بكلّ حتفٍ وكل حيف
وقيل هذا ذباب صيفٍ ... فقلت لا بل ذباب سيف
وقلت أيضاً:
إن الذباب بلدّ ... لشرّ خصم ألدّ
بليت منه بعكسي ... وما يبالي بطرد
وقلت، لما كثرت الأراجيف بأن بيبغا رحل من دمشق وانهزم:
قد كثر الإرجاف عن بيبغا ... وأنّه قد سار عن بقعته
إذا أتانا خبرٌ سرّنا ... ما تغرب الشمس على صحّته
بيبغا
الأمير سيف الدين تتر المعروف بحارس الطير.
توفى نيابة غزة بعد وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم إنه عزل وأقام بمصر إلى أن أمسك الأمير سيف الدين منجك الوزير وأمسك أخوه بيبغاروس في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فولاه السلطان الملك الناصر حسن نيابة مصر عوضاً عن بيبغاروس، فأقام على ذلك إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتولى الملك الصالح صالح.
ولما خرج الأمير علاء الدين مغلطاي والأمير سيف الدين منكلي بغا الفخري على الملك الصالح وأخذ مغلطاي هرب منكلي بغا الفخري، ودخل على الأمير سيف الدين بيبغا الفخري في بيته مستجيراً به فأجاره، وأخذ سيفه وسلمه إليهم، فعزله السلطان بعد ذلك وولى النيابة الأمير سيف الدين قبلاي، وجهز الأمير سيف الدين بيبغاتتر إلى نيابة غزة، فأقام بها شهراً أو أكثر، إلى أن ورد بيبغاروس إلى