إنسان أعرفه، فمضى بي إلى ابن عم لنا، وهو الصدر الخجندي، وكان مختفياً بالصالحية، وله غلامان ينسجان ويطعمانه، اختفى لأمور بدت منه أيام هولاكو، وكتب معي ورقة إلى نسائه بالبلد، وكانت بنته ست البهاء التي تزوج بها الشيخ زين الدين بن المنجا، وماتت معه، هي أختي من الرضاعة، فأقمت عندهن مدة لا أخرج، حتى بلغت، وحفظت القرآن بمسجد الزلاقة، فمررت يوماً بالديماس، فإذا بعمي، فقال: ها جمال الدين، امش بنا إلى البيت، فما كلمته، وتغيرت ومعي رفيقان، فقالا لي: ما بك، فسكت وأسرعت، ثم رايته مرة أخرى بالجامع، فأخذ أموالي، وذهب إلى اليمن، وتقدم عند ملكها، ووزر، ومات عن أولاد.
وجودت الختمة على الزواوي، وتفقهت على النجم الموغاني، وترددت إلى الشيخ تاج الدين، وتفقهت بابن جماعة، وقرأت عليه مقدمة ابن الحاجب وعلى الفزاري، ثم وليت القضاء من جهة ابن الصائغ وغيره، ونبت يوماً بجامع دمشق عن ابن جماعة، فقيل له: إن داوم هذا راحت الخطابة منك، يعني لحسن أدائه وهيئته.
وجالسته مرات، وكان يروي عن الشيخ مجد الدين بن الظهير قصيدته التي أولها:
كل حي إلى الممات مآبه
انتهى ما ذكر الذهبي.
قلت: ولما كان بصفد، قرأت عليه ديوان خطبه سماه تحفة الألباء وأجازني جميع ما يجوز له أن يرويه، وفي هذه الخطب مواضع خارجة عن الصواب من اللحن الخفي، فكتبت عليها طبقة، وهي: قرأت هذه الخطب المسرودة على حروف المعجم من أولها إلى آخرها على مصنفها وكاتبها العبد الفقير إلى الله تعالى القاضي جمال الدين عبد القاهر بن محمد التبريزي الحاكم بصفد المحروسة، لا زالت الطروس توشي وتوشع بكلامه وأقلامه، وترصف وترصع بحكمه وأحكامه، ومحاسن أيامه ولياليه تنشا وتنشد، ودرر نظمه ونثره تنظم وتنضد، قراءة من غاص اللجة من بحر حبرها، وعلم قيمة المنتقى والمنتقد من دراريها ودرها، واستشف معانيها المجلوة في حبر حبرها، وصدق معجز آياتها، وما شك في خبر خبرها، واستجلى وجوه عربها وتوجيه إعرابها، وتحقق أن القرائح ما لها من طاقة على مثلها في بابها، وتنزه في حدائقها التي ضربت عليها أوراق الأوراق، واجتلى أبكارها الغر، فكانت حقيقة فتنة العشاق، فسرحت سوام الطرف فيما أرضاه من روضاتها، ورشفت قطر البلاغة مما زهي من زهراتها:
وتشنفت أذني بلؤلؤ لفظها ... وتنزهت عيناي في جناتها
وتأملت أفهامنا فتمايلت ... بترشف الصهباء من كاساتها
وكأن همز سطورها بطروسها ... ورق على الأغصان من ألفاتها
وكأنها وجنات غيد نقطها ... خال على الأصداغ من جيماتها
لله ما أطرى وأطرب ما أتى ... في هذه الأوراق من سجعاتها
لا غرو أن عقدت لسان أولي النهى ... عن مثلها بالسحر من كلماتها
فكتب هو إلي:
شرفت غرس الدين حين قرأت ما ... أمليت من خطب أجدت شياتها
فصاحة لو أن قساً حاضر ... لرآك تسبقه إلى غاياتها
يا فخر دهر أنت من بلغائه ... وعلا ليال أنت من ساداتها
خطبي التي أنشأتها ما أنت من ... خطابها فتجاف عن علاتها
عظمتها وبررتها وجبرتها ... وغفرت ما قد كان من زلاتها
فلأنت أكرم فاضل لما بدت ... لعيانه غطى على عوراتها
فاسلم ودم ما رنحت ريح الصبا ... أعطاف غصن الروض في هباتها
وأنشدني لنفسه في شبابة، وقد وجدتها فيما بعد في ديوان جوبان القواس بخطه:
وناطقة بأفواه ثمان ... تميل بعقل ذي اللب العفيف
لكل فم لسان مستعار ... يخالف بين تقطيع الحروف
تخاطبنا بلفظ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف
فضيحة عاشق ونديم راع ... وعزة موكب ومدام صوفي
فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في الكمنجا:
ما اسم إذا خفت هماً ... رأيت لي فيه منجا
يشدو بلحن عجيب ... حروفه ما تهجى
كم قد شجاك بصوت ... من الحمائم أشجى
إن لم يجئ لك طوعاً ... في الحل فهو كمن جا
فأعجبه ذلك وزهزه وطرب.
وأنشدني من لفظه لنفسه، قال: حضرت صحبة الملك الظاهر بيبرس حصار قلعة صفد، فصنعت هذه الأبيات:
إذا القلعة الشماء باتت حصينة ... وبات على أقطارها القوم رصدا
ترى منجنيقاً يذهب العقل جسه ... يغدرهم بين الأسرة همدا
إذا ما أراها السهم منه ركوعه ... تخر له أعلى الشراريف سجدا
وأنشدني لنفسه من لفظه كثيراً من شعره فمن ذلك قصيدة طويلة أولها:
أنت الممنع والمحجب ... إلا على من ليس يحجب
ومع البعاد فأنت من ... حبل الوريد إلي أقرب
سر بسيط ظاهر ... يختال في شبح مركب
عبد القوي بن عبد الكريم
القرافي الحنبلي الطوفي، نجم الدين الرافضي.
له مصنف في أصول الفقه ونظم كثير، وعزر بالقاهرة على الرفض لأنه قال:
كم بين من شك في خلافته ... وبين من قيل إنه الله
وهو الذي يقول في نفسه:
حنبلي رافضي ظاهري ... أشعري هذه إحدى الكبر
توفي ببلد الخليل عليه السلام سنة ست عشرة وسبع مئة.
ويقال إنه تاب أخيراً من الهجاء والرفض.
عبد القوي بن محمد
ابن جعفر الأسناي، نجم الدين المعروف بابن مغني وبابن أبي جعفر.
قرأ على الشيخ النجيب بن مفلح، والشيخ بهاء الدين بن هبة الله القفطي، وناب في الحكم، ودرس بالمدرسة العزية بقوص.
وكان طيب الخلق، ضحوك السن لو نظر إلى الأفق، كثير الرياضة.
لا يدخل من الغيظ في مخافة ولا مخاضه، خفيف الروح إذا جالس، ظريف الإشارة إذا خالس، وكان محباً للسماع، لا يؤثر عليه شيئاً في الانتفاع، يكاد إذا سمع شبابة يطير طرباً، ولا يبلغ من اللذة أربا، وكان التزم أنه لا يبحث مع قاض، ولا يجيبه عن تقريرات ولا إنقاض.
ولم يزل على حاله إلى أن عقر سمعه وطفي من نور الحياة شمعه.
وتوفي رحمه الله تعالى بأسنا سنة ثمان وتسعين وست مئة.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: بلغني أنه وصى أن تخرج جنازته بالدفوف والشبابة، وتمنع النائحات والباكيات عليه.
عبد الكافي بن عثمان
الشيخ جمال الدين المعروف بابن بصاقة الحيسوب كان كاتباً متصرفاً، يعرف صناعة الكتابة الديوانية، وهو من قدماء الكتاب، وعمر وضعف.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية، وصلي عليه في جامع الأمير سيف الدين تنكز.
وكان حسن الأخلاق.
عبد الكافي بن علي
ابن تمام بن يوسف، الشيخ الإمام القاضي زين الدين، أبو محمد السبكي الشافعي، والد قاضي القضاة شيخ الإمام تقي الدين السبكي.
توفي رحمه الله تعالى تاسع شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في حدود سنة تسع وخمسين وست مئة.
هو من أهل سبك العبيد من الديار المصرية. تفقه بالقاهرة على السديد، والظهير، وقرأ أصول الفقه على الشيخ شهاب الدين القرافي، وناب في القضاء ببعض أعمال القاهرة عن قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق اليد، وتولى أخيراً قضاء المحلة الغربية، وأقام بها إلى حين وفاته.
وسمع من ابن خطيب المزة وغيره، وحدث.
وسمع منه ولده قاضي القضاة تقي الدين.
وخرج له أقضى القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي مشيخة.
وحدث بالقاهرة والمحلة ومكة والمدينة، وسمع منه حفيده قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب جزء الغطريف وقطعة من سنن أبي داود وشيئاً من نظمه، وتوفي بالمحلة، ونقلت من خطه له:
قطعنا الأخوة عن معشر ... بهم مرض من كتاب الشفا
فماتوا على دين رسطالس ... ومتنا على ملة المصطفى
الألقاب والنسب
جمال الدين بن عبد الكافي: اسمه سليمان.
عبد الكريم بن حسن
الشيخ المسلك العارف كريم الدين الآملي، بميم بعد الألف الممدودة، ينتمي إلى سعد الدين بن حموية شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة.
كان إلى الأعيان محبباً، ولم يكن حظه منهم مخيباً، له في النفوس صورة كبيرة، وله أبهة في الصدور، كأنما ألبس منها حبيره، وعنده شيء يغطي جراجات باطنه بجبيره، وفيه أمور لا يدريها ولا يدريها إلا العقول الخبيرة، وهو من كبار القوم الذين خاضوا تلك الغمرات، وعظموا تلك المشاعر ورموا بها تلك الجمرات، وقالوا في خلواتهم:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات
وكانت له رياضات عديدة، ومفاوضات للصوفية مديدة.
وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية كثير الحط عليه، غزير النط - على رأي العوام - إليه.
حكى لي الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأكفاني، قال: دخل