عبد اللطيف بن خليفة
الصدر المعظم الفضل شمس الدين العجمي أخو النجيب كحال غازان وغيره.
كان النجيب المذكور له صورة كبيرة، ومحل زائد عند ملوك المغل، وكان أخوه هذا شمس الدين عبد اللطيف قد تسمى في تلك البلاد بالملك الصالح، وورد إلى الديار المصرية، فأكرم كثيراً إلى الغاية.
وكان أديباً فاضلاً، لبيباً عاقلاً، على ذهنه غوامض من العربية، وعنده نكت ظريفة أدبية، يترسل بغير سجع، وينبت في طروسه أزاهر بغير رجع، لكن بعبارة فاضل، بحاث مناضل، يستشهد على مقصوده بالآيات الكريمة، والأحاديث القويمة والحكمة القديمة، والأشعار الرائقة، والفقر الفائقة، وخطه قوي إلى الغاية من عادة تعليق العجم، وشبه الزهر الذي أينع لما نجم، وله مداخلات مع السلطان وغيره من أرباب الدولة، وممن له في الدهر جولة، يتحدث بالتركي والعجمي فصيحاً، ويذر من يجادله في الوقت طريحاً.
وكان له إقدام على الأكابر، وجرأة على أرباب السيوف والمحابر، ويحضر عند السلطان في بعض الأحيان، وينفع من يريد، ويضر بكل لسان.
ولم يزل على حاله إلى أن مرض بفالج، فكابد منه ألماً يعالج من برحه ما يعالج، ثم إنه بطلت حركات جوارحه، وقيدت مطلقات سوارحه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الاثنين سلخ المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وجدوه غريقاً في البركة، ودفن في مقابر باب النصر.
وكان له من الرواتب في تلك الأيام ما يقارب الألفي درهم، واجتهد بدهائه، إلى أن جعل ذلك في جملة رواتب المماليك السلطانية حتى إن المستوفين لا يتعرضون له إذا عملوا استيماراً، وكان الأمير سيف الدين أرغون النائب إذا رآه في القلعة يقول: ما أحسد إلا هذا الشيخ الذي له في كل شهر ألفا درهم، وهو دائر بطال بلا شغل.
وكان يحضر عند السلطان في سرياقوس، يتكلم بين يديه بالنفع والضر لمن يريد، لأنه كان خبيراً بأخلاق الملوك، ومخاطباتهم وسياساتهم. قال لي من لفظه: أنا أتعيش بين الناس، وأتجوه عندهم بكل جلسة أجلسها بسرياقوس عند السلطان عدة شهور.
وكانت له خصوصية بالقاضي فخر الدين ناظر الجيش، وبالقاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السر، ونفع جماعة، وهو كان أحد من ساعد الخطيب جلال الدين القزويني على توليه قضاء القضاة بالشام وعلى الحضور إلى قضاء الديار المصرية.
ودخل يوماً إلى القاضي مجد الدين بن لفيتة، وهو ناظر الدولة، يطالبه بمرتبه وألح عليه، وزاد في الإبرام، فقال له: يا مولانا كل شهر ألفا درهم، ما تمهل علينا بشهر واحد؟، فقال: يا مولانا هذه الألفان التي لي ما تكفي هذا عبدك الذي يحمل دواتك أن يشرب بها نبيذاً، فلم يجبه بكلمة، وصرف له ما أراد.
وكان إذا حضر عند فخر الدين ناظر الجيوش أخذ الورقة من يده، ونتشها بعنف، ورمى بها، وقال: خلنا من هذا، وتحدث بنا في شأننا.
وكان شيخاً تام القامة، أعشى البصر قليلاً، ذا عمة صغيرة كأنها تخفيفة، وكان لا يخاطب إلا بمولانا، وكان يدعي أنه قرأ المنطق على الأثير الأبهري.
وكانت له دار مليحة على بركة الفيل، وله أموال وجواهر نفيسة، ورأيته يوماً وقد دخل إلى الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك، وقد انقطع الأمير من وجع مفاصل كان يعتريه في رجليه، وكان قد غاب عنه مدة، فلما رآه مقبلاً؛ قال له: يا مولانا! أين كنت في هذه الغيبة؟ وا ويلاه من رجلك.
وكان أصله بتلك البلاد يهودياً ثم أسلم، ولما انفلج جاء إلي الشيخ شمس الدين محمد ابن الأكفاني، وقال لي: يا مولانا الآن. كما أسلم شمس الدين العجمي، فقلت له: كيف ذلك، وهو قديم الإسلام؟! فقال: لأن المسلمين سلموا من يده ولسانه، يعني بالفالج الذي حصل له.
أخبرني من لفظه العلامة شيخ الإسلام، قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى قال: اجتمع يوماً شمس الدين، والأمير ناصر الدين بن البابا، وشجاع الدين الترجمان، ونجم الدين بن قاسم بن مرداد، فقال ناصر الدين: أخبرني
هذا، وأشار إلى أحد الاثنين، فقال شمس الدين: من هو هذا؟ " إن البقر تشابه علينا " فقال شجاع الدين: مولانا، من قال هذا الكلام. فقال شمس الدين: الذين قال الله في حقهم: " يا بني إسرائيل اذكر نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين "، فقال شجاع الدين: مولانا، حاشاك تقول مثل هذا! وإنما قال الله في حقهم: " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " الآية، أو كما قال.
ولما دخلت القاهرة اجتمعت به في سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فرأيت منه رجلاً داهية، خبيراً بما يتكلم به، يغلب عليه العقليات، ويستحضر من كلام الحكماء جملة وافرة، وينقل كثيراً مما يذاكر به من فنون الأدب ووقائع الناس، خصوصاً وقائع ملوك المغل، وله ذوق جيد في الشعر، وتفضل في حقي كثيراً رحمه الله ونوه بذكري عند الأكابر وأثنى علي ثناء كثيراً انتفعت به، شكوت إليه يوماً من بعض الكتاب، فقال لي: مولانا القواهر العلوية دائمة الفيض ممنوعة الحجب تقتص من الظالم للمظلوم، ومن الحاكم للمحكوم.
وكتبت أنا إليه في أول شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة:
يا من بحبل ولائه أتمسك ... وبذكره بين الورى أتمسك
أوليتني نعماً غدت تترى فما ... تدرى وغاية شكرها لا تدرك
وأفدتني فضلاً بكل نفيسة ... تشرى فجودك في الورى لا يشرك
أنت المبوأ ذروة المجد التي ... عزت فما لسواك فيها مسلك
حزت السيادة في الأنام وأنت في ... أهل العلوم على الجميع مملك
كل ينام عن المحامد والعلا ... وإذا دعي لفضيلة يستدرك
إذا عزائمك العلية كم لها ... في كسب ذلك باعث ومحرك
وتجود مبتدئاً ومالك مقصد ... إلا طباع فتى غدا يتبرمك
شيم من النفس الأبية أشرقت ... أبداً تقاد إلى الجميل وتملك
وغدت مرنحة بما تولي الورى ... صنعاً جميلاً شأوه لا يدرك
هذبتها بمعارف قدسية ... فتبيت تصقل بالعلوم وتسبك
حتى لقد خلصت ونور ذاتها ... عرفان من بجنابه تتمسك
إن لم يكن هذا فكيف بررتني ... وجعلت ثغر الدهر نحوي يضحك
يا شمس فضل ظله المبسوط لي ... أنا من سناه في الورى أتبرك
سطرت ما أوليتني ذهباً على ... وجه الزمان وذا المديح يزمك
فتهن شهراً قد أتاك مبشراً ... يا خير من بصيامه يتنسك
واسلم ودم في كل خير وافر ... من حيث يأتي لا يمل ويترك
ما بات ضوء الشمس يصقل جدولاً ... ويروح من نفس الصبا يتفرك
عبد اللطيف بن ممد بن سند
سراج الدين التاجر الكارمي الإسكندراني.
كان من أعيان الكارم، وذوي الجود والمكارم، رئيساً وجيهاً، فاضلاً نبيهاً، وقف وقوفاً جيده، وبنى مدرسة بالثغر للمحاسن متصيده، وسمع وروى، وأطنب في ذلك وما غوى، وله ديوان كله أمداح نبوية، ومحامد على خير البرية.
ولم يزل على حاله إلى أن طفئ سراجه، وكمل نقد عمره وخراجه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
وكان قد سمع من النجيب، وابن فارس، وغيرهما، وحدث وسمع منه الأعيان.
ومن شعره:
لي بالأجيرع دون وادي المنحنى ... قلب تقلبه الصبابة والضنا
غاروا عليه بالغوير ويمموا ... نجداً سحيراً واستقلوا أيمنا
ملكوه مني بالمكارم والعلا ... وحموه عني بالصوارم والقنا
أتبعتهم يوم استقلت عيسهم ... بحشاشة ألفت معاناة الغنا
ونثرت من جفني عقيق مدامعي ... حين التفرق فاستحالت أعينا
وسرت بي الهوج البوازل ترتمي ... ليلاً ولذ لها الفناء على الفنا
حتى إذا أهدت لنا ريح الصبا ... عرف الخزامى زال عنها ما عنى
فأنخت نضوي ثم قلت لها: قفي ... مهلاً رويدك فالمعرس ههنا
وأنشدني من لفظه العلامة أبو حيان قال: ومن شعر سراج الدين المذكور:
ما للنياق عن العراق تميل ... تهوى الحجاز وما إليه سبيل
ذكرت لياليها المواضي بالحمى ... والوجد منها سائق ودليل
واستنشقت عرف الخزام وشاقها ... ظل بأكناف الغوير ظليل
عجباً لها تهوى النسيم تعللاً ... بنسيم رامة والنسيم عليل
ترد النقيب وما تبل به صدى ... وتود لو أن العذيب بديل
لله ليلتها وقد لاحت لها ... أعلام يثرب واستبان نخيل
وبدا لها شعب الثنية فانثنت ... تهتز من طرب به وتميل
يحدو لها حادي السري مترنماً ... ما بعد طيبة لركاب مقيل
يا سائق الوجناء عرج بالغضا ... فهناك عرب بالأراك نزول
دار لعزة ما أعز جوارها ... وظلالها للوافدين نزول
للنوق مراعاها البهيج وللعدى ... نقم تهيج وللجياد صهيل
فإذا حللت فللظباء مراتع ... وإذا رحلت فللحمام هديل
عبد اللطيف بن أحمد
ابن محمود بن الإمام الفاضل التاجر، سراج الدين بن الكويك، بكاف أولى مضمومة، وبعدها واو مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وبعدها كاف أخرى.
كان فاضلاً جيد العربية، والمقاصد الدقيقة الأدبية، حسن الشاكلة والمحيا، لو حاول القمر حسنه ما تم له وما تهيأ، حسن النظم البارع، جيد الذهن فيما يفهمه وإليه يسارع.
سمع بقراءتي على شيخنا أثير الدين كثيراً، وكان يحلني من قبله محلاً أثيراً.
توجه إلى التكرور بتجارة فلم يكر، وحل به من الموت هناك الأمر النكر.
وتوفي هناك رحمه الله سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
اجتمعت به غير مرة ونحن نحضر حلقة شيخنا أثير الدين، وسمع بقراءتي جملة، وكان شافعي المذهب، قدم دمشق سنة عشر وسبع مئة، وسمع بنت البطائحي وإسحاق الأسدي وابن مكتوم.
وقفت على ثلاثة أبيات بخطه كتبها على مصنف لشيخنا العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي سماه كل وما علي تدل وهي:
لله ذر مسائل هذبتها ... ونفيت خلفاً عد خلفاً نقله
وحللت إذ قيدت بالشرطين ما ... أعيا على العلماء قبلك خله
فعلا على الشرطين قدرك صاعداً ... أوج العلوم وفوق ذاك محله
عبد اللطيف بن عبد العزيز
ابن عبد السلام، الفقيه محيي الدين بن الشيخ عز الدين السلمي الدمشقي الشافعي.
روى عن ابن اللتي، وطلب الحديث بنفسه بالقاهرة وقرأ على الشيوخ، فكان أفضل الإخوة، وهو من بينهم صاحب القريحة والهمة والنخوة، قرأ الفقه وتميز،