بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 182

وراج وأذكى السراج، وجبى ما وجب له من الإتاوة والخراج. وكان يجلس في كل سوق حيث تباع المجلدات والدفاتر التي فيها دواوين العلوم مخلدات، فيشتري منها القشات وما يمتري، ويقع له فيها مخاريم من صحاح الجوهري، فيكملها بخطه ويناسب، ويأخذ فيها مع ما يترجمه عليها ما شاء من المكاسب. وكان يشد الكتب أحمالاً أجمالاً، ويسير بها إلى حلب أجمالاً أحمالاً، وحصل من ذلك جملاً، وأوفر من فوائدها جملاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أخذه الموت في قشه، وجعل التراب فرشه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
وكان هو وأخوه الشيخ شمس الدين خطيب حلب الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى في مكانه شيخي كتابة.
اجتمعت بالشيخ شمس الدين هذا بالقاهرة غير مرة في بيته وفي سوق الكتب، وكان من رجال الدنيا في بابه وإذا ذكر الرجال ما يكونون قطرة في حساب سحابه.
وكتب له شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود، رحمه الله تعالى، إجازة وهي: أما بعد حمد الله جاعل علم البيان علماً على الإعجاز، وسلماً إلى ارتقاء ذروة الفصاحة المستقرة على ركني الحقيقة والمجاز، ووسيلة إلى الإحاطة بأسرار البلاغة المستكنة في طرفي الإطناب والإيجاز، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أوتي


صفحه 183

جوامع الكلم، ولوامع الحكم، التي يتضاءل لديها كل منثور، من كلام البشر ومنتظم، وعلى آلة وصحبه الذين من زل عن سننهم ذل وهوى، ومن تمسك بسننهم فاز وسلم.
فإني لما خلت في غمار طلبة الأدب رغبة في اقتباسه، وطعماً في تحصيل بعضه بإدامة التماسه، وحصلت كثيراً من كبته رواية ودراي، وعرفت ما أجتنب من نقائص المعاني والألفاظ التي لا تؤمن نكايتها في الأذهان السليمة بالسراية، لم أزل أستضيء بنور أئمته، وأهتدي بمنار من بلغ الغاية فيه من علماء أمته، وأقنع من لحاق من برز في مضماره برؤية غباره، وأرضى من مآثر من صرفه على إيثاره بمشاهدة آثاره، فنمت علي نفحات آدابهم، ورفلت في فواضل ما تشبثت به من أهابهم، وكاتبوني فأجبت بعدم الرغبة في العتق في رقهم، وجاروني فوافقتهم في المضمار الأدبي، مع الاعتراف بتقدمهم وسبقهم، فقبلوا من كلامي ما لولا حسن إغضائهم لم يقبل، واسبلوا علي ما اضطرتني إليه المباشرة ستر تجاوزهم ولولا جميل اعتنائهم لم يسبل.
ولما فزت بالاجتماع بالجناب العالي الشيخي العزي، نفع الله به طارحته في فنون الأدب غير مرة، فرأيت من مواده بحراً لا يرى العبر عائمة، وشاهدت من بدائهه برقاً لا يفقد الري شائمة، وفاوضت منه إماماً تقطر الفصاحة من أعطاف قلمه،


صفحه 184

وتخطر البلاغة في أفواف كلمه، وتنزل المعاني المتمنعة من معاقل القرائح على حكمه، وتقف جياد البدائة حسرى دون الوسط في حلبة علمه، إن وشي الطرس فرياض، وإن أجرى النقس فحياض، أو نظم فقلائد، أو نثر ففرائد، لا يتجاسر المعنى المطروق أن يلم بفكره، ولا يقدم التخيل المسبوق على المرور بذكره، ولا يجوز زيف الكلام على ذهنه المنتقد، ولا يثبت عناء النظام لدى خاطره المتقد، فسمعت منه مقامات في العرفان قد وشى الأدب حبرها، وحقق الطلب خبرها، وزان الصدق لهجتها، وزاد الحق بهجتها، وحلتها البلاغة برقومها، وكللتها الفصاحة بشهبها ونجومها، تشرق القلوب بأضوائها، وترتوي النفوس بأنوائها، وتستضيء البصائر بأقمارها، وتغتذي السرائر بما تجتني في رياض اليقين من يانع ثمارها، ووقفت له على طرائق في التوحيد، أوضحها علمه لسالكها، وهدى فكره الطائف بكعتبها إلى لطائف مشاعرها ومناسكها، فمن أراد الصفا في سلوكه سعى من مروة الإخلاص إليها، ومن تعرض لنفحات الفتح الذي اقتصر في طرق تعبده عليها، مع بروزها في ألفاظ أرق مساغاً من الماء القراح، وأدق مسلكاً في الجسوم من الأرواح، وأجلى لليل الشك البهيم من صباحة محيا الصباح، إلى غير ذلك من أحاديث تكلم على بلاغتها وبلاغها، وأبان ما جهلته الأفهام الظامئة من أسباب مساغها، مما لم يبلغ بذلك إلا إرشاد الطالب، وتنبيه المفتقر إليها على ما أودع في أثنائها من الكنوز، وادخر في أرجائها من المطالب.
ولما وقفت على تلك البدائع، وفهمت ما تضمنته من النكت الروائع، وعلم مني


صفحه 185

أني ممن يعرف الدر وإن لم يملكه، وينتقد التبر وإن لم يسبكه، ولذلك أتعوض فيما أعانيه من الكتابة عن الدر بالخرز، وأكتفي عن أبكار المعاني الجليلة من العون المسنة بما هو سداد من عوز، سامني مع ارتفاع شأنه في هذه الصناعة، وإثرائه دوني من نفائس هذه البضاعة، أن أجيزه رواية نظمي الذي قدمت العذر في انتهاج طريقه، ونثري الذي أوضحت السبب في مصاحبة فريقه، ومكاتباتي التي أنشأتها بسبب الوقائع التي دعت إليها، وتواقيعي التي ارتجلت غالبها لحفز الدواعي الباعثة عليها، ولمالي في قواعد ذلك من تأليف وتصنيف، وانتخاب غني بشهرته عن التصريف، فسألته الإعفاء من هذه الدرجة التي قدره أرفع منها، ورغبت إليه في قبول القول بالموجب في إجازتي من فوائده التي هي أحق بأن يروي غريبها ويحدث عنها، فلم يعف من تلك الإشارة التي قصده بها الإحسان، ومراده أن ينظم سبح نظمي في سلك ما يؤخذ عنه من درر بدائعه الحسان.
فامتثلت أمره أعزه الله تعالى ونفع به وأجزته رواية ما يجوز لي وأتيه من مسموعاتي ومقروءاتي واختياراتي ومناولاتي، وما لي من نظم مختلف الأوضاع، مستحق، لولا ما يضوع فيه من المدائح النبوية، أن يضاع ولا يذاع، وإنشاء نوعته كثرة المباشرة، وكثرته المحافظة على الوظيفة والمثابرة، ونفحته فوائد المطارحة والمذاكرة، إلى ما يندرج في سك ذلك من تأليف حمل عليه التنقيب عن أسرار هاتين الصناعتين واختيار واختصار وانتقاء وانتقاد، وانتخاب تكلمت على ما فيه من معنى مستملح وأدب مستفاد، ورغبت إليه في أن يصلح من ذلك ما أغفله القلم، وزل


صفحه 186

فيه الفكر الذي عثرته أبلغ من عثرة القدم، إذ هو الملي بالإحسان في ذلك، الجدير بتوطئة ما تعذر سلوكه على السالك.
ومولدي بحلب في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة، وهي إذ ذاك للعلوم معالم، ولوفود الفوائد مواسم، وسمعت بها الكثير ولكن أين أصوله؟ وفقد لي في الوقعة ثبت كبير، ولكن كيف حصوله؟ فإن وجد في ذلك شيء في الأصول فهو أصل في هذه الإجازة، وإن تعذر وجوده فكم سلبت بضاعة فضل في أثناء مفازه.
وكتب: محمود بن سلمان في المحرم، سنة ست عشرة وسبع مئة.

عبد المؤمن
كان مقداماً جريئاً، شجاعاً من الخير بريئاً، لا يهاب سيول السيوف إذا تحدرت، ولا يخاف من ورد الحتوف إذا تكدرت، بلا عقل بلا دين يردانه عن الردى بلا لب بلا ثبات يصدانه عما يوجب الصدى. قد ركب هو نفسه، وذهل عن وجود حسه. لا يخشى عاقبة، ولا له من الله تعالى مراقبة، يقدم على الليث في غابة، ويرد على المطلوب ولو أن فيه تمزيق إهابة.
ولم يزل في سكر جنونه وسوء ما يتوهم في ظنونه، إلى أن ركب الجمل مصلوباً، وانعكس حسابه عليه فأصبح مقلوباً.
كان هذا المذكور قد ورد القاهرة في أيام القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وأخذ يتعلق على خدمة الأميرين سيف الدين قوصون وسيف الدين بشتاك


صفحه 187

بواسطة طاجار الدوادار، ولم يكن في ذهن الناس منه شيء إلى أن دخل مع الأمير قوصون وبشتاك على السلطان في معنى النشو، على ما سيأتي في ترجمة النشو، وخاف السلطان شره، فأراد إبعاده، وولاه قوص، وتوفي السلطان الملك الناصر وهو في قوص. ولما خلع الأمير قوصون الملك المنصور أبا بكر بعث به إلى قوص، وكأنه سير إليه في السر بقتله، فقتله، وأخذ ما معه من الجواهر، ولما جاء السلطان أحمد بن الكرك وطشتمر والفخري طلبوه من قوص، وسمروه على جمل، وطافوا به شوارع القاهرة، وشمت به الناس وسبوه ولعنه، واعترف وهو على الجمل مسمر أنه هو الذي جرح القاضي شرف الدين النشو، فقال: يا أهل مصر، أنا ما أبالي بتسميري وقد قتلت ملك الكتاب وملك الترك في بلادكم، فأنا الذي جرحت النشو، وأنا الذي عمل عليه حتى أمسك وقتل، وأنا قتلت المنصور أبا بكر سلطانكم وابن سلطانكم، أو كما قال.
وكان تسميره في أواخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان المذكور رافضياً، والله أعلم بحاله وبما صار إليه في ماله.

عبد الواحد بن منصور
ابن محمد بن المنير، العلامة عز القضاة فخر الدين الجذامي الإسكندري صاحب التفسير.
سمع من السراج ابن فارس، وتفقه بعمه ناصر الدين، وله نظم ونثر، وعمل أرجوزة في السبع.


صفحه 188

وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة في يوم السبت رابع جمادى الأولى.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.

عبد الواحد بن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد ابن المسلم بن الحسن بن هلال بن الحسن بن عبد الله بن محمد، الشيخ الفقيه الفاضل الأصيل، مخلص الدين أبو المكارم، ابن الشيخ عز الدين بن فخر الدين.
سمع من جده فخر الدين في سنة ست وخمسين وست مئة، وسمع من ابن أبي اليسر، والنجم ابن النشبي. وأجاز له إبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، وعبد الحميد بن عبد الهادي وجماعة. حفظ التنبيه. وكان يكرر عليه إلى آخر وقت، واشتغل على الشيخ تاج الدين.
وكان له شعر وخدم في الجهات الدينية.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وكان عنده تعفف وانقطاع.

عبد الواحد بن علي
ابن أحمد بن محمد بن عبد الواحد، شمس الدين القرشي الحنبلي.
أخبرني من لفظه شيخنا أبو حيان، قال: كان المذكور موصوفاً بالصلاح،


صفحه 189

ويذكر عنه أنه اجتمع بالخضر عليه السلام لما سافر عن جبل لبنان واشتاق إليه، وأنشد لنفسه:
لعلك يا نسيم صبا زرود ... تعود، فقد ذوى للبين عودي
ويا نفحات أنفاس اللخزامى ... على المشتاق من لبنان عودي
قال: وأسمع الحديث وسمعنا عليه بالحكر، وكان فيه مقيماً.

عبد الواحد القيرواني
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين قال: كان عندنا بالقاهرة، وله نظم حسن، ورحل إلى الحجاز، واستوطن بمكة، وصحب ملكها أبا نمي الحسيني. وله فيه أشعار حسنة، أجاد فهيا غاية، ونظم بها نظماً كثراً، وتعرض في نظمه لأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتل بها أشنع قتل.
ومن شعره بالقاهرة مما أنشدنا بعض أصحابنا:
غليل أسى لا يهتدى لمكانه ... عزيز أسى لا يرتجى من سقامه
خذوا إن قضى في الحب عمداً بثأره ... أخا البدر يبدو في غمام لثامه
ورفقاً به لا ناله ما يشينه ... وإن كان أسقى الصب كأس حمامه