بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 186

فيه الفكر الذي عثرته أبلغ من عثرة القدم، إذ هو الملي بالإحسان في ذلك، الجدير بتوطئة ما تعذر سلوكه على السالك.
ومولدي بحلب في شعبان سنة أربع وأربعين وست مئة، وهي إذ ذاك للعلوم معالم، ولوفود الفوائد مواسم، وسمعت بها الكثير ولكن أين أصوله؟ وفقد لي في الوقعة ثبت كبير، ولكن كيف حصوله؟ فإن وجد في ذلك شيء في الأصول فهو أصل في هذه الإجازة، وإن تعذر وجوده فكم سلبت بضاعة فضل في أثناء مفازه.
وكتب: محمود بن سلمان في المحرم، سنة ست عشرة وسبع مئة.

عبد المؤمن
كان مقداماً جريئاً، شجاعاً من الخير بريئاً، لا يهاب سيول السيوف إذا تحدرت، ولا يخاف من ورد الحتوف إذا تكدرت، بلا عقل بلا دين يردانه عن الردى بلا لب بلا ثبات يصدانه عما يوجب الصدى. قد ركب هو نفسه، وذهل عن وجود حسه. لا يخشى عاقبة، ولا له من الله تعالى مراقبة، يقدم على الليث في غابة، ويرد على المطلوب ولو أن فيه تمزيق إهابة.
ولم يزل في سكر جنونه وسوء ما يتوهم في ظنونه، إلى أن ركب الجمل مصلوباً، وانعكس حسابه عليه فأصبح مقلوباً.
كان هذا المذكور قد ورد القاهرة في أيام القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وأخذ يتعلق على خدمة الأميرين سيف الدين قوصون وسيف الدين بشتاك


صفحه 187

بواسطة طاجار الدوادار، ولم يكن في ذهن الناس منه شيء إلى أن دخل مع الأمير قوصون وبشتاك على السلطان في معنى النشو، على ما سيأتي في ترجمة النشو، وخاف السلطان شره، فأراد إبعاده، وولاه قوص، وتوفي السلطان الملك الناصر وهو في قوص. ولما خلع الأمير قوصون الملك المنصور أبا بكر بعث به إلى قوص، وكأنه سير إليه في السر بقتله، فقتله، وأخذ ما معه من الجواهر، ولما جاء السلطان أحمد بن الكرك وطشتمر والفخري طلبوه من قوص، وسمروه على جمل، وطافوا به شوارع القاهرة، وشمت به الناس وسبوه ولعنه، واعترف وهو على الجمل مسمر أنه هو الذي جرح القاضي شرف الدين النشو، فقال: يا أهل مصر، أنا ما أبالي بتسميري وقد قتلت ملك الكتاب وملك الترك في بلادكم، فأنا الذي جرحت النشو، وأنا الذي عمل عليه حتى أمسك وقتل، وأنا قتلت المنصور أبا بكر سلطانكم وابن سلطانكم، أو كما قال.
وكان تسميره في أواخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان المذكور رافضياً، والله أعلم بحاله وبما صار إليه في ماله.

عبد الواحد بن منصور
ابن محمد بن المنير، العلامة عز القضاة فخر الدين الجذامي الإسكندري صاحب التفسير.
سمع من السراج ابن فارس، وتفقه بعمه ناصر الدين، وله نظم ونثر، وعمل أرجوزة في السبع.


صفحه 188

وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة في يوم السبت رابع جمادى الأولى.
ومولده سنة إحدى وخمسين وست مئة.

عبد الواحد بن عبد الحميد
ابن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن عبد الرحمن بن عبد الواحد بن محمد ابن المسلم بن الحسن بن هلال بن الحسن بن عبد الله بن محمد، الشيخ الفقيه الفاضل الأصيل، مخلص الدين أبو المكارم، ابن الشيخ عز الدين بن فخر الدين.
سمع من جده فخر الدين في سنة ست وخمسين وست مئة، وسمع من ابن أبي اليسر، والنجم ابن النشبي. وأجاز له إبراهيم بن خليل، وعبد الله بن الخشوعي، وعبد الحميد بن عبد الهادي وجماعة. حفظ التنبيه. وكان يكرر عليه إلى آخر وقت، واشتغل على الشيخ تاج الدين.
وكان له شعر وخدم في الجهات الدينية.
وتوفي رحمه الله تعالى في عاشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
وكان عنده تعفف وانقطاع.

عبد الواحد بن علي
ابن أحمد بن محمد بن عبد الواحد، شمس الدين القرشي الحنبلي.
أخبرني من لفظه شيخنا أبو حيان، قال: كان المذكور موصوفاً بالصلاح،


صفحه 189

ويذكر عنه أنه اجتمع بالخضر عليه السلام لما سافر عن جبل لبنان واشتاق إليه، وأنشد لنفسه:
لعلك يا نسيم صبا زرود ... تعود، فقد ذوى للبين عودي
ويا نفحات أنفاس اللخزامى ... على المشتاق من لبنان عودي
قال: وأسمع الحديث وسمعنا عليه بالحكر، وكان فيه مقيماً.

عبد الواحد القيرواني
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين قال: كان عندنا بالقاهرة، وله نظم حسن، ورحل إلى الحجاز، واستوطن بمكة، وصحب ملكها أبا نمي الحسيني. وله فيه أشعار حسنة، أجاد فهيا غاية، ونظم بها نظماً كثراً، وتعرض في نظمه لأصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتل بها أشنع قتل.
ومن شعره بالقاهرة مما أنشدنا بعض أصحابنا:
غليل أسى لا يهتدى لمكانه ... عزيز أسى لا يرتجى من سقامه
خذوا إن قضى في الحب عمداً بثأره ... أخا البدر يبدو في غمام لثامه
ورفقاً به لا ناله ما يشينه ... وإن كان أسقى الصب كأس حمامه


صفحه 190

غزال تضاهيه الغزالة في الضحى ... وتشبهه في البعد عن مستهامه
يموت جني الورد غماً بخده ... ألم تنظروه مدرجاً في كمامه

عبد الوهاب بن عمر
الإمام الزاهد النحوي ظهير الدين بن عمر بن عبد المنعم بن هبة الله ابن أمين الدولة الحلبي الحنفي الصوفي.
سمع من حيية الحرانية، وأجاز له شعيب الحراني، وابن الجميزي.
وحدث، وأخذ عنه محمد بن محمد بن طغريل وجماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة أربعين وست مئة.
عبد الوهاب بن عمر
أخو الشيخ صدر الدين بن الوكيل.
كان أسود الجلدة، لأن أمه كانت حبشية، تفقه وحضر المدارس، ثم إنه انسلخ من ذلك، وتمفقر وتجرد تجرد العالم.
وتوفي رحمه الله تعالى شاباً، سنة تسع وتسعين وست مئة.


صفحه 191

عبد الوهاب بن فضل الله
القاضي الكبير الخبير، الكاتب المدبر شرف الدين أبو محمد، كاتب السر، وصاحب ديوان الإنشاء بمصر والشام.
كان كاتباً مترسلاً، حسن المقاصد متوصلاً، ما كتب بين يدي الأتراك مثله، ولا عرف مقاصدهم وأتاهم كما في نفوسهم مثل بنانه الذي فاض وبله، يتحيل في عبارته، ويتجنب مستثقل الألفاظ، ويتحيد عن الألفاظ الغربية التي تهجر من الأعراب، فلا يخرج الكتاب من يده إلا عذباً فصيح الألفاظ، ظاهر المعاني، لا يحتاج إلى التنبيه والإيقاظ. يكتب خطاً لو كان للحدائق يوماً ما احتاجت للأزاهر، أو للغواني ما تحلت بالجواهر، متعه الله بحواسه الخمس، وكان يسمع البعيد ويسمع الهمس. وكان مخاديمه يحترمونه ويعظمونه، ويتوخون كبار الدر لأجل الثناء عليه وينظمونه. وكان كاملاً في فنه، حاملاً أعباء ديوانه، إذا انفرد لا تثنه.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه بريد حينه، وحل عليه من الأجل وفاء دينه.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء ثاني شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مئة.
وكان في أول أمره يلبس القماش الفاخر، ويأكل الأطعمة المنوعة الشهية، ويعمل السماعات الطيبة، ويعاشر الفضلاء مثل الشيخ بدر الدين بن مالك وغيره. ثم إنه انسلخ من ذك كله لما داخل الدولة وقتر على نفسه واختصر في ملبوسه، وانجمع عن الناس انجماعاً كلياً.


صفحه 192

وكان قد سمع في الكهولة من ابن عبد الدائم، وأجاز له ابن مسلمة وغيره.
وتنقل إلى أن صار صاحب ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة، وما كتب قدام أحد إلا وعظمة واحترامه، مثل حسام الدين لاجين، والملك الأشرف، والملك الناصر محمد بن قلاوون. والأمير سيف الدين تنكز كان يذكره كل قليل، ويجعل أفعاله قواعد يمشي الناس عليها.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن القيسراني. قال: كنت يوماً أقرأ البريد على الأمير سيف الدين تنكز، فتحرك على دائر المكان طائر، فالتفت إليه يسيراً ورجع إلي، وقال: كنت يوماً بالمروج، وشرف الدين بن فضل الله يقرأ علي بريداً جاء من السلطان، والصبيان قد رموا جلمة على عصفور، فاشتغلت بالنظر إليها، فبطل القراءة وقال: يا خوند، إذا قرأت عليك كتاب السلطان اجعل بالك كله مني، ويكون كلك عندي، ولا تشتغل بغيري أبداً، وافهمه لفظة لفظة، أو كما قال.
وما رأى أحد ما رآه هو من تعظيم الناس له، رآه الملك الأشرف مرة، وقد قام ومشى، وتلقى أميراً، فلما حضر عنده قال: رأيتك وقد قمت من مكانك وخطوت خطوات! فقال: يا خوند، كان الأمير سيف الدين بيدار النائب قد جاء وسلم علي. فقال: لا تعد تقوم لأحد أبداً. أنت تكون عندي قاعداً وذاك واقف.
ولما توفي القاضي فتح الدين محمد بن عبد الظاهر بمصر، وقام بعده عماد الدين بن الأثير مدة يسرة طلب السلطان الملك الأشرف القاضي شرف الدين من دمشق، ورتبه بعد عماد الدين بن الأثير في صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية،


صفحه 193

فأقام بها إلى أن جاء السلطان الملك الناصر من الكرك في سنة تسع وسبع مئة. وكان قد وعد بالوظيفة للقاضي علاء الدين بن الأثير، فأخرج القاضي شرف الدين إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق عوضاً عن أخيه محيي الدين، فوصل إلى دمشق يوم السبت تاسع عشر شهر الله المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة، ولم يزل بها إلى أن توفي في التاريخ المذكور، وهو ينفذ بريداً إلى بعض النواحي.
ومتعه الله بجوارحه، لم يتغير سمعه ولا بصره، ولا تغيرت كتابته، وخلف نعمة طائلة من الأموال.
ولما مات بدمشق حضر شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود مكانه في صحابه ديوان الإنشاء بدمشق، ورثاه بقصيدة طنانة، وهي:
لتبك المعالي والنهى الشرف الأعلى ... وتبك الورى الإحسان والحلم والفضلا
وتنتحب الدنيا لمن لم تجد له ... وإن جهدت في حسن أوصافه مثلاً
ومن أتعب الناس اتباع طريقه ... فكفوا وأعيتهم طريقته المثلى
لقد أثكل الأيام حتى تجهمت ... وإن كانت الأيام لا تعرف الثكلا
وفارق منه الدست صدراً معظماً ... رحيباً يرد الحزن تدبيره سهلا
فكم حاط بالرأي الممالك فاكتفت ... به أن تعد الخيل للصون والرجلا
وكم جردت أيدي العدى نصل كيدهم ... فرد إلى أعناقهم ذلك النصلا
وكم جل خطب لا يحل انعقاده ... فأعمل فيه صائب الرأي فانحلا
وكم جاء أمر لا يطاق هجومه ... فلما تولى أمر تدبيره ولى
وكم كف محذوراً وكم فك عانياً ... وكم رد مكروهاً وكم قد جلا جلى