؟
عبد الوهاب بن فضل الله
القاضي الكبير الأثير المهيب شرف الدين النشو ناظر الخاص.
كان كالغصن قده. أو السيف حده، أو البدر محياه البهي، أو الدر كلامه الشهي. طويل القامة ممتدها، ظريف الخطرة يحسبها الناظر خطرة كاعب ويعتدا. باشر نظر الخاص فعم به إقبال الدولة، وانتشرت له السمعة والصولة، وسد مهمات لو جرى النيل ذهباً لأفناه الإنفاق، ولو نثرت النجوم دراهم لما ساعدها الإرفاد ولا الإرفاق، وبزت أموال جماعة وأرواحهم، وركدت بعدما هبت بالسعادة أرواحهم، وتمكن من السلطان فوصل وقطع، ولمع بارق سعوده وسطع، وخلاله العصر، وجلا السعد له القصر، وانفرد بالتدبير، وما خلا ذلك التثمير من التدمير، وغره ميل السلطان إليه وتقريبه، وفاته منه ما يجري به تجريبه، فعاند الناس جميعاً، ولم يكن لأحد من الخاصكية سمعياً، وأراد يتعشى بأناس فتغدوا به قبل، وفوقوا إليه من المصائب صائبات النبيل، فافترسته ليوث خوادر، وساعدت عليه المقادر، وعجز السلطان عن خلاصه، وغنموا الغفلة في افتراسه وافتراصه.
وجاءه شؤبوب الشيوب، واستخرج منه ومن أهله خبايا البيوت قبل الجيوب، فقضى تحت العقاب نحبه، ولقي بما قدم ربه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثاني صفر سنة أربعين وسبع مئة.
وفي ذلك قال القاضي علاء الدين بن فضل الله صاحب دواوين الإنشاء:
في يوم الاثنين ثاني الشهر من صفر ... نادى البشير إلى أن أسمع الفلكا
يا أهل مصر نجا موسى، ونيلكم ... وفى وفروعون وهو النشو قد هلكا
وكان النشو أولاً هو ووالده وإخوته يخدمون عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فلما انفصلوا من عنده أقاموا بطالين مدة في بيتهم، ثم إن النشو خدم عند الأمير علاء الدين أيدغمش أمير آخور، فأقام في خدمته تقدير ستة أشهر، ثم إن السلطان طلب كتاب الأمراء، فحضروا، فرآه وهو واقف وراء الجميع، وهو شاب طويل نصراني، حلو الوجه، فاستدعاه وقال له: إيش اسمك؟ فقال: النشو. قال: أنا أجعلك نشوي. ثم إنه رتبه مستوفياً في الجيزية، وأقبلت سعادته فأرضاه فيما يندبه إليه، وملأ عينه بالنهضة والكفاءة، فنقله إلى استيفاء الدولة، فباشر ذلك مدة، وخدم الناس، وأحسن معاملتهم فأحبوه.
ثم إن السلطان استسلمه على يد بكتمر الساقي وسماه عبد الوهاب، وسلم إليه ديوان ابنه آنوك، فلاحظته السعادة، ونام عنه طرف الزمان. ولما توفي القاضي فخر الدين ناظر الجيش نقل السلطان القاضي شمس الدين موسى من نظر الخاص إلى نظر الجيش، وولى النشو ناظر الخاص مع كتابة ابنه، وحج مع السلطان في تلك السنة، وهي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ولما كان مستوفياً وهو نصراني كانت أخلاقه حسنة، وفيه بشر وطلاقة ورجه وتسرع إلى قضاء حوائج الناس، ولما تولى الخاص وكثر الطلب عليه من السلطان، وزاد السلطان في الإنعامات والعمائر وبالغ في أثمان المماليك وزوج بناته وتوجه إلى الحج واحتاج إلى الكلف العظيمة المفرطة الخارجة عن الحد ساءت أخلاق النشو، ولبس للناس جلد النمر، وأنكر من يعرفه، وفتحت أبواب المصادرات للكتاب ولمن معه مال، وكان الناس يقعون معه ويقومون إلى أن جرح، فازداد الشر أضعافه، وهلك أناس كثيرون، وسلب جماعة نعمهم وذهبت أرواح، وزاد الأمر إلى أن دخل الأمير سيف الدين بشتاك والأمير سيف الدين قوصون وجماعة من الخاصكية ومعهم عبد المؤمن الذي تقدم ذكره إلى السلطان، فقال عبد المؤمن: أنا الساعة أخرج إلى النشو وأضربه بهذه السكينة، وأنت تشنقني وأريح الناس من هذا الظالم، فقال السلطان: يا أمراء متى قتل هذا بغتة راح مالي، ولكن اصبروا حتى نبرم أمراً، فلما كان ليلة الاثنين ثاني صفر الشهر المذكور اجتمع السلطان به، وقال له: غداً أريد فلاناً، فاطلع أنت من سحر لتروح وتحتاط عليه، وأحضر جماعتك ليتوجه كل واحد إلى جهة أعينها له. فلما كن من بكرة النهار طلع القلعة ودخل إليه واجتمع به وقرر الأمر معه، وقال له: اخرج حتى أخرج أنا وأعمل على إمساكه مع الأمراء، فخرج وقعد على باب الخزانة، وقال السلطان لبشتاك: اخرج إلي النشو وأمسكه، فخرج إليه وأمسكه وأمسك أخاه مجد الدين رزق الله المذكور في حرف الراء، وصهره ولي الدولة، وأخاه الأكرم، وجماعتهم، وعبيدهم، ولم يفت في ذلك الوقت إلا المخلص أخوه الكبير، فإنه كان في بعض الديرة، فجهز إليه من أمسكه وأحضره، وسمل بشتاك النشو إلى الأمير
سيف الدين برسبغا الحاجب، وعوقب هو وأخوه المخلص ووالدتهما وعبيدهم. وماتت والدتهما وأخوه المخلص تحت العقوبة في المعاصير والمقارع. ثم إن السلطان رق على النشو ورفع عنه العقوبة، ورتب له الجريحية والفراريج والشراب فاستشعروا رضا السلطان عنه، فأعيدت عليه العقوبة ومات تحتها رحمه الله تعالى.
وقيل: إن الذي تحصل من النشو ومن إخوته ومن أمه ومن عبيدهم وأخيه وصهره مبلغ ثلاث مئة ألف دينار مصرية.
وأراني النشو قبل خروجي من الديار المصرية في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة، قال: هذه أوراق فيها ثمن المماليك الذين اشتراهم السلطان من أول مباشرتي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة إلى الآن، وجملة ذلك أربعة آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار. وأما جراحته، فإنه كان من عادته متى أذن الصبح ركب من بيته في الزربية وتوجه إلى القلعة فيجلس على باب القلعة إلى أن يفتح ويدخل، فلما كان في ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع أو ثمان وثلاثين وسبع مئة ركب على عادته، فلا كان خلف الميدان عند أوله إلى جهة البحر، لحقه فارس يطرد الفرس وبيده سيف مشهور، فقال له عبده من ورائه: يا سيدي جاءك، فالتفت فرأى السيف مسلولاً، قال لي: فرفست البغلة لأحيد عنه، فأخذتني إليه، فضربه على عضده اليسار وعلى جنبه إلى مربط لباسه، ثم تقدمه وضربه ضربة أخرى إلى خلف، فوقع شاشة إلى الأرض، ولما ضربه هذه الثانية رفعت البغلة رأسها، فجاء السيف في حجاج عينها
وبعض أذنها، فلما وقع شاشه توهمه رأسه وساق وتركه، فرجع النشو إلى البيت، فقطب الجرايحي يده بست إبر وقطب جنبه باثنتي عشرة إبرة، ولو لم أر ذلك بعيني ما صدقت، فإن الناس أجمعوا على أنه ادعى ذلك ليؤذي الناس عند السلطان.
وحكى لي القاضي شرف الدين النشو من لفظه غير مرة لما تولى نظر الخاص قال: كنت أطلع مع والدي إلى القلعة بالحساب، فيتقدمني هو بحماره القوي وأنقطع أنا على الحمار الضعيف، والحساب عليه، فلا أزال أضربه بالعصا إلى أن تتكسر ثم أضربه بفردة السرموزة إلى أن تنقطع، وأطلع القلعة في أنحس حال.
وحكى لي أيضاً غير مرة قال: لما بطلنا من عند الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب أقمنا نبيع من أطرافنا وننفق علينا، إلى أن لم يبق لنا شيء، فاحتجنا يوماً ولم نجد ما نبيعه، فجمعنا السراميز العتق وسيرنا أبعناها بما أنفقناه علينا، فقال لي والدين: هذا آخر الخمول، وما بقي بعد هذا قطوع، وقد قرب الفرج.
قال: وكان لي قميص إذا خرجت أنا لبسته، وإذا خرج أخي المخلص لبسه، فلما كان ثاني يوم نزل عبدنا إلى البحر، فاصطاد لنا سمكة مليحة سمينة، فقلوناها بما فيها من الدهن، ولم يكن عندنا ما نشتري به سيرجاً، فلما كان ثاني يوم لذاك اليوم جاءني من طلبني لأخدم عند أيدغمش أمير آخور، فتوجهت وقدر الله باتصال القسمة وخلع علي، فتوجهت بالتشريف إلى الشرابشيين وأبعته واشتريت قماشاً من الشراب كثيراً وفصلناه قمصانا لما وجدناه من حرقة عدم القمصان.
عبد الوهاب بن محمد
ابن عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي، الشيخ الإمام العالم النحوي الفقيه كمال الدين ابن قاضي شهبة الشافعي.
سمع من ابن أبي الخير سباعيات الصيدلاني ورواها عنه. سمع الكتب الكبار ومسند الإمام أحمد، وله ثبت بخط الوجيه السبتي.
ومن شيوخه الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، وابن علان، وابن البخاري، والمجد بن الخليلي، وإسماعيل بن العسقلاني، والبرهان بن الدرجي، والشرف بن القواس.
كان فقيهاً فاضلاً، عارفاً بالمذهب ناقلاً، له حلقة بالجامع الأموي خلف محراب الحنابلة، قرأ عليه جماعة من الطلبة أولاد الأكابر، ومن أرباب السيوف وذوي المحابر. وكان حريصاً على التعليم، مجتهداً على التفهيم، يعيد الدرس للطالب مرات، ويطالبه بإعادته كرات، ويسمع على المشتغلين الماضي الذي تقدم، ويقيم بالمذاكرة من ربوع العلم ما تهدم، لو أمكنه صور الدرس للطالب في الخارج، ورقاه في فهمه على المعارج، وانتفع عليه بذلك جماعة، وأرخى على وجهه قناع القناعة، وكان يعتكف في الجامع الأموي شهر رمضان بكماله، ويستجلي من الخير بدور جماله.
ولم يزل على حاله إلى أن لم يكن في عدم ابن قاضي شهبة شبهة، ودس في التراب ذاك الوجه والجبهة.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده في ثاني عشر شوال سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وكان من أعيان أصحاب الشيخ تاج الدين في الفقه والأصول، ومن أعيان أصحاب أخيه شرف الدين في العربية. لازمهما وسلك طريقهما في الإشغال.
عبد الوهاب بن أحمد
ابن يحيى بن فضل الله، القاضي الرئيس شرف الدين ابن القاضي شهاب الدين ابن القاضي محيي الدين، موقع الدست بدمشق.
كان شكلاً ظريفاً، أبي النفس شريفاً، فيه شجاعة وإقدام، وفروسية ثابتة الأقدام، يلعب الكرة بالصوالج، ويصيد بالطير والحوامي ما هو في وكره والج، ويسوق في البريد فيكاد يسبق الرياح، ويثبت على ظهور الخيل من الليل إلى الليل إلى الصباح. وكتب الرقاع جيداً، ووقع على القصص متأيداً.
وكان فيه مروءة وكرم، وحدة في أخلاقه تتوقد بالضرم.
ولم يزل على حاله إلى أن ذوى غصنه الناعم، وأصبح وأعضاؤه للبلى مطاعم.
وتوفي رحمه الله تعالى ثامن عشري شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة، ودفن في تربتهم بجبل قاسيون.
استخدمه السلطان بمصر بعد دخولهم إليها، في سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين وسبع مئة، وكتب في ديوان الإنشاء مع الواده رحمه الله تعالى، ومع عمه القاضي علاء الدين. وسمع بقراءتي على الشيخ فتح الدين بن سيد الناس وغيره.
ولما رسم لوالده بكتابة سر دمشق حضر معه، وكان يدخل بالعلامة إلى الأمير علاء الدين ألطنبغا ويخرج، ويقرأ البريد عليه، وكان يؤثره ويحبه، وكان يكتب عن والده أوراق البريد وأسماء الموقعين على القصص. ولما توفي والده رحمه الله تعالى تحدث له مع القاضي ناصر الدين كاتب السر وأدخله إلى الدست موقعاً في أوائل سنة خمسين وسبع مئة أواخر أيام أرغون شاه.
الألقاب والنسب
ابن عبود: جمال الدين الحسين بن محمد.
عبيد الله بن محمد
الإمام العابد شيخ الحنفية ركن الدين أبو محمد البارساه، بالباء الموحدة وبعدها ألف وراء وسين مهملة وبعدها ألف وهاء، السمرقندي، نزيل دمشق، ومدرس الظاهرية، ومدرس النورية.
كان من كبار المذهب، تقمص منه درعه المذهب، وأصبح وحواصل علومه بيد التعليم تنهب، مكباً على التعليم والمطالعة والتفهم والمراجعة، له ورد في اليوم والليلة مئة ركعة، يحرم جفنة في الليل لذاذة الهجعة، وله حلقة في الجامع للإفادة، وللطلبة إلى حرمها في كل يوم وفاده.
ولم يزل البارساره إلى أن بار وجوده، وطفي في الماء وقوده، فأصبح في بكرة الظاهرية ملقى غريقاً، أصيلاً في الأموات عريقاً، قتل لشيء كان معه من الحطام، وقيد إلى المنية بخطام.