علي بن إبراهيم بن عبد الكريم
تاج الدين الكاتب المصري.
كان رجلاً عاقلاً، كثير السكون، فيه لطف وتودد إلى الناس. يعرف بكاتب قطلوبك، لأنه كان كاتب الأمير سيف الدين قطلوبك الكبير.
ولم يزل في الخدم الديوانية. وهو والد الشيخ الإمام العالم القاضي فخر الدين المصري الشافعي، الآتي ذكره في المحمدين إن شاء الله تعالى.
توفي في العشرين من شعبان سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بالعادلية عند ولده المذكور، ودفن بمقبرة الباب الصغير ظاهر دمشق.
علي بن إبراهيم بن خالد
الأمير علاء الدين بن جمال الدين.
كان قد باشر ولاية دمشق هو وأبوه.
وتوفي رحمه الله تعالى بقرية من قرى حوران في سابع عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبع مئة.
قال شيخنا علم الدين: رأيت سماعه على القاضي شمس الدين بن عطا الحنفي في سنن أبي داود. ويعرف بابن النحاس.
علي بن أحمد بن عبد الدائم
ابن نعمة بن أحمد، الشيخ أبو الحسن المقدسي الصالحي، قيم جامع الجبل.
سمع من البهاء عبد الرحمن، وابن صباح، وابن الزبيدي، وابن غسان، ومكرم، والإربلي، وأبي موسى الحافظ، وجماعة بدمشق، ولزم جعفر الهمداني.
كان رجلاً عابداً، فقيراً لأهوال هذه الدنيا مكابداً. ابتلي فصبر، وثبت على البلاء لما اجتاز به وعبر، وانقطع لما حصل له الزمانة، وشكر الله وما ذم زمانه.
وكان لا يبرح يتلو في المصحف بين يديه، ويتلو كل يوم ختمة يقدمها بين يديه. ودخل عليه التتار لما فتحوا الباب، وحموا له سيخاً ووضعوه في فرجه فمات في العذاب.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وست مئة عن ثمانين سنة.
علي بن أحمد بن عبد المحسن
ابن أحمد، الإمام الفقيه، العالم، المحدث، المسند، بقية المشايخ، تاج الدين
أبو الحسن العلوي الحسيني الغرافي، بالغين المعجمة والراء المشددة وبعد الألف فاء، الإسكندري الشافعي، المعدل.
سمع في الخامسة من ابن عماد وطائفة، وببغداد من أبي الحسن القطيعي، وابن بهروز، وابن القبيطي، وجماعة.
وسمع منه شيخنا الذهبي جماعة أجزاء، وانتقى عليه عوالي، وخرج لنفسه ولغيره، وحمل عنه المغاربة والرحالون، وحدثوا عنه في حياته.
وكان قد سمع من ظافر بن شحم، وابن حاتم، وعلي بن جبارة.
كان له بالحديث أنس وعناية، ومعرفة بقوانين الرواية، وكان فقيهاً نبيهاً، وفاضلاً في بلده وجيهاً. وكتابته حسنة سريعة، وإذا ألقى الطرس من يده تراه روضة مريعة.
ولم يزل على حاله إلى أن لبى من دعاه، وجاء إلى البلاد من نعاه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.
وكان شيخ دار الحديث التي أنشأها نبيه الدين بن الأبزاري بثغر الإسكندرية.
علي بن أحمد بن جعفر
ابن علي بن محمد بن عبد الظاهر بن عبد الولي بن الحسين بن عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب بن محمد بن أبي هاشم بن داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الشيخ كمال الدين الهاشمي الجعفري القوصي، نزيل إخميم، المعروف بابن عبد الظاهر.
سمع من الشيخ أبي الحسن علي بن هبة الله بن سلامة، ومن شيخه مجد الدين بن دقيق العيد، وأجازه بالتدريس على مذهب الشافعي.
وصحب الشيخ علي الكردي، وقدم عليهم قوص، فاجتمع عليه الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد والشيخ جلال الدين الدشناوي والشيخ كمال الدين هذا، وعبد الخالق بن الفقيه نصر، ولازموا الذكر بمسجد جلال بقوص.
وكان الشيخ كمال الدين هذا قد أصبح شيخ دهره، وأوحد عصره. قد جمع بين العلم والعمل، وبلغ من الصلاح كل أمل. وظهر له من الكرامات ما أخجل الشمس إذا حلت دارة الحمل. وانتشر ذكره، وصدق خبره خبره. وحكى الناس عنه أموراً في الصلاح لم تحك عمن سواه من أهل ناحيته، ولا رواها الرواة عمن هو في دائرته. وكان يحضر السماع، ويخلع فيه على الأغاني ما عليه من المتاع، وله فيه أحوال عجيبة، وإشارات مصيبة.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن عبد الظاهر في باطن الأرض، وأقام تحتها إلى يوم العرض.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبع مئة ودفن برباط إخميم، وقبره هناك يزار. ومولده سنة ثمان وثلاثين وست مئة بقوص.
وامتدحه الشيخ تاج الدين الدشناوي بأبيات منها:
محبك هذا العارف العازف الذي ... تبدى بوجه بالضياء مكلل
حليف التقي والشكر والذكر دائماً ... فلله هذا الشاكر الذاكر الولي
عزائمه العليا تضاهي مقامه ... ومقداره والسر أن أسمه علي
ألا إن لله الكمال جميعه ... وما لسواه منه حبة خردل
ومن شعر الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر:
يا عين بحق من تحبي نامي ... نامي فهواه في فؤادي نام
والله ما قلت ارقدي عن ملل ... إلا لعسى تريه في الأحلام
قلت: فيهما لحنتان خفيفتان خفيتان، ولو قال: " يا عين بمن سهرت فيه نامي " " إلا لعسى أراه في الأحلام ". لخلص من ورطة اللحن.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: حكى لي القاضي نجم الدين القمولي أن الشيخ كمال الدين رأى مرحاضاً قد أخرج ما فيه، ووضع بجانب المسجد، فقال في نفسه: لا بد أن أحمل هذا، فنازعته نفسه في ذلك، لأنه من بيت رياسة وأصالة وسيادة
وعدالة، فقال: لا بد من ذلك، ثم استدرجها إلى أن حمله في النهار، ومر به في حوانيت الشهود حتى تعجبوا منه ونسبوه إلى خبل في عقله. ثم إنه سافر إلى القاهرة، واجتمع بإبراهيم الجعبري ولازمه وانتفع به. ثم إنه استوطن إخميم، وظهرت بها كراماته وانتشرت بركاته.
وقال حكى لي صاحبنا الفقيه علاء الدين العدل علي بن أحمد الأصفوني رحمه الله تعالى وكان ثقة في نقله، قال: كنت بأدفو أخذت في العبادة، ولازمت الذكر مدة حتى خطر لي أني تأهلت. قال: وكان أخي جلال الدين غائباً عنا مدة وانقطع خبره، فحضر شخص وأخبرني أنه قدم من ألواح ونزل سيوط، فسافرت إلى سيوط، فلم أجده، وصحبت شاباً نصرانياً ورافقته في الطريق إلى سوهاي، وصار ينشدني طول الطريق شعراً، وكان جميلاً ففارقته من سوهاي، ووجدت ألماً كبيراً لمفارقته، فدخلت إخميم وعندي وجد بذلك النصرانين فحضرت ميعاد الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر، فتكلم في الميعاد، على عادته، ونظر إلي وقال: لا إله إلا الله، ثم أناس يعتقدون أنهم من الخواص، وهم من عوام العوام، قال الله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ". والنحاة يقولون: مِن للتبعيض، ومعنى التبعيض ألا ترف شيئاً من بصرك إلى شيء من المعاصي.
ثم قال: حكى لي فقير قال: كنت في خدمة شيخ، فمررنا بدار، وإذا بامرأة جميلة ورأسها خارجة من الطاق تتطلع إلى الشارع، فوقف الشيخ زماناً يتطلع إليها ويتعجب من ذلك. ثم بعد ساعة والشيخ صاح صيحة عظيمة، وإذا بالمرأة نزلت
وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فالتفت الشيخ إلى الفقير وقال: نظرت إلى هذا الجمال، فقال: أنقذني من هذا الكفر، فتوجهت إليه، فالشيخ ما نظر إلى حسن الصورة، وإنما نظر إلى صورة الحسن، فمن أراد ينظر إلى النصراني فلينظر كذا.
قال الشيخ علاء الدين: فصرخت ووقعت.
قال: وحكى لي صاحبنا محمد بن العجمي، وهو من أصحاب أبي عبد الله الأسواني قال: عمل سماع في دار ابن أمين الحكم، وحضر الشيخ ورؤساء البلد وخلق كثر، وكنت من جملة الحاضرين، فحضر القوال، وهو مظفر بالشبابات والدفوف، وقالوا شيئاً، ثم قال:
من بعد ما صد حبيبي ومار ... جا اليوم وزار
أبصرت ما كان أبركو من نهار
جاني حبيبي وبلغني المنى ... وزال عن قلبي الشقا والعنا
ودار كاس الأنس ما بيننا
يا ما أحسن الكاسات علينا تدار ... في وسط دار
أنا ومحبوبي نهاراً جهار
فقام الشيخ وقال: إي والله، أن ومحبوبي نهاراً جهار. إي والله. وطاب وخلع جميع ما عليه، وخلع الجماعة ما عليهم، ولم يبق كل أحد إلا بلباسه، ثم أرسلوا
وأحضروا ثياباً، فقال: يا مظفر، قال: لبيك، قال: ثيابي وثيابك الجماعة، الجميع لك. فشدوا كارات. فقلت: يا مظفر لولا رأس هذا المنسر معك ما قشطت ثياب الجماعة، فبلغت الشيخ فضحك.
علي بن أحمد بن الحسين
علاء الدين الأصفوني.
اشتغل بالفقه على الشيخ بهاء الدين القفطي، وتأدب على الغضنفر الأصفوني والجلال بن شواق الأسنائي وغيرهما.
كان أديباً ذكياً، سري النفس زكياً. له مكارم لم تنلها الغمائم، ومحاسن تسجع بأوصافها الحمائم. وكان له شعر ألذ من نغمات الأوتار، وأطرب من تغريد القمري في الأسحار على الأشجار. وله يد طولي في صناعة الحساب، ومباشرة في الخدم السلطانية جعلها من باب الارتزاق والاكتساب. وجلس بين الشهود بقوص وبالقاهرة، وتقمص تلك الحلة الفاخرة.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه أمر ما أطاق دفعه، وأعمل الموت فيه خفضة ورفعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.