وعدالة، فقال: لا بد من ذلك، ثم استدرجها إلى أن حمله في النهار، ومر به في حوانيت الشهود حتى تعجبوا منه ونسبوه إلى خبل في عقله. ثم إنه سافر إلى القاهرة، واجتمع بإبراهيم الجعبري ولازمه وانتفع به. ثم إنه استوطن إخميم، وظهرت بها كراماته وانتشرت بركاته.
وقال حكى لي صاحبنا الفقيه علاء الدين العدل علي بن أحمد الأصفوني رحمه الله تعالى وكان ثقة في نقله، قال: كنت بأدفو أخذت في العبادة، ولازمت الذكر مدة حتى خطر لي أني تأهلت. قال: وكان أخي جلال الدين غائباً عنا مدة وانقطع خبره، فحضر شخص وأخبرني أنه قدم من ألواح ونزل سيوط، فسافرت إلى سيوط، فلم أجده، وصحبت شاباً نصرانياً ورافقته في الطريق إلى سوهاي، وصار ينشدني طول الطريق شعراً، وكان جميلاً ففارقته من سوهاي، ووجدت ألماً كبيراً لمفارقته، فدخلت إخميم وعندي وجد بذلك النصرانين فحضرت ميعاد الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر، فتكلم في الميعاد، على عادته، ونظر إلي وقال: لا إله إلا الله، ثم أناس يعتقدون أنهم من الخواص، وهم من عوام العوام، قال الله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ". والنحاة يقولون: مِن للتبعيض، ومعنى التبعيض ألا ترف شيئاً من بصرك إلى شيء من المعاصي.
ثم قال: حكى لي فقير قال: كنت في خدمة شيخ، فمررنا بدار، وإذا بامرأة جميلة ورأسها خارجة من الطاق تتطلع إلى الشارع، فوقف الشيخ زماناً يتطلع إليها ويتعجب من ذلك. ثم بعد ساعة والشيخ صاح صيحة عظيمة، وإذا بالمرأة نزلت
وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فالتفت الشيخ إلى الفقير وقال: نظرت إلى هذا الجمال، فقال: أنقذني من هذا الكفر، فتوجهت إليه، فالشيخ ما نظر إلى حسن الصورة، وإنما نظر إلى صورة الحسن، فمن أراد ينظر إلى النصراني فلينظر كذا.
قال الشيخ علاء الدين: فصرخت ووقعت.
قال: وحكى لي صاحبنا محمد بن العجمي، وهو من أصحاب أبي عبد الله الأسواني قال: عمل سماع في دار ابن أمين الحكم، وحضر الشيخ ورؤساء البلد وخلق كثر، وكنت من جملة الحاضرين، فحضر القوال، وهو مظفر بالشبابات والدفوف، وقالوا شيئاً، ثم قال:
من بعد ما صد حبيبي ومار ... جا اليوم وزار
أبصرت ما كان أبركو من نهار
جاني حبيبي وبلغني المنى ... وزال عن قلبي الشقا والعنا
ودار كاس الأنس ما بيننا
يا ما أحسن الكاسات علينا تدار ... في وسط دار
أنا ومحبوبي نهاراً جهار
فقام الشيخ وقال: إي والله، أن ومحبوبي نهاراً جهار. إي والله. وطاب وخلع جميع ما عليه، وخلع الجماعة ما عليهم، ولم يبق كل أحد إلا بلباسه، ثم أرسلوا
وأحضروا ثياباً، فقال: يا مظفر، قال: لبيك، قال: ثيابي وثيابك الجماعة، الجميع لك. فشدوا كارات. فقلت: يا مظفر لولا رأس هذا المنسر معك ما قشطت ثياب الجماعة، فبلغت الشيخ فضحك.
علي بن أحمد بن الحسين
علاء الدين الأصفوني.
اشتغل بالفقه على الشيخ بهاء الدين القفطي، وتأدب على الغضنفر الأصفوني والجلال بن شواق الأسنائي وغيرهما.
كان أديباً ذكياً، سري النفس زكياً. له مكارم لم تنلها الغمائم، ومحاسن تسجع بأوصافها الحمائم. وكان له شعر ألذ من نغمات الأوتار، وأطرب من تغريد القمري في الأسحار على الأشجار. وله يد طولي في صناعة الحساب، ومباشرة في الخدم السلطانية جعلها من باب الارتزاق والاكتساب. وجلس بين الشهود بقوص وبالقاهرة، وتقمص تلك الحلة الفاخرة.
ولم يزل على حاله إلى أن جاءه أمر ما أطاق دفعه، وأعمل الموت فيه خفضة ورفعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة.
أثنى عليه الفاضل كمال الدين الأدفوي، ووصفه بمكارم أخلاق.
قال: لما طلع داود الذي ادعى أنه ابن سليمان من نسل العاضد إلى الصعيد في سنة سبع وتسعين وست مئة، وتحركت الشيعة، بلغ علاء الدين هذا أنه قال لبعض أهل أصفون، إنه يتحمل عنه الصلاة. فنظم علاء الدين.
ارجع ستلقى بعدها أهوالا ... لا عشت تبلغ عندنا الآمالا
يا من تجمع فيه كل نقيصة ... فلأضربن بسيرك الأمثالا
وزعمت أنك للتكالف حامل ... وكذا الحمار يحمل الأثقالا
ولما ولى السفطي قوص سنة إحدى عشرة وسبع مئة، وكان بصره ضعيفاً جداً حتى قيل إنه لا يبصر به شيئاً. وكان القاضي فخر الدين ناظر الجيش قد قام في ولايته. قال علاء الدين:
قالوا تولى الصعيد أعمى ... فقلت: لا بل بألف عين
وبلغه شعر الشيخ عبد القادر الجيلي، وهو:
ما في المناهل منهل يستعذب ... إلا ولي منه الألذ الأطيب
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طرباً وفي العلياء باز أشهب
فقال علاء الدين:
ما في الموارد مورد يستنكد ... إلا ولي فيه الأمر الأنكد
أنا قنبر الأحزان أملأ طلحها ... حزناً وفي السفلى غراب أسود
علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر
الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو الحسن الآمدي الحنبلي العابر.
كان شيخاً مهيباً، يقظاً لبيباً، فهيماً أريباً، صالحاً صدوقاً، ثقة إذا كان نطوقاً، عابراً للرؤيا، عارفاً بأحوال الدنيا، أضر في أخر عمره، وكان إلى ذلك نهاية أمره.
وكانت تبدو منه عجائب مع عماه، وصوائب من كل سهم رماه، إلى أن فتن به القان غازان، وأنعم عليه بما زاد وبما زان. وكانت له منامات غريبة الكون، تدل على أنه له من الله نعم العون.
ولم يزل على حاله إلى أن بلغ الآمدي إلى مداه، وتجاوز عمره ببلوغ رداه.
وتوفي رحمه الله تعالى بعد سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
وكانت له حكايات عجيبة تحكى عنه، منها أنه أهدى إليه بعض أصحابه نصفية حسنة، فسرقت، فرأى في نومه شيخه الإمام مجد الدين عبد الصمد بن أحمد بن أبي الجيش المقرئ شيخ القراء ببغداد، وهو يقول له: النصفية أخذها فلان وأودعها عند فلان، اذهب وخذها منه. فلما استيقظ قال في نفسه: الشيخ مجد الدين كان صدوقاً في حياته، وكذلك هو بعد وفاته. فذهب إلى الرجل الذي ذكره، فدق عليه الباب، فخرج إليه، فقال: أعني النصفية التي أودعها فلان عندك، فقال: نعم، فدخل وأخرجها له، فأخذها وذهب، ولم يقل له شيئاً. وجاء السارق بعد ذلك
إلى المودع يطلب النصفية، فقال له: جاء الشيخ زين الدين الآمدي، وطلبها على لسانك، فأعطيته إياها. فبهت السارق وبقي حائراً، ولم يعنفه الشيخ ولا واخذ.
ومنها أنه قال: رأيت في المنام كأن شخصاً أطعمني دجاجة مطبوخة، فأكلت منها ثم استيقظت وبقيتها في يدي. وهذا شيء عجيب.
وهذه الوقائع مشهورة عنه في تلك البلاد.
ولما دخل القان غازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن جنكزخان بغداد في سنة..... وتسعين وست مئة، ذكر له الشيخ زين الدين المذكور، فقال: إذا جئت غدا المدرسة المستنصرية أجتمع به، فلما أتاها احتفل الناس له واجتمع بالمدرسة أعيان بغداد وأكابرها من القضاة والعلماء والعظماء، وفيهم الشيخ زين الدين لتلقي غازان، فأمر غازان أكابر أمرائه أن يدخلوا المدرسة قبله واحداً بعد واحد. ويسلم كل منهم على زين الدين، ويوهمه الذين معه أنه هو السلطان امتحاناً له، فجعل الناس كلما قدم أمير يزهزهون له ويعظمونه، ويأتون إلى زين الدين ليسلم عليه، والشيخ زين الدين يرد عليه السلام من غير تحرك له ولا احتفال، حتى جاء السلطان في دون من تقدمه من الأمراء في الحفل، وسلم على الشيخ وصافحه، فحين وضع يده في يديه نهض له قائماً، وقبل يده، وأعظم ملتقاه والاحتفال به، وبالغ في الدعاء له باللسان المغلي ثم بالتركي ثم بالفارس ثم بالرومي ثم بالعربي، ورفع به صوته إعلاماً للناس. فعجب غازان من فطنته وذكائه وحدثه ذهنه مع ضرره. ثم إن السلطان خلع عليه في الحال ووهبه مالاً ورسم له بمرتب في كل شهر ثلاث مئة درهم، وحظي عنده وعند أمرائه ووزرائه وخواتينه.
وكان يتجر في الكتب، وعنده كتب كثيرة جداً، وإذا طلب منه إنسان كتاباً نهض إلى كتبه، وأخرجه من بينها. وإن كان الكتاب عدة مجلدات، وطلب منه الأول مثلاً أو الثاني أو الثالث أو غيره أخرجه بعينه. وكان يمس الكتاب أولاً، ثم يقول: يشتمل هذا المجلد على كذا كذا كراسة، فيكون الأمر كما قال: وإذا مر بيده على الصفحة قال: عدد أسطرها كذا كذا سطراً، فيها بالقلم الغليظ هذا وهذا، المواضع كتبت به، وفيها بالأحمر هذا وهذا، المواضع كتبت به. وإن اتفق أنها كتبت بخطين أو ثلاثة، قال: اختلف الخط من هنا إلى هنا، من غير إخلال بشيء منها مما يمتحن به.
وكان لا يفارق الإشغال والاشتغال في غالب أوقاته، وللناس عليه إقبال عظيم لدينه وورعه.
ومن تصانيفه: جواهر التبصير في علم التعبير، وله تعاليق كثيرة في الفقه والخلاف وغير ذلك. وانتفع به جماع.
علي بن أحمد بن سعيد
ابن محمد ابن الأثير، القاضي الكبير الصدر علاء الدين أبو الحسن بن القاضي تاج الدين الحلبي الأصل ثم المصري، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية أيام السلطان الملك الناصر محمد.
وكان السلطان لما توجه في المرة الأخيرة إلى الكرك توجه القاضي علاء الدين معه فأقام عنه مدة، ووعده بالمنصب، وأعاده إلى القاهرة. ولما قدم السلطان من الكرك أباع القاضي علاء الدين إكديشا كان عنده بمئة وعشرين درهماً، واشترى بذلك
حلوى، وتوجه للقاء السلطان، فلما استقر له الأمر، قال السلطان للأمير الدوادار: اكتب إلى محيي الدين بن فضل الله، وقل له يكتب إلى أخيه القاضي شرف الدين ليطلب مني دستوراً في التوجه إلى الشام، وأنا أستحيي أن أبدأه بالخورج من مصر. فكتب محيي الدين إلى أخيه بذلك فلم يلتفت إليه، وقال: أنا ما أعيش بعقل يحيى. ولما علم السلطان بذلك رسم للقاضي شرف الدين بن فضل الله في أوائل المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بأن يكون صاحب ديوان الإنشاء بدمشق عوضاً عن أخيه القاضي محيي الدين، وتولى القاضي علاء الدين بن الأثير مكانه في كتابة السر بالديار المصرية في سابع عشر ذي الحجة يوم الثلاثاء سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وكان القاضي شرف الدين له على السلطان خدم كثيرة، وإنما لما خرج إلى الكرك جهز معه القاضي علاء الدين بن الأثر، وكان في تلك الأيام صغيراً بين الجماعة، فنقم السلطان ذلك، ونسبه إلى شرف الدين، ووعد القاضي علاء الدين بالمنصب.
ولما ولاه عظمه وقربه وكرمه وأنعم عليه ونوه بقدره، وبلغ منه في المكانة العالية ما لم يبلغه أحد. وكان يأمره السلطان بأشياء إلى نواب الشام، ويقول له: اكتب إليهم بكذا وكذا عنك، فيكتب إليهم بما أمره، حتى إلى الأمير سيف الدين تنكز، فزادت عظمته في القلوب ووجاهته، وكان يركب بستة عشر مملوكاً من الأتراك، فيهم ما هو بعشرة آلاف درهم وأكثر. وكان أخيراً يقف هؤلاء المماليك في خدمته بالديوان سماطين ولا يتكلم إلا بالتركي، ومماليكه يقربون كلامه للناس.
وكان فيه ذكاء وعنده نباهة، وحسن كتابة، فيها للنواظر نزاهة، وتدبير يعينه على التقدم والوجاهة، وإحسان إلي من يعرفه، وجود على من يحضر إليه من الشام ويصرفه. أنشأ جماعة وقدمهم في الدولة، وجعل لهم بنظره إليهم أبهة في النفوس وصوله. واقتنى