بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 271

لم ينكد عليه في منصبه، ولا رأى فيه ما ارتاع بسببه. ماشياً فيه على السداد، سالكاً فيه سبل الرشاد. يعظمه نواب السلطنة بالشام، ويثنون على ما له من القضايا والأحكام.
وكان لا يمل من قراءة القرآن، ولا يفتر لسانه عن سرد آياته في كل زمان ومكان إلى أن سأل في النزول عن منصب القضاء لولده، وإيثاره به لما دار في خلده. فأجابه السلطان إلى ما قصده وعجل له الأمر الذي رصده. فلازم بيته آناء الليل وأطراف النهار، ويعمل على خلاصة في غد إذا وقف على شفا جرف هار.
إلى أن حان مصرعه، وآن من ورد المنية مكرعه.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الاثنين ثامن عشري الحجة سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ودفن بالمزة.
وكان الأمير تنكز رحمه الله تعالى قد ولاه تدريس المدرسة القايمازية بعد وفاة الشيخ رضي الدين المنطيقي في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، فكتبت أنا توقيعه بذلك. ونسخته: الحمد لله الذي جعل عماد الدين علياً، وأيد شرعه المطهر بمن رقى بعلمه سموا


صفحه 272

وأصبح للوصي سميا، ورفع قدر من إذا كان في حفل همى ندى وحنى ندياً، وهدى الناس بأعلام علمه التي إذا خفقت كم هزمت كميا وقادت إلى الحق أبياً.
نحمده على نعمه التي جعلت العلماء للأنبياء ورثة، وأقامت بهم الحجة على من نكب عن الحق أو نقض الميثاق ونكثه، ونفت بهم شبه الباطل عن الدين القيم كما ينفي الكير خبثه. وجعلت كل حبر منهم إذا نطق في المحافل جاء بالسحر الحلال من فيه ونفثه.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ندخرها في المعاد خير عدة، ونأمن بها يوم الفزع الأكبر إذا ضاق على الناس خناق الشدة، ونجدها في الصحائف نوراً يضيء لنا إذا كانت وجوه الذين كذبوا على الله مسودة. وتجعل أيدينا على قطاف ثمار الرحمة وجنى غصونها ممتدة.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله خير من هدى الخلق ببرهانه، وأشرف من قضى بين الناس بالحق وفرقانه، وأعز مزن دفع في صدور البلغاء بنان بيانه، وأكرم من أطلق في ملكوت الله عز وجل عنان عيانه.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين رووا لأوليائهم السنة، ورووا من أعدائهم الأسنة، وأضحت طريقهم لطالب هدية الهدى مطية المظنة، وأمسوا حرباً لحزب الشيطان الذين جعل الله في آذانهم وقراً وعلى قلوبهم أكنة، صلاة تطلق جياد الألسنة في ميدانها الأعنة، وتبلغهم أمانيهم التي بايعهم عليها بأن لهم الجنة.


صفحه 273

وبعد، فلما كان العلم الشريف هو لدين حافظ نظامه، وضابط أحكامه في حلاله وحرامه، بنشره يطيب نشر الإيمان وأرجه، ويتسع من صدر الجاهل بأحكام ربه تعالى ضيقه وحرجه. والعلماء هم الذين يرعون سوامه ويراعون، ويقدمون على منع من يتعدى حدود الله تعالى فما يهابون ولا يهانون ولا يراعون. وكفى بالعلماء فخراً أنهم للأمة أئمة الاقتداء، وأن مدادهم جعله الله بإزاء دم الشهداء.
وقد خلت في هذه الأيام المدرسة القايمازية، أثاب الله واقفها، ممن ينشر فيها أعلام العلم، ويبدي في مباحثه مع خصومه معنى الحرب في صورة السلم، وينبت في رياض دروسها دقائق النعمان، ويثبت في حياض غروسها دقائق النعمان.
تعين أن يقع الاختيار على من يحيى بدروسه ما درس من مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، رضي الله عنه، ويجدد بفضائله التي أتقن فنونها ما رث من أقواله التي لا توجد إلا فيه، ولا تؤخذ إلا منه.
وكن المجلس العالي القضائي العمادي أبو الحسن علي الطرسوسي، أدام الله أيامه، وأعز بالطاعة أحكامه، هو الذي تفرد بهذه المزايا، وجمع هذه الخلال الحميدة والسجايا، تضع الملائكة له إذا خطا في العلم الأجنحة، ويتخذ الناس إذا اضطروا لدفع الأذى عنهم من صلاح الأسلحة، قد أراد الله به خيراً لما وفقه وفقهه في الدين، وأقامه حجة قاطعة ولكن في أعناق الملحدين، تنقاد المشكلات لذهنه الوقاد في أسلس قياد، وتشيد أفكاره الدقيقة للنعمان إمامة ما لا شادته من المجد للنعمان أشعار زياد،


صفحه 274

وتبيت النجوم الزهر ناظرة إلى محاسن مباحثه من طرفها الخفي، وتنكف الألسنة الحداد من خصومه إذا جادلهم وتنكفي، ويأتي بالأدلة التي هي جبال لا تنسفها مغالط النسفي.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله تعالى أن يفوض إليه تدريس المدرسة المذكورة. فليظهر عرائس فضله المجلوه، ويبرز نفائس نقله المخبوه، وليطرز دروسه بدقائقه التي بهرت، ويزد المباحث رونقاً بعبارته التي سحرت الألباب وما شعرت، إذ هو الحاكم الذي سيف قلمه إذا أمضاه كان في الدماء محكماً، والحبر الذي لا يقاس به البحر وإن كان القياس في مذهبه مقدماً، والعالم الذي إذا نهض بالإملاء فهو به ملي، والفاضل الذي إن كان العلم مدينة فبابها علي.
وليتعهد المشتغلين بالمدرسة بمطالبة محفوظهم، والحث والحض على الأخذ بزيادة العلم، فإن ذلك أسعد حظوظهم، والحفظ والجدل جناحا العلم ويداه، وبهما يتسلط الطالب على مقاربة المدى وإن كان العلم لا نهاية لمداه. فمن استحق رقياً على غيره فليرقه، وليوفه حقه؛ فإنه إذا نظر الحاكم في أمره وصل إلى حقه.
والتقوى هي ملاك الأمور وقوامها، وصلاح الأحوال ونظامها، على أنه أدام الله أيامه هو الذي يشرع الوصايا لأربابها، ويعلم المتأدب كيف يأتي البيوت من


صفحه 275

أبوابها. وإنما أخذ القلم على العادة نصيبه، وأتى بنكت ومن علم العوان الخمرة كانت منه عجيبة.
والله يوفق أحكامه السديدة، ويمتع الأيام بمحاسنه، فإنها في الناس باب القصد وبيت القصيدة، والخط الكريم أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكان قد وصل تقليده من الديار المصرية بقضاء قضاة الحنفية بالشام عوضاً عن قاضي القضاة صدر الدين الحنفي البصروي في نصف شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وخلع عليه، وقرئ تقليده يوم الجمعة بجامع دمشق، وولي الحكم مع تدريس المدرسة النورية، واستناب في الحكم عنه القاضي عماد الدين إسماعيل بن محمد بن أبي العز الحنفي.
وكان قاضي القضاة عماد الدين صاحب هذه الترجمة ينوب أولاً في الحكم عن قاضي القضاة صدر الدين، فلما توفي رحمه الله تعالى عين هو للمنصب لجودة أحكامه وحسن سيرته. وكان قد باشر النيابة بعد موت القاضي شمس الدين بن العز الحنفي في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.


صفحه 276

علي بن أحمد بن زفر
ابن أحمد بن مظفر الإربلي، الدنباوندي الأصل، الشيخ الفاضل عز الدين أبو الحسن الصوفي.
كان فقيراً قانعاً، خبيراً نافعاً، محفوظه كثير، وملفوظه غزير، حسن المجالسة، كثير المؤانسة. رأى بلاداً عديدة، وأنفق فيها مدة مديدة، ونظر في علوم كثيرة، وحصل منها فوائد إذا ذكرها تخجل اللآلئ النثيرة.
وكان ضبطه جيداً، ونقله مقيداً، وزكي في الطلب فلم يعالج تورعاً، وفعل ذلك تبرعاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أربد وجه الإربلي، ومحي أثره تحت الثرى وبلي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ويم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة بإربل.
وكان قد سافر البلاد وأقام بتبريز وماردين وغيرها من المدن.
وكان قد رتب بمدرسة الطب، وزكي، وأذن له في العلاج. ولم ينتصب لذلك.
كان صوفياً بدويرة حمد، وساكناً بها، وكان قد اختار مقام دمشق إلى أن مات.


صفحه 277

علي بن أحمد بن محمد
ابن أبي بكر بن عمر بن الشيخ علي الحداد، المؤذن بالجامع الأموي بدمشق.
كان له شعر ومدائح نبوية، وكان ينشد في المحافل والمجالس. وتعلم صناعة الحدادة بالعقيبة، وأذن بالمرشدية، والصاحبية، وجامع النيرب، وبيروت. وحج غير مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة خمس وخمسين تقريباً.

علي بن أحمد بن عبد الرحمن
ابن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الإمام الخطيب فخر الدين أبو الحسن بن قاضي القضاة نجم الدين أبي العباس ابن الشيخ قاضي القضاة شمس الدين أبي محمد الخطيب بالجامع المظفري بسفح قاسيون.


صفحه 278

توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد حادي عشري شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وقد قارب الخمسين.
سمع من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره.
وحدث، وفوض أمر الخطابة إلى خاله الشيخ عز الدين محمد بن الشيخ عز الدين إبراهيم بن الشيخ شرف الدين ابن الشيخ أبي عمر، وإلى ابن أخته نجم الدين أحمد بن قاضي القضاة عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة، بينهما على الاشتراك.

علي بن أحمد بن محمد الأمير
السيد الشريف علاء الدين العباسي. أحد أمراء العشرات بدمشق.
أول ما عرفت من أمره أنه كان والياً بالقدس، ثم إن الأمير سيف الدين أخذه وجعله أستاذ داره الكبير في بابه. ولما أمسك هو في جملة مباشري ديوانه، ووزن شيئاً في تلك المرة، ثم إنه تولى شد الأوقاف في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وتداول هو والأمير حسام الدين بن النجيبي هذه الوظيفة مرات، ثم إنه قوي عليه بانتمائه إلى الفخري، ثم أعطي إمرة عشرة مع الوظيفة.