بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 273

وبعد، فلما كان العلم الشريف هو لدين حافظ نظامه، وضابط أحكامه في حلاله وحرامه، بنشره يطيب نشر الإيمان وأرجه، ويتسع من صدر الجاهل بأحكام ربه تعالى ضيقه وحرجه. والعلماء هم الذين يرعون سوامه ويراعون، ويقدمون على منع من يتعدى حدود الله تعالى فما يهابون ولا يهانون ولا يراعون. وكفى بالعلماء فخراً أنهم للأمة أئمة الاقتداء، وأن مدادهم جعله الله بإزاء دم الشهداء.
وقد خلت في هذه الأيام المدرسة القايمازية، أثاب الله واقفها، ممن ينشر فيها أعلام العلم، ويبدي في مباحثه مع خصومه معنى الحرب في صورة السلم، وينبت في رياض دروسها دقائق النعمان، ويثبت في حياض غروسها دقائق النعمان.
تعين أن يقع الاختيار على من يحيى بدروسه ما درس من مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، رضي الله عنه، ويجدد بفضائله التي أتقن فنونها ما رث من أقواله التي لا توجد إلا فيه، ولا تؤخذ إلا منه.
وكن المجلس العالي القضائي العمادي أبو الحسن علي الطرسوسي، أدام الله أيامه، وأعز بالطاعة أحكامه، هو الذي تفرد بهذه المزايا، وجمع هذه الخلال الحميدة والسجايا، تضع الملائكة له إذا خطا في العلم الأجنحة، ويتخذ الناس إذا اضطروا لدفع الأذى عنهم من صلاح الأسلحة، قد أراد الله به خيراً لما وفقه وفقهه في الدين، وأقامه حجة قاطعة ولكن في أعناق الملحدين، تنقاد المشكلات لذهنه الوقاد في أسلس قياد، وتشيد أفكاره الدقيقة للنعمان إمامة ما لا شادته من المجد للنعمان أشعار زياد،


صفحه 274

وتبيت النجوم الزهر ناظرة إلى محاسن مباحثه من طرفها الخفي، وتنكف الألسنة الحداد من خصومه إذا جادلهم وتنكفي، ويأتي بالأدلة التي هي جبال لا تنسفها مغالط النسفي.
فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله تعالى أن يفوض إليه تدريس المدرسة المذكورة. فليظهر عرائس فضله المجلوه، ويبرز نفائس نقله المخبوه، وليطرز دروسه بدقائقه التي بهرت، ويزد المباحث رونقاً بعبارته التي سحرت الألباب وما شعرت، إذ هو الحاكم الذي سيف قلمه إذا أمضاه كان في الدماء محكماً، والحبر الذي لا يقاس به البحر وإن كان القياس في مذهبه مقدماً، والعالم الذي إذا نهض بالإملاء فهو به ملي، والفاضل الذي إن كان العلم مدينة فبابها علي.
وليتعهد المشتغلين بالمدرسة بمطالبة محفوظهم، والحث والحض على الأخذ بزيادة العلم، فإن ذلك أسعد حظوظهم، والحفظ والجدل جناحا العلم ويداه، وبهما يتسلط الطالب على مقاربة المدى وإن كان العلم لا نهاية لمداه. فمن استحق رقياً على غيره فليرقه، وليوفه حقه؛ فإنه إذا نظر الحاكم في أمره وصل إلى حقه.
والتقوى هي ملاك الأمور وقوامها، وصلاح الأحوال ونظامها، على أنه أدام الله أيامه هو الذي يشرع الوصايا لأربابها، ويعلم المتأدب كيف يأتي البيوت من


صفحه 275

أبوابها. وإنما أخذ القلم على العادة نصيبه، وأتى بنكت ومن علم العوان الخمرة كانت منه عجيبة.
والله يوفق أحكامه السديدة، ويمتع الأيام بمحاسنه، فإنها في الناس باب القصد وبيت القصيدة، والخط الكريم أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكان قد وصل تقليده من الديار المصرية بقضاء قضاة الحنفية بالشام عوضاً عن قاضي القضاة صدر الدين الحنفي البصروي في نصف شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وخلع عليه، وقرئ تقليده يوم الجمعة بجامع دمشق، وولي الحكم مع تدريس المدرسة النورية، واستناب في الحكم عنه القاضي عماد الدين إسماعيل بن محمد بن أبي العز الحنفي.
وكان قاضي القضاة عماد الدين صاحب هذه الترجمة ينوب أولاً في الحكم عن قاضي القضاة صدر الدين، فلما توفي رحمه الله تعالى عين هو للمنصب لجودة أحكامه وحسن سيرته. وكان قد باشر النيابة بعد موت القاضي شمس الدين بن العز الحنفي في سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.


صفحه 276

علي بن أحمد بن زفر
ابن أحمد بن مظفر الإربلي، الدنباوندي الأصل، الشيخ الفاضل عز الدين أبو الحسن الصوفي.
كان فقيراً قانعاً، خبيراً نافعاً، محفوظه كثير، وملفوظه غزير، حسن المجالسة، كثير المؤانسة. رأى بلاداً عديدة، وأنفق فيها مدة مديدة، ونظر في علوم كثيرة، وحصل منها فوائد إذا ذكرها تخجل اللآلئ النثيرة.
وكان ضبطه جيداً، ونقله مقيداً، وزكي في الطلب فلم يعالج تورعاً، وفعل ذلك تبرعاً.
ولم يزل على حاله إلى أن أربد وجه الإربلي، ومحي أثره تحت الثرى وبلي.
وتوفي رحمه الله تعالى في ويم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين وست مئة بإربل.
وكان قد سافر البلاد وأقام بتبريز وماردين وغيرها من المدن.
وكان قد رتب بمدرسة الطب، وزكي، وأذن له في العلاج. ولم ينتصب لذلك.
كان صوفياً بدويرة حمد، وساكناً بها، وكان قد اختار مقام دمشق إلى أن مات.


صفحه 277

علي بن أحمد بن محمد
ابن أبي بكر بن عمر بن الشيخ علي الحداد، المؤذن بالجامع الأموي بدمشق.
كان له شعر ومدائح نبوية، وكان ينشد في المحافل والمجالس. وتعلم صناعة الحدادة بالعقيبة، وأذن بالمرشدية، والصاحبية، وجامع النيرب، وبيروت. وحج غير مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده بحلب سنة خمس وخمسين تقريباً.

علي بن أحمد بن عبد الرحمن
ابن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الإمام الخطيب فخر الدين أبو الحسن بن قاضي القضاة نجم الدين أبي العباس ابن الشيخ قاضي القضاة شمس الدين أبي محمد الخطيب بالجامع المظفري بسفح قاسيون.


صفحه 278

توفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد حادي عشري شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وقد قارب الخمسين.
سمع من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره.
وحدث، وفوض أمر الخطابة إلى خاله الشيخ عز الدين محمد بن الشيخ عز الدين إبراهيم بن الشيخ شرف الدين ابن الشيخ أبي عمر، وإلى ابن أخته نجم الدين أحمد بن قاضي القضاة عز الدين محمد بن قاضي القضاة تقي الدين سليمان بن حمزة، بينهما على الاشتراك.

علي بن أحمد بن محمد الأمير
السيد الشريف علاء الدين العباسي. أحد أمراء العشرات بدمشق.
أول ما عرفت من أمره أنه كان والياً بالقدس، ثم إن الأمير سيف الدين أخذه وجعله أستاذ داره الكبير في بابه. ولما أمسك هو في جملة مباشري ديوانه، ووزن شيئاً في تلك المرة، ثم إنه تولى شد الأوقاف في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا، وتداول هو والأمير حسام الدين بن النجيبي هذه الوظيفة مرات، ثم إنه قوي عليه بانتمائه إلى الفخري، ثم أعطي إمرة عشرة مع الوظيفة.


صفحه 279

ولم يزل على حاله إلى أن توفي رحمه الله تعالى في مستهل ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان شكلاً طويلاً، تام الخلق نبيلاً، له عبسة وطل جلسه، وصمت وإطراق وإعراض عمن يخاطبه وإخراق. إلا أنه ليس فيه شر، ولا عنده كر إلى الفتن ولا فر.
ولما كان الفخري بدمشق، ويئس من مجيء السلطان أحمد الناصر من الكرك، وبلغه أنه توجه إلى مصر، خطر له الخروج على المصريين، وقال: هذا عندنا رجل شريف عباسي، نقيمه نحن خليفة، ونبايعه، وما نحتاج إلى أحد من المصريين. وكان الفخري قد عني هذا علاء الدين مشد الأوقاف.

علي بن أحمد بن أسد
القاضي علاء الدين بن الأطروش، ابن أخي شمس الدين بن الأطروش، كان يعرف بالسكاكيني.
وسمع القاضي علاء الدين هذا الدارقطني على الحافظ شرف الدين الدمياطي. وكان شيخنا قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يقول: هو رفيقي في السماع على الدمياطي.


صفحه 280

وحدث بدمشق، وربما حدث بالديار المصرية.
ورد إلى دمشق في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر متولياً نظر الحسبة، وذلك في سنة ثلاث وأربعين، في أواخرها، وباشرها مباشرة جيدة بصلف ومهابة. ولم يزل بها، وهو يخدم الأمراء المصريين وغيرهم إلى أن سعى في طلبه مع الأمير سيف الدين أرغون العلاي والحجازي وغيرهم، فطلب إلى مصر في أواخر سنة خمس وأربعين، فتوجه إلى القاهرة، وباشر الحسبة بها ثم إنه عزل منها، وتولى حسبة دمشق مرة ثانية، فورد إليها بعد وفاة الشيخ عز الدين بن المنجا المحتسب في سنة ست وأربعين وسبع مئة فيما أظن، وتولى مع الحسبة نظر الأسرى بدمشق أيضاً، فباشر ذلك مدة لطيفة، وانفصل من الأسرى، وبقي على وظيفة الحسبة بدمشق، وهو مستمر على خدمة الأمراء المصريين، يسعى في العود إلى القاهرة. فطلب إليها ثانياً من دمشق في سنة.....
وأقام بها، وتولى الحسبة بالقاهرة ونظر المارستان المنصوري مرات، وعزل منهما ثم أعيد إليهما، وولي قضاء العساكر بالقاهرة أيضاً، ولما تولى علم الدين بن زنبور الوزارة عزله من وظائفه، ثم إنه أعيد إليها ثم عزل أخيراً من البيمارستان.
وبقي على الحسبة وقضاء العساكر إلى أن ورد الخبر إلى دمشق بوفاته رحمه الله تعالى وصلى عليه بالجامع الأموي صلاة الغائب يوم الجمعة عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة. وكانت وفاته بالقاهرة يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة.