رقى ابن الأطروش إلى رتبة ... باغ لها الجنة بالنار
تنصرت بغلته تحته ... فقد غدت تمشي بزنار
علي بن أرقطاي
الأمير علاء الدين بن الأمير الكبير سيف الدين الحاج أرقطاي نائب صفد وطرابلس وحمص وحلب والقاهرة، تقدم ذكر والده في مكانه.
كان ذا وجه سبحان من أبدعه، ومحيا كأن الله تعالى خلق الجمال له وأودعه. حلو الصورة، كأن المحاسن عليها مقصورة، أو صفات الجمال البارعة فيها محصورة، أو الفتنة تقابلها العيون من صورة منصوره، أو صفات الجمال البارعة فيها محصورة، أو الفتنة تقابلها العيون من صورة منصوره، إذا رأى الناظر عينيه يخال أن الكحل في جفونها قد نفض، والسحر من الزمن القديم إلا من حركاتها قد رفض، بقوام من أين للغصون الميادة حركاته، أو للقنا الذابل تحت الأسنة فتكاته، وذؤابة أورق بها من قده الغصن الرطيب، وحكت مجنون ليلى إذا خطا، فهي تخط على كثيب:
حلو الشمائل والمعاطف أهيف ... جمعت ملاحة كل حسن فيه
يختال معتدلاً فإن عبث الصبا ... بقوامه متعرضاً يثنيه
كان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى يميل إليه ميلاً شديداً، ويجد منه غراماً جعل قلبه في هواه عميداً، إلا أنه على عادته، في هواه، وقاعدة جواه، لم ينل منه إلا لذة نظره، واستجلاء قمر وجهه في دياجي شعره. طلبه وطلب أخاه إبراهيم، وكان الآخر بارع الجمال، ولكن علي هو البدر في ليالي الكمال. وكتب إلى
السلطان في معناهما، وأمرهما عنده بدمشق، لبسا تشاريفهما، وأنزلهما عنده بدار السعادة، وأقاما قريباً من شهر. وجعل علياً بطبلخاناه وإبراهيم بعشرة، وأعادهما إلى أبيهما.
وتوجه أمير علي مع والده إلى الديار المصرية، وأقام فيها مدة إلى أن هصرت يد الموت غصنه الرطب، وأعظمت على أبيه الخطب، وتوفي رحمه الله تعالى.
علي بن إسحاق
الشيخ المسند علاء الدين أبو الحسن بن الملك المجاهد صاحب الجزيرة بن السلطان بدر الدين لؤلؤ الأتابكي صاحب الموصل.
سمع من الحراني جزء ابن عرفة، والمصافحات، المخرجة له والثمانيات وغير ذلك. وسمع من ابن علاق الجمعة للنسائي.
وكان من أعيان الجند بالقاهرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بالقرافة.
ومولده ثامن عشري المحرم سنة سبع وخمسين وست مئة بجزيرة ابن عمر.
علي بن إسماعيل بن إبراهيم
ابن كسيرات، القاضي تاج الدين بن الصاحب مجد الدين المخزومي.
كان يخدم بطرابلس في وظائف الديوان من سنين.
وكان كاتباً ظريفاً شاباً، لين الشمائل، ظاهر الرئاسة، له اشتغال ونظم. سمع مع الشيخ علم الدين البرزالي كثيراً.
وتوفي رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومولده فلي مستهل الحجة سنة تسع وستين وست مئة.
علي بن إسماعيل بن أبي العلاء
ابن راشد بن محسن، الشيخ الفاضل علاء الدين أبو الحسن الدمشقي القواس الوتار.
سمع من ابن أبي اليسر والزين بن الأوحد، والبدر عمر بن محمد الكرماني. وحدث.
وكان رجلاً جيداً فاضلاً أديباً، له نظم، وعنده طرف من العربية واللغة، وذهنه جيد. وكان حسن المجالسة والمحاضرة، ملازماً لسوق القواسين، يقصده الناس في دكانه، ويصحح جماعة عليه ما يقرؤونه عليه في المواعيد وعلى الكراسي.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس صفر سنت ست وثلاثين وسبع مئة.
علي بن إسماعيل بن يوسف
الإمام العالم العامل العلامة القدوة العارف المسلك، ذو الفنون قاضي القضاة بدمشق الشافعي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، القونوي التبريزي.
سمع الحديث عن إبراهيم بن عنبر المعروف بالمارداني، وأبي العباس أحمد بن عبد الله اليونيني، وأبي العباس أحمد بن عبد الواحد الزملكاني، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وإسماعيل بن عثمان بن المعلم، وأبي الخير سلامة بن سالم الجعبري، وعبد الله بن محمد الرصافي، وأبي حفص عمر بن القواس.
وسمع بمصر من الأبرقوهي، وابن الصواف، وابن القيم، ومن الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقاضي القضاة تقي الدين أبي الفتح بن دقيق العيد، ولازمه زمناً طويلاً، يحضر عنده بالليل، وكتب له بخطه مع تحريه وضبطه على مختصر ابن الحاجب على النسخة التي هي ملكه، باحثت صاحب هذا الكتاب، ونعته وقال: فوجدته يطلق اسم الفاضل عليه استحقاقاً. وحسبك هذا الثناء من الشيخ تقي الدين رضي الله عنه وعلى من كان يطلق هذا اللفظة، أعني الفاضل.
وكان الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى جبل علوم، وطود حلوم، وبحر فضائل ومسل مسائل، فاضل الدهر وعالمه العلامة، ومن إذا ذكر الناس غيره لم يقل الإنصاف له إلا مه، عرف التفسير وكشف سر كشافه، وعلم ما يخاطب به منه وما يشافه، وخاض بحر الفقه فلو رآه الروياني لأغرقه في بحره، وحوى محاسن الحاوي، فلو عاصر الماوردي لعجز عن ثنائه الطيب وشكره، ومخض زبد الكلام، فلو تأمله السيف الآمدي لوقف فيه عند حده، أو الإمام فخر الدين لتحقق أن محصله من عنده، وحقق أصول الفقه فلو تقدم زمانه كان ابن الحاجب بين يديه نقيباً، أو البيضاوي لتسود وجوه طروسه ولم يكن في منهاجه مصيباً.
وذاق لب العربية فالفارسي يفتخر به ويقول أنا أبو علي، وابن مالك يقول: من شافعي في هذا الفن إلى هذا الولي. وخاض في لجة المعاني والبيان، فعبد
القاهر عنده عبد مقهور، وصاحب المفتاح لا نسبة له إلى من عنده خزائن المنظوم والمنثور.
وبرع في المنطق فهو من الخونجي أفضل، ومن الكاتبي أنبه، ومن الأبهري أبهر وأنبل.
وجد للجدل حتى وافقه العميدي على الخلاف، ونسف حبال النسفي وما تلافاه أحد من التلاف.
وهذب نفسه بالمعارف في التصوف، وذاب في خلواته من التشوق إلى حضرة القدس والتشوف، فلو رآه الشبلي لقال هذا الأسد، أو معروف لأنكر نفسه وقال: هذا الذي بلغ من الأشد الأشد.
هذا إلى صورة قد حسنها الذي فطرها، وشيبة بيضها الله ونورها، وأخلاق ليس للنسيم لطفها، ولا للرياض نضرتها وظرفها.
أقمام في القاهرة فملأها علماً، وجاء إلى دمشق فسرها حكماً وحلماً.
ولم يزل فيها على حاله إلى أن غاض بحره العجاج، وطفئ سراجه الوهاج.
وتوفي رحمه الله تعالى بدمشق رابع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وستين وست مئة.
ودفن بسفح قاسيون بتربة اشتريت له.
ومات بورم الدماغ بقي مريضاً أحد عشر يوماً. وكانت جنازته حافلة، وتأسف الناس عليه.
خرجوا به ولكل باك حوله ... صعقات موسى يوم دك الطور
حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه ... في كل قلب موحد محفور
تبكي عليه وما استقر قراره ... في اللحد حتى صافحته الحور
وكان الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى قد قدم دمشق في أول سنة ثلاث وتسعين وست مئة، فرتب صوفياً، ثم إنه درس بالإقبالية، ثم إنه توجه إلى الديار المصرية، وأقام بها، وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقام ثلاثين سنة على قدم واحد، إذا طلع الفجر خرج من مسكنه للصلاة بسكون ووقار، وإذا فرغ منها أخذ في إشغال الطلبة في غير ما فن إلى أن يؤذن الظهر، فيصلي، ويأكل شيئاً في بيته، ثم إنه من الظهر إلى العصر يدور، إما أن يزور أصحابه الأعزة، أو يتوجه في شفاعة لأحد قصده، أو يسلم على غائب أو يهنئ أو يعزي أو يعود مريضاً، إلى أن يتوجه إلى وظيفة الخانقاه للذكر والعبادة. هكذا أبداً لا يمر له وقت في غير ذلك.
وكان قد ولي تدريس الشريفية بالقاهرة، وبها سكنه. وكان السلطان يعظمه ويثني عليه، وكذلك الأمير سيف الدين أرغون النائب.
أخبرني القاضي ناصر الدين بن الصاحب شرف الدين كاتب السر بدمشق، قال: سمعت الأمير سيف الدين أرغون النائب يقول بحلب: ما رأيت رجلاً مثل الشيخ علاء الدين القونوي ولا ملأ عيني غيره.
وكان يعرف بالتركي وبالعجمي.
ولم يزل على حاله إلى أن توفي الشيخ كمال الدين محمد بن الزملكاني ببلبيس، وقد طلبه السلطان ليوليه قضاء دمشق، فحينئذ عين السلطان الشيخ علاء الدين لقضاء الشام، فما خرج منها إلا كارهاً. كان يقول لأصحابه الأعزة عليه: أخملني السلطان كونه لم يولني قضاء الديار المصرية، وليته كان عينني لذلك في الظاهر، وكنت أنا سألته الإعفاء من ذلك.
ولما خرج إلى الشام حمل كتبه معه على البريد، وأظنها كانت وقر خمسة عشر فرساً أو أكثر. وباشر منصب الحكم بدمشق أحسن مباشرة بصلف زائد وعفة مفرطة، ولن يكن له تهمة في الأحكام، بل رغبته وتطلعه إلى الإشغال والإفادة. وطلب الإقالة أولاً من السلطان، فما أجابه، ثم إنه لما جاء إلى الشام واستقر في دمشق، كتب إلى شيخنا العلامة تقي الدين السبكي ليناقله إلى وظائفه بالقاهرة، ويأخذ هو قضاء الشام، فما وافقه ذاك.
وكان منصفاً في بحوثه، ريضاً معظماً للآثار، ولم يغير عمته للتصوف. ولما جاء إلى دمشق، بلغني أنه أحضر القاضي فخر الدين المصري والقاضي جمال الدين ابن جملة، وحل من وسطه كيساً فيه ألف دينار، وقال: هذه جاءت معي من الديار المصرية.