وغادرت الأسرى وأسري بسرها ... تسر بما لاقت وذاقت من الأسر
فأصبحت مشتاقاً إلى ساكن الحمى ... ولم أستطع من بعد شيئاً سوى الصبر
وهي طويلة. وهذا القدر منها كاف، إذ هو شعر فاضل. أتى فيه بصناعة بديع يوهم أن ذلك شعر يسمع فيطرب، وليس كذا ما كل باسمة لبنى.
علي بن بلبان
الأمير علاء الدين بن الأمير الكبير سيف الدين البدري. تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الباء الموحدة.
وكان الأمير علاء الدين أحد أمراء الطبلخاناة بدمشق. وكان حسن السياسة، كثير الرياسة، وافر الأمانة، زائد الصيانة، عفيفاً عن أموال الرعية، سالك الطريق المرضية المرعية. قل من رأينا سلك مسلكه القويم، أو تولى أمر ناحية فسقى عدله أهلها كأساً، مزاجها من تسنيم. ما باشر جهة إلا وسد خللها، وأزاح عللها، وشفى غللها وفصم جللها، ونشر حللها. لا جرم أنه وجد له ذلك مدخراً، وجعل ذكره الطيب في الناس سمرا.
وراح إلى الله معفواً عن مغفوراً له خطأه، ودخل في قوم ضرب مثلهم بزرع أخرج شطأه.
وتوفي رحمه الله تعالى في مستهل جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة.
ولاه الأمير علاء الدين ألطنبغا ولاية نابلس لما كان بدمشق، فأجمل فيها السيرة. ثم إنه تولى ولاية الولاة بالصفقة القبلية، فأجمل سياستها، وعف عن أموال الرعايا إلى الغاية، ثم ولي نيابة الرحبة فحمدت سيرته بها، ثم عزل منها وأقام في دمشق على إمرته، ثم أعيد إلى نيابة الرحبة، ثم إنه عزل منها، ثم تولى القبلية، فزداد في حسن المباشرة والعفة عن أموال الرعايا حتى إنه كان لا يعلق التبن على خيله، ولا يشرب الماء إلا بثمن من دراهمه، ثم إن استقال فأعفي من ذلك. ثم ورد مرسوم السلطان بإعادته إلى نيابة الرحبة، وكا قد حصل له مرض استرخاء، فعاقه عن ذلك، وطولع بأمره، فورد مرسوم السلطان بأن يعفى من ذلك، ويتوجه إليها الأمير ناصر الدين محمد بن الزيبق. وبقي الأمير علاء الدين بعد ذلك قريباً من شهرين أو ثلاثة، وتوفي رحمه الله تعالى في التاريخ المقدم.
علي بن بهادر آص
الأمير علاء الدين أمير علي بن الأمير سيف الدين بهادر آص.
كان أمير عشرة، ولم يكن في دمشق من يلعب الكرة أحسن منه، يقال إنه هو بهذا اللعب كان السبب في خلاص والده، لأن تنكز كان يعظمه، ولكنه ضيع ماله وتضعضع حاله.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
علي بن بيبرس
الأمير الفاضل الذكي النحرير، علاء الدين بن الأمير الكبير ركن الدين. تقدم ذكر والده في حرف الباء مكانه.
كان هذا علاء الدين له ألمعية، وعنده لوذعية، يتوقد ذكاء وفطنة، ويتقلب ما بين حالتي منحة ومحنة. عاشر الناس وصحب الفضلاء، واجتمع بالأكابر الرؤساء والنبلاء. وطالع كتب الأدب، وعلق لنفسه واختار ودأب، وحفظ من المنظوم والمنثور جملة وافية، وعلق بدهنه من أخبار من تقدم قطعة كافية.
نشأ بمصر وأقام بدمشق وحلب، وترسل إلى سيس، فلذلك كان إذا تحدث خلب. وجلب إلى النفوس من محاسنة ما جلب. ولما عمل الحجوبية ما كان يدع أحداً يسبقه إلى كلام، وإذا قال شيئاً كان برئياً من المؤاخذة والملام. فكأنما عناه أبو الطيب بقوله:
في رتبة حجب الورى عن نيلها ... وعلا فسموه علي الحاجبا
ولي الحجوبية بحلب ثم نقل منها إلى دمشق، وكان وهو حاجب عينها، وأصلح منها ما فسد، وسد مينها، ثم عاد إلى حلب على الوظيفة، وزاد علواً في مراتبها المنيفة.
ولم يزل بها على حاله إلى أن أطبق الموت أجفانه، وأودعه تحت الأرض أكفانه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ست وخمسين وسبع مئة. وقد عدى الخمسين بقليل.
وهو أكمل الإخوة وأسعدهم وأفضلهم، سعى بنفسه إلى أن أخذ الإمرة من مصر، وكان قد كتب على يده الأمير سيف الدين يلبغا كتباً ومطالعة إلى السلطان، فاتفق تغير الدولة، فأقام هناك، وأعطي إمرة بدمشق، فجاء وأرغون شاه بدمشق نائب، سيف الدين أرغون الكاملي إليها نائباً، فخدمه، فولاه بها شد الدواوين. ولم يزل إلى أن اتفقت للكاملي تلك الكائنة مع الحلبيين، وهرب من عندهم، وجاء إلى دمشق، وتوجه منها إلى مصر، وأعيد إليها نائباً، فأحسن إلى علاء الدين بن بيبرس، لأنه ما غفل عن خدمة بيته وأهله، ولا خانة، فرعى له ذلك. ولما قدم الكاملي إلى دمشق، وطلب الأمير سيف الدين تلك الحاجب إلى مصر، خلت الوقت الوظيفة، فطلبها للأمير علاء الدين، فجاء إلى دمشق حاجباً، ولم يكن عنده غيره، لأنه عارف خبير درب، عاشر الناس ورآهم في مصر والشام، فما كان يتكلم في الدست غيره.
ثم إنه توجه إلى لد، وجاء معه إلى دمشق، وتوجه معه إلى حلب، فكان معه، فلما رسم له بالإقامة هناك، أقام عنده حاجباً، ولما طلب الكاملي إلى مصر لم يمكنه إلا الإقامة في حلب، وحضر الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائباً، فراج عليه ونفق عنده بعدما كان قد أعرض عنه. ولم يزل إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ.
وكان يستحضر شعراً كثيراً للأقدمين والمتأخرين وأهل العصر، وعلى ذهنه تواريخ ووقائع من قديم الإسلام وحديثه. وكان حلو العبارة، فصيح اللسان، يستحضر الواقعة في وقتها، ويتمثل بالشعر النادر في كتبه.
وكان غريباً في أبناء جنسه. كتبت إليه بعدما توجه من دمشق لما أقام بحلب ارتجالاً من رأس القلم في شوال سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة:
لقد أوحشت أهل الشام حتى ... سلبت ربعوها ثوب البهاء
يقبل الأرض ويشكو حظه من الأيام، وما يجده لهذه الحادثة من الآلام، وما يجرعه من الغصص لفراق مولانا الذي آنس مقامه حلب، وأوحش فراقه الشام.
وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
نعم يا مولانا، لقد شقيت دمشق ببعدك عنها، وسعدت حلب بقربك منها. وما يقول المملوك إلا كأن الله تعالى كان قد كمل محاسنها بحلولك، وأطلع الأمن فيها
بنزولك، وكاثر أنهارها بما تجريه المكارم فيها من سيولك، وفاخر أهلة أفقها بما تؤثره في طرقها حوافر خيولك، وفاضل أزاهرها النافحة بآثار جرذيولك:
فتجملت وتكملت ... فأصابها عين الكمال
ورمى الإله صفاتها ال؟ ... حسنى بحادثة الليالي
فعيوننا من ذا بوا ... ك في منازلها البوالي
وكأنما عرصاتها ... سلك وأدمعنا لآلي
ومولانا عز نصره، فيجد أمثالنا كثيراً، وأما نحن فوالله ما نجد مثله، ولا من إذا أصابنا ظمأ أفاض علينا بالجود وبله وبله. وقد حرم المملوك على نفسه المرور على باب دار مولانا الكريمة، لا أخلاها الله تعالى من المحيا الكريم، والوجه الذي يخجل البدر إذا أنار في الليل البهيم.
يا مولانا، الله يمتعنا بحياتك، ما ينسى المملوك تلك الليلة التي مرت، ومماليك بين يديك، وكأن الأنس والسعد والفضل في قبة ضربت عليك، والمسرة والإقبال والهناء خدام وقفوا لديك. ودموع المملوك ما يملك رد عنانا، ولا يخبا عقود درها وجمانها، ولا ينقطع لها خيط مزن، ولا يعلم الباعث لها ما هو، أمن سرور أو حزن. نعم، للنفس شعور بما يقع فيما بعد، وإدراك بما سوف يتجدد من النحس أو السعد.
ولما عاد المملوك تلك الليلية من عند مولانا أعز الله أنصاره ودخل مسكنه واستجن داره، نظم المملوك:
تعجب خلي من عبرتي ... وقد هطلت كالحيا الساكب
فقلت: دموعي تحاكي ندى ... علي بن بيبرس الحاجب
وبالله يقسم المملوك أن دمشق بعد مولانا ما تسكن، والعمل على الخروج منها متعين إن أمكن. فلقد كان لها بمولانا ملك الأمراء جمال وأي جمال، ورونق لا يملكه إلا البدور إذا كانت في ليالي الكمال، وعز دائم لو أن ركابه الكريم فيها يحل ويرحل، وظل ظليل لو أن مغناها ما أقفر منه ولا محل.
ما العيش فيها طيب لبعاده ... عنها ولا روض الحمى بنضير
وعلى الجملة، فدمشق لها مدة سنين في خمول، الله يجعل هذا آخره، ويرينا وجه مولانا على ما يسر من أوقات أنسه الفاخرة:
وكنا كما نهوى فيا دهر قل لنا ... أفي الوسع يوماً أو نكون كما كنا
وألطاف الله تعالى خفية بعباده، وقد يرجع الله الغريب إلى بلاده، بمنه وكرمه. أنهى ذلك إن شاء الله تعالى.
علي بن تنكز
الأمير علاء الدين أيمر علي بن الأمير الكبير المهيب سيف الدين نائب الشام.
كان يحبه والده محبة عظيمة، وأظنه من زوجه بنت الأمير سيف الدين كوكاي.
أمره السلطان الملك الناصر، ولبس التشريف والشربوش، ومشى الأمراء
والحجاب ووجوه الدولة من أرباب السيوف في خدمته من مدرسة نور الدين الشهيد إلى دار السعادة في يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
وكان لا يزال عليلاً كثير الأوجاع والأسقام، فتنكد عيش والده بذلك.
ولم يزل على ذلك إلى أن توفي رحمه الله في عشية الاثنين عند المغرب، العشرين من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ودفن في أول الليل بتربة والده التي بجوار جامعة، ظاهر دمشق.
ووجد عليه وجداً عظيماً والده، وجهز إليه السلطان أميراً كبيراً يعزيه، وجهز إليه تشريفاً عظيماً، فلبسه.
وكان قد جاء منه كتاب إلى الأمير سيف الدين بكتمر الساقي، يوصي فيه بأخته، زوج أمير أحمد بن بكتمر الساقي، وكان اسمه فيه بخط يده، لأنه كان صغيراً جداً أول ما كتب. فكتبت أنا الجواب عنه وأنا بالديار المصرية في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة، ونسخته: " أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي الأميري العلائي، وزاد العيون بآثاره كل بهجة، وسر بأبكار معانيه كل نفس وأقر بها كل مهجة، وشد ببأسه عضد والده حتى يطفئ به حر الوغى ورهجه.
صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تطوى على سلام، هو أصدق القول وأطربه لجهة، وينشر عن ثناء جعل طريقه إلى الأسماع على الرياض ونهجه.