بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 337

اجتمعت به في دمشق بالمدرسة القليجية جوار دار الذهب في شهر شوال سنة خمسين وسبع مئة، وقد ورد للحج إلى دمشق صحبة بنت صاحب ماردين، فرأيت منه حبراً كامل الفوائد، وبحراً لا تبخل أمواجه بإلقاء الفرائد، وكتبت إليه بعد ذلك سؤالاً نظمته قديماً، وهو:
ألا إنما القرآن أكبر معجز ... لأفضل من يهدى به الثقلان
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معان
ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر في طول الزمان عناني
وما ذاك إلا استطعما أهلها فقد ... نرى استطعماهم مثله ببيان
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
سألت لماذا استطعما أهلها أتى ... عن استطعماهم إن ذاك لشان
وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف ... على سبب الرجحان منذ زمان
فهاك جواباً رافعاً لنقابه ... يصير به المعنى كرأي عيان
إذا ما استوى الحالان في الحكم رجح الضمير، وأما حين يختلفان
فإن كان في التصريح إظهار حكمة ... لرفعة شان أو حقارة جان
كمثل أمير المؤمنين يقول: ذا ... وما نحن فيه، صرحوا بأمان
وهذا على الإيجاز والفظ جاء في ... جوابي منثوراً بحسن بيان


صفحه 338

فلا تمتحن بالنظم من بعد عالما ... فليس لكل بالقريض يدان
وقد قيل إن الشعر يزري بهم فلا ... تكاد ترى من سابق برهان
ولا تنسني عند الدعاء فإنني ... سأبدي مزاياكم بكل مكان
وأستغفر الله العظيم لما طغى ... به قلمي أو طال فيه لساني
والجواب المبسوط بالنثر، فهو: بسم الله الرحمن الرحيم سأل بعض الفضلاء عن الحكمة في ف؟ " استطعما أهلها " دون فاستطعماهم مع أنه أخصر؟ والجواب: قلت: والله الموفق: إنه لما كانت الألفاظ تابعة للمعاني، لم يتحتم الإضمار، بل قد يكون التصريح أولى، بل ربما يكاد يصل إلى حد الوجوب، كما سنبين إن شار الله تعالى، ويدل على الأولية قول أرباب علم البيان ما هذا ملخصه: لما كان للتصريح عمل ليس للكناية، كان لإعادة اللفظ من الحسن والبهجة والفخامة ما ليس لرجوع الضمير، انتهى كلامهم.
فقد يعدل إلى التصريح إما للتعظيم وإما للتحقير وإما للتشنيع والنداء بقبح الفعل، وإما لغيرهم، فمن التعظيم قوله تعالى: " قل هو الله أحد، الله الصمد " دون " هو ". وقوله تعالى: " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل " ولم يقل وبه. وقوله: " الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " فقد كرر لفظ الحج مرتين دون أن يقال: فمن فرضه فيهن،


صفحه 339

ولا جدال فيه "، إعلاماً بعظمة قدر الحج، وعبادته، من حيث إنها فريضة العمر، وفيها شبه عظيم بحال الموت والبعث، فناسب حال تعظيمه في القلوب التصريح باسمه ثلاث مرات.
ومه قول الخليفة أمير المؤمنين: يرسم بكذا دون أنا، إما لتعظيم ذلك الأمر أو لتقوية داعية المأمور أو نحوهما.
وقول الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما
وقول أبي تمام:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلاً
فإن إيقاع الطلب على المثل أوقع من إيقاعه على ضميره لو قال: طلبنا لك مثلاً فلم نجده.
وقول بعض أهل العصر:
إذا برقت يوماً أسرة وجهه ... على الناس قال الناس جل المنور
وأما ما يكاد يصل إلى حد الوجوب، فمثل قوله تعالى: " يا أيها النبي إنا أحللنا


صفحه 340

لك أزواجك " إلى قوله: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها " عدل عن الإضمار إلى التصريح، وكرر اسمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنبيهاً على أن تخصيصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الحكم أعني النكاح بالهبة عن سائر الناس، لمكان النبوة، وكرر اسمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنبيهاً على عظمة شأنه وجلالة قدره، إشارة إلى علة التخصيص وهي النبوة.
ومن التحقير: " فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم " " فأنزلنا على الذين ظلموا "، دون: " عليهم "، " وقالوا قلوبنا غلف، بل لعنهم الله بكفرهم " أضمر هنا، ثم لما أراد المبالغة في ذمهم صرح في الآية الثانية والثالثة بكفره فقيل " لعنة الله على الكافرين " " وللكافرين عذاب مهين ".
وأمثاله كثير، فإذا تقرر هذا الأصل، فنقول: لما كان أهل هذه القرية موصوفين بالشح الغالب واللؤم اللازب بدليل قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كانوا أهل قرية لئاماً " وقد صدر منهم بحق هذين العبدين الكريمين على الله ما صدر من المنع بعد السؤال، كانوا حقيقين بالنداء عليه بسوء الصنع، فناسب ذلك التصريح باسمهم، لما في لفظ


صفحه 341

الأهل من الدلالة على الكثرة مع حرمان هذين الفقيرين من خيرهم مع استطعمامهما إياهم، ولما دل عليه حالهم من كدر قلوبهم وعمى بصائرهم، حيث لم يتفرسوا فيهما ما تفرسه صاحب السفينة في قوله: أرى وجوه الأنبياء.
هذا ما يتعلق بالمعنى، وأما ما يتعلق باللفظ، فلما في جمع الضميرين في كلمة واحدة من استثقال، فلهذا كان قليلاً في القرآن المجيد. وأما قوله تعالى: " فسيكفيكهم الله " وقوله: " أنلزمكوها " فإنه ليس من هذا القبيل، لأنه عدول عن الانفصال إلى الاتصال الذي هو أخصر، وعند فك الضمير لا يؤدي إلى التصريح باسم ظهر، بل يقال " فسيكفيك إياهم الله "، و" أنلزمكم إياها "، فكان الاتصال أولى، لأنه أخصر، ومؤداهما واحد، بخلاف مسألتنا.
ثم هنا سؤالات، فالأول: ما الفرق بين الاستطعام والضيافة؟ فإن قلت: إنهما بمعنى، قلت: فلم خصصهما بالاستطعام، والأهل بالضيافة؟ والثاني: فلم قيل " فأبوا أن "، دون فلم، مع أنه أخصر؟ والثالث: لم قيل " أتيا أهل قرية "، دون أتيا قرية، والعرف بخلافة؟ نقول: أتيت الكوفة دون أهل الكوفة، كما قال تعالى: " ادخلوا مصر ".
والجواب عن الأول: أن الاستطعام وظيفة السائل، والضيافة وظيفة المسؤول


صفحه 342

لأن العرف يقضي بذلك، فيدعو المقيم إلى منزله القادم، يسأله ويحمله إلى منزله. وعن الثاني: أن في الإباء من قوة المنع ما ليس في فلم، لأنها تقلب المضارع إلى الماضي وتنفيه، فلا يدل على أنهم لم يضيفوهم في الاستقبال، بخلاف الإباء المقرون بأن، فإنه يدل على النفي مطلقاً، وآيته: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أي حالاً واستقبالاً.
وعن الثالث: أنه مبني على أن مسمى القرية ماذا؟ أهو الجدران وأهلها معاً حال كونهم فيها؟ أم هي فقط، أم هم فقط؟ والظاهر عندي أنه لم يطلق عليها مع قطع النظر إلى وجود أهلها وعدمهم بدليل قوله تعالى: " أو كالذي مر علي قرية وهي خاوية على عروشها " سماها قرية، ولا أهل ولا جدار قائماً، ولعدم تناول لفظ القرية إياهم في البيع إذا كانت القرية وأهلها ملكاً للبائع، وهم فيها حالة البيع، ولو كان الأهل داخلين في مسماها لدخلوا في البيع، ولثبوت المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وإنما ذكر الأهل لأنهم المقصود من سابق الكلام، دون الجدران، لأنه بمعرض حكاية ما وقع منهم من اللؤم.
فإن قلت: فما تصنع بقوله تعال: " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها " " وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون " " وضرب الله مثلاً


صفحه 343

قرية كانت آمنة " إلى آخره " واسأل القرية " فإن المراد في هذه الآيات وأمثالها الأهل والجدران؟ قلت: هو من باب المجاز بالقرينة، لأن الإهلاك إنما ينسب إليهم دونها، بدليل " أو هم قائلون " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وبطرت معيشتها، ولاستحالة السؤال من غير الأهل. على أنا نقول: لو تصور وقوع الهلاك على نفس القرية بالخسف والحريق والغريق وننحوه، لم تتعين الحقيقة، لما ذكرناه.
وهذه عجالة الوقت، ونحن على جناح السفر.
هذا صورة ما كتب به إلى الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى، وقد كنت كتبت هذا السؤال للشيخ الإمام العلامة نجم الدين علي بن داود القحفازي وأجاب عنه بجواب يأتي إن شاء الله في ترجمته.
وأجاب عنه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يجيء في ترجمته إن شاء الله تعالى.
وقرأ الشيخ زين الدين القرآن ببغداد على الشيخ عبد الله الواسطي الضرير لعاصم من طريق أبي بكر. وشرح الشاطبية على الشيخ شمس الدين بن الوراق الموصلي، وحفظ الحاوي الصغير، وشرحه على أقضى القضاة عز


صفحه 344

الدين أبي السعادات عبد العزيز بن عدي البلدي، وشرحه أيضاً على السيد ركن الدين. وقرأ مختصرات ابن الحاجب، وشرحه على السيد ركن الدين أيضاً.
وقرأ أصول الدين والمعقولات على السيد ركن الدين أيضاً، وقرأ ألفية ابن معط على الشيخ شمس الدين المعيد المعروف بابن عائشة.
وقرأ اللمع أيضاً لابن جني ببغداد على مهذب الدين النحوي، وعلى شمس الدين الحجري بفتح الحاء والجيم التبريزي مدرس العربية في المستنصرية.
وقرأ الحساب على القاضي عز الدين المذكور آنفاً، وقرأ عليه الطب أيضاً.
أجاز له جماعة، منهم الشيخ تاج الدين بن بلدجي الحنفي، وسمع عليه بعض جامع الأصول لابن الأثير، وكان يرويه عن ابن الحامض عن المصنف، وسمع أكثر شرح السنة على الشيخ تاج الدين عبد الله بن المعافي، وأجاز له الشيخ شمس الدين بن الوراق الحنبلي.
وقدم إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وسمع على الشيخ جمال الدين المزر صحيح البخاري والترمذي ومسند الشافعي، وأجزاء كثيرة. وعلى