وليمنعهم من التحاكم إلا إليه، والوقوف في التنازع إلا بين يديه، ولا يدعهم يتبذلون فإنهم سادة من فاه أو تكلم، وأشرف من تكرم أو تحلم، وبقية قوم إذا غضبوا غضبة مضرية قطر السيف دماء وتثلم، وإذا أعاروا ذرى المنابر سيداً صلى عليهم وسلم، وليأمرهم بالاتضاع لمن دونهم في المحافل والمجامع، والانقياد في الخير، فإن الناس يدخلون معهم في النسب الواسع، وليستوق المباشرين في تحصيل ما لهم وصرفه، وإنفاقه في طبقاته حين جناه وقطفه، وليحذرهم كل الحذر من الخوض فيما شجر بين الصحابة، ومن القول إنه كان الخطأ مع هذا، ومع ذلك الإصابة، فإنه لم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة، والقاتل والمقتول بين علي ومعاوية من أهل الجنة، وكل منهم اجتهد فيما ترك وأخذ، وأنعم النظر فيما تناول ونبذ، والمجتهد يخطئ تارة ويصيب، وله من الأجر على كل حال نصيب، ولكن كان الحق مع علي يدور كيف دار، ويسير مع مقاصد كيفما سار.
وأما المقالات المبتدعة، والضلالات التي خاب من شام برقها وانتجعة، فليزجرهم عن الخوض في باطلها الذي لا يعلم، ويكن عليهم في مثل ذلك قاسياً، ومن كان حازماً فليقس أحياناً على من يرحم، فقد دون أهل الباطل مقالات ابتدعوها، وزخارف لا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم من تلك العقائد التي زرعوها.
أما أمر الخلافة فإنه ثابت الأساس، واضح القياس، مأمون الالتباس، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما نهى وأمر: " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وقد ماتا قبل علي، فلو تولى الخلافة قبلهما لما صح إخبار هذا الخبر، ولا كان له من المعجزات أثر، وقد بايع علي أبا بكر فيما بعد مجتهداً، ولو كانت خلافته غير صحيحة لما سوغ نكاح الحنفية حتى أولدها محمداً، والحجج في هذا الباب كثيرة، والأدلة فيها قاطعة عند أولي البصيرة، وأنت أيها السيد أعلى الله قدرك أدرى بهذه الأمور، لأنك جهينة أخبارها، وحقيبة أسرارها التي توجد عند أخيارها دون أشرارها، فبصرهم المحجة، ولقنهم الحجة، وأقل الأقسام الإمساك عما لا عاصروه، ولا عالجوا جرحه المؤلم، ولا شاهدوا فتنة التي كانت كقطع الليل المظلم.
وأما العقائد فحذرهم من الخوض في أخطار لجتها، والركوب على ظهر محجتها، كالقول بأنه الكسف الساقط، أو أنه يأتي " في ظلل من الغمام " والرعد الضاغط، ولهذا يسلمون على ما يزمجر من السحاب، ويخالون أن الأبرق سوطه المتألق بالتهاب، أو أنه اشتبه بغيره اشتباه الغراب، واعترفوا بهذا الباطل ودانوا، وغلطوا جبريل في الوحي، فمالوا عن الهدى ومالوا أو أنه الضوء من الضوء، يعنون أنه لا فرق إلا أن أحدهما أسبق، فافترى القائل بهذا وحاد عن الحق ولم يلحق، أو أن العصمة للأئمة والمعصية جائزة على الأنبياء، فإن القائل بهذا من أكبر الضلال والأشقياء، أو أن الإمام الظاهر حجته مسورة. والمستور حجته ظاهرة، فإن ذلك
جهل وضعف في الأذهان الفاترة، أو أن الدين معرفة الإمام، فإن هذا وأمثاله تحكم منهم وإسلام، إلى غير ذلك من المقالات التي خبطوا خبط العشواء فيها، واستعملوا في القول بها من كان غمراً أو سفيهاً، فما الدين القيم إلا ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه، وأشار الخلفاء الراشدون إليه، ولزم السلف الصالح منهاجه، وقوى الكتاب والسنة والإجماع احتجاجه، فاجهد على أن يركبوا الصراط المستقيم من ذلك، واحرص على أن يسلكوا إلى الحق أوضح المسالك، وتقوى الله تعالى ملاك الوصايا، وأنت إن شاء الله تعالى لا تزال خير خدنها، وساكن عدنها، وساحب ردنها، وصاحب مدنها، فاجعلها نصب عينك، وهذا فراق بين الوصايا وبينك، والله تعالى يعين ولايتك، ويوضح لأهل الحق بالسنة عنايتك، والخط الكريم أعلاه حجة في العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
علي بن داود
ابن يحيى بن كامل بن يحيى بن جبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك بن موسى بن جبارة بن محمد بن زكري بن كليب بن جميل بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، الشيخ الإمام العلامة الفريد الكامل الفقيه الأصولي النحوي الأديب نجم الدين أبو الحسن ابن القاضي عماد الدين القرشي الأسدي الزبيري القحفازي، بالقاف والحاء المهملة، وفاء بعدها ألف وراء.
قرأ القرآن الكريم على الشيخ علاء الدين بن المطرز، وكان قد أخذ القراءات
السبع عن عماد الدين بن أبي زهران الموصلي، قرأ عليه رواية أبي عمرو من طريقي الدوري والسوسي إفراداً وجمعاً.
وأخذ الفقه عن قاضي القضاة صدر الدين علي مع الفرائض قبل أن يباشر الحكم، وأصول الفقه على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة لعنايته بمختصر ابن الحاجب، وعن الشيخ جلال الدين الخبازي الحنفي.
وقرأ في أصول الدين عقيدة الطحاوي حفظاً، واعتنى بحلها وبمطالعة كتب الأصول لأصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه، وغيرهم، وعلم العربية من الشيخ شرف الدين الفزاري، ثم عن الشيخ مجد الدين التونسي. وعلم البلاغة عن الشيخ بدر الدين بن النحوية الحموي حين جاء إلى دمشق سنة تسع وتسعين وست مئة مع الجفال، ونزل بالبادرائية، قرأ عليه كتابه ضوء المصباح، وشرحه إسفار الصباح.
والمنطق والجدل عن الشيخ سراج الدين الرومي مدرس الفرخشاهية والسفينية بالجامع الأموي.
وعلم المواقيت عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة في مقدمته التي صنفها
ثم عن الشيخ بدر الدين بن دانيال بمدينة الكرك حين جفل الأعيان إليها سنة سبع مئة في مقدمته التي صنفها في علم الإسطرلاب وهي مطولة مفيدة.
وعلم العروض فمن الكتب الموضوعة في ذلك.
وحل المترجم، وجد في الكتب الموضوعة وقد تكلم فيه كلاماً غير شاف، فأخذه بالقوة حتى كتب له فيه:
إن زرزوراً ووزه ... زودا داود زادا
فحله.
وسمع الحديث من الشيخ برهان الدين بن الدرجي فيما حول سنة ثمانين وست مئة. سمع عليه أجزاء كثيرة، وسمع موطأ مالك من قاضي القضاة جمال الدين المالكي، ومن الشيخ نجم الدين الشقراوي الحنبلي، وسمع مختصر الرعاية للمحاسبي على قاضي القضاة شرف الدين البارزي لما قدم إلى دمشق حاجاً، ومن غيرهم.
وكان الشيخ نجم الدين مجموعاً للفضائل، ممنوعاً من الرذائل، مطبوعاً على التنديب والتندير الذي يدل على لطف الشمائل، كثير الحكايات المختصرة في دروسه، والنوادر المضحكات في غصون فوائده وغروسه، لا يخل بذلك، ولا يوجد في وقت إلا وهو عليه متهالك، يضحك الثكالى، وينشط الكسالى، مع الأصول التي أحكم
قواعدها، وكثر بروقها ورواعدها، والفقه الذي تهدلت فروعه، وتملأت منه أفاويقه وضروعه، والنحو الذي برز على أقرانه في إقرائه، وظهر مذهبه الصحيح من إفرائه، قرأ عليه فيه من الأعيان جماعة، واشتهر ذلك عنه في عصره، فما ينكر أحد سماعه، لو عاصره صاحب المفصل كان عليه مفصلاً، أو صاحب التكملة كان ناقصاً، وهذا مكملاً.
وكتب المنسوب القوي، وحرر أصله السوي، وكان خطه آنق من حواشي الأصداغ، وأظرف من الحلل التي رقمت في أوان الصحة والفراغ. وله النظم الذي هو وسط، لا هو الذي ارتفع، ولا هو الذي سقط.
كان من محاسن دمشق التي يفخر بها لزمان، وغرائبها التي قلدت جيد الدهر قلائد الجمان، وقل أن اتفق مجموعه في عصر لغيره من أهل مذهبه، أو قارب مداه من يجاري إلى غاية مطلبه. وخطب بالجامع التنكزي قبل بالدموع الأردان، وعلا المنبر فما ذكر معه سجع الحمائم على البان.
ولم يزل على حاله إلى أن أصاب الموت قحف القحفازي، واختطف روحه من المنية بازي.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ونقلت مولده من خطه ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثمان وستين وست مئة.
حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، وقد تقدم ذكره، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يوماً لغزاً للجماعة وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون عليه:
يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج
أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج
فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال له الشيخ: دورت فيها زماناً حتى ظهرت لك، يريد أنه ثور يدور في الساقية.
وجئت أنا إليه في سنة سبع عشرة وسبع مئة، وسألته في أن أقرأ عليه المقامات الحريرية، فقال: أنا والله قليل الأدب.
وسمعته يوماً يقول لمنصور الكتبي رحمه الله: يا منصور! هذا أوان الحجاج، اشتر لك منهم مئتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيها جملة، فقال له: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك حرفاً قدره عشر مرات.
وقيل لي: إنه لما عمر الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى الجامع الذي له بظاهر دمشق كان قد عينوا له شخصاً من الحنفية يلقب الكشك ليكون خطيباً، فلما كان يوماً وهو يمشي في الجامع المذكور، أجري له ذكر الشيخ نجم الدين ومجموع فضله وأنه في الحنفية مثل الشيخ كمال الدين الزملكاني في الشافعية، فأحضره، واجتمع به، وتحدثا، ثم قال له وهم في الجامع يمشون: أيش تقول في هذا الجامع؟ فقال: مليح، وصحن مليح، لكن ما يليق أن يكون فيه كشك، فأعجب
ذلك الأمير سيف الدين تنكز، وأمر له بخطابة الجامع، وسمعت خطبته في أول يوم خطب به، وذلك في يوم الجمعة عاشر شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، ثم إنه رسم له بعد مدة بتدريس الركنية، فوليها سابع عشري المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. فباشرها مدة، ثم نزل عنها، وقال: لها شرط لا أقوم به، ومعلومها في الشهر جملة كثيرة، تركه تورعاً.
وكان إذا قال هذه التناديب يقولها سريعة رشقة من غير فكر ولا روية، ويقولها وهو يضحك وينبسط.
وكان يعرف الإسطرلاب، ويحل التقويم، ويشتغل في مختصر ابن الحاجب والحاجبية والألفية لابن مالك، والمقرب لابن عصفور، وفي ضوء المصباح وغيره في المعاني والبيان.
وكان قد تولى تدريس الركنية بجبل قاسيون عوضاً عن الشيخ محيي الدين أحمد بن عقبة الحنفي لما مات في المحرم سنة تسع عشرة وسبع مئة. وتولى الظاهرية عوضاً عن شمس الدين بن العز في أول صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكنت قد كتبت أليه لما وضعت تاريخي الكبير أطلب منه ما أستعين به على ترجمته على العادة في مثل ذلك، ومنه: