بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 377

العلم رمح قلمه، وأرهف سنانه، لقد أصبحت غزة به ذات عزه، وأمس كثير الفضائل وفوائد تخجل منها عزه، يقول جاره البحر: ما لي عجائبه، ولا لي لآليه، ويعجز بلديه أبو إسحاق أن يكون قوى فيه لقوافيه، ويرى الخياط أن البردة كانت قبل هذا التفصيل سدى، ويعترف الرفاء أن إبرة قلمه قد لبست من المداد الصدا، فالله يديم لبني الآداب هذه الفوائد، ويميرهم من هذه المآدب التي غصون أقلامهم في امتداحهم فوائد، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

علي بن سعيد بن سالم
علاء الدين الصبيبي، بضم الصاد المهملة، وبعدها باء موحدة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وباء ثانية نسبة إلى قلعة الصبية وهي قلعة بين صفد ودمشق، ومدينة هذه القلعة بليدة بانياس، الخياط، الشاعر المعروف بالشوش بشينين معجمتين بينما واو ساكنة والأولى مضمومة.
كان من أعاجيب الأناسي، وممن غدت لحيته وكأنها خلقت بالمواسي، ووقفت سفنه في أبحر القريض، ولم تجر لأنها قيدت بالمراسي، وأضحكت الثكالى حركاته، حتى قال الزمان: لقد بان ياسي من التعجب بعد البانياسي، ما عساي أن أقول فيمن


صفحه 378

يزعم أن أبا الطيب عنده باقل، وأن أبا تمام لم ينهض من الحضيض شعره المتثاقل. يدعي مثل هذا بتصميم، ويتبادى وما فيه شعرة من تميم.
ولم يزل في طيشه، وتقتير عيشه إلى أن دب سوس البلى في الشوش، وفتح فاهاً له قبره المرفوش.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة.
ومولده في حدود سنة ست وسبعين وست مئة.
اجتمعت به غير مرة بالجامع الأموي وبجسر اللبادين، وكان ينشدني كثيراً من شعره فأسمع العجائب والغرائب، وأشكر الله على نعمة العقل، إلا أنه كان يندر له البيت في القصيدة ونصف البيت.
وقال لي غير مرة وأنا وهو نمشي في صحن الجامع بعد ما يدير وجهه إلى القبلة: وحق هذا المعبد وما يتلى فيه، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل شعري ما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
وقال لي غير مرة: أنا والله الذي لا إله إلا هو، ما لي غرض مع المتنبي، شعري خير من شعره، وكذا يقول في أبي تمام وغيره.
ولقد قال لي مرة وأنا بجسر اللبادين: يا مولانا! ما هذا الحاتمي إلا كان إماماً


صفحه 379

عظيماً، هذا يسمي شعراء عمرنا ما سمعنا بهم، مثل الحطبة، كذا قال بالباء الموحدة، ومثل الطرماخ كذا قال، بضم الطاء وسكون الراء، وبعد الألف خاء معجمة.
وأنشدني في وقت قصيدة له ثانية جاء منها:
والليل أسود كالزنجي حالكه ... والبرق سيف له فيه جراحات
فقلت له: يا شيخ علاء الدين: عابوا عليك هذا، وقالوا: كأنك تقول: الليل أسود أسود أسود، فنفر في وقال: ما أراك أنت الآخر إلا قليل العقل مثلهم.
وقال لي مرة: يا مولانا هجاني واحد أبلم، قلت: ما قال؟ قال: قال:
في الخواصين خياط ... قالوا إن اسموا الشوش
من جهلو صار لو ... فوق راسو شر بوش
ثم مر بيده على رأسه في الهوى، وراح وجاء مرات، وقال: يا مولانا! أين الشربوش الذي على رأسي.
وقلت أنا فيه وقد تبرمت به:
كأني إذا أنشا وأنشد شعره ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
فيرمي ولا يدري فؤادي ومسمعي ... بجلمود صخر حطه السيل من عل
ونقلت من خط شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى، قال: أنشدنا لنفسه موشحاً:


صفحه 380

هل لكم من شعور بأفاعي الشعور ... حين يلدغن قلبي من كثيب الخصور
لا تزيدوا ملامي ... ما لدائي دوا
قد وهى بي غرامي ... وهوى بي الهوى
وبرى من عظامي ... جلدها والقوى
وتدانى حمامي ... آه أنى للنوى
من ذوات الخدور هل لنا من مجير ... راشقات بهدب من نشاط الفتور
من سهام الجفون ... كم بقلبي كلوم
نزحها من عيوني ... عند مي مقيم
أوردتني منوني ... وهو منهم نعيم
لذ فيهم شجوني ... أقصروا لا تلوموا
إن نار السعير جنتي مع سروري ... لا تزيدوا فعتبي كمنادي القبور

علي بن سليم بن ربيعة
القاضي الفقيه الأديب أقضى القضاة ضياء الدين الأذرعي الشافعي.
تنقل في قضاء النواحي نحواً من ستين سنة من جهة ابن الصايغ وغيره، أكبرها طرابلس وأعمالها، وناب بدمشق أياماً سنة تسع وعشرين وله نظم كثير، من ذلك: نظم التنبيه في ستة عشر ألف بيت.
وكان منطبعاً بساماً عاقلاً.


صفحه 381

توفي رحمه الله تعالى بالرملة ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله أربع وثمانون سنة.

علي بن سليمان بن أحمد
أبو الحسن الهادي بالله ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم.
كان أبوه المستكفي بالله قد عهد إليه بالخلافة بعده، فتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشرين شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وعاش أقل من عشرين سنة، ودفن في ترب جده بجوار السيد نفيسة رضي الله عنها، وفجع به والده، ووجد عليه وجداً عظيماً.

علي بن سنجر
الإمام العالم تاج الدين بن قطب الدين أبي اليمن البغدادي ابن السباك، بالسين المهملة وبالباء الموحدة المشددة، وبعدها ألف وكاف الحنفي.
عالم بغداد، وواحدها الذي يطلق عليه أنه أستاذ، انتهت إليه رئاسة المذهب بالمسنتصرية، وتفرد هناك بالعلوم الأدبية.
وكان قيماً بعرفانه، ذكياً قد مضى فضله برفعة شانه. وخطه رياض مونقه، وآفاق بالشموس مشرقه، ما يرضى أن يكون ياقوت فصاً في خاتمه، ولا يرى أن جود هذه الصناعة، ينسب إليه، لا إلى حاتمه.


صفحه 382

ونظم شعراً تجاوز به الشعرى، وظن من سمعه أن قوافيه وضعت في أذن دراً.
ولم يزل على حاله إلى أن سبك ابن السباك في بوتقة القبر، وعدم الطلبة على المصيبة به ذخائر الصبر.
وتوفي رحمه الله ...
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة، أو في ستين، في شعبان، الشك منه.
وكان قد سمع وهو كهل صحيح البخاري عن ابن أبي القاسم، وأحكام ابن تيمية منه، وإحياء علوم الدين من كمال الدين محمد بن المبارك المخرمي، ومسند الدارمي من ست الملوك، وله إجازة من أبي الفضل بن الدباب، ومحمد بن المريح.
وأخذ السبع عن أمين الدين مبارك بن عبد الله الموصلي، والمنتجب التكريتي.
وتفقه على ظهير الدين محمد بن عمر البخاري، وعلى مظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب بن الساعاتي صاحب مجمع البحرين.


صفحه 383

وقرأ الفرائض على أبي العلاء محمود الكلاباذي، والأدب على حسين بن إياز، وحفظ اللمع، ثم المفصل والبداية وأصل ابن الحاجب، وله أرجوزة في الفقه، وشرح أكثر الجامع الكبير.
ومن شعره:
هل أرى للفراق آخر عهد ... إن عمر الفراق عمر طويل
طال حتى كأننا ما اجتمعنا ... فكأن التقاءنا مستحيل
وأنشدني الإمام تقي الدين بن رافع، قال: أنشدنا المطري، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه:
الأمر أعظم مما يزعم البشر ... لا عقل يدركه كلاً ولا نظر
فانظر بعينك أو فاغمض جفونك واح؟؟ ... ذر أن تقول عسى أن ينفع الحذر
فكل قول الورى في جنب ما هو في ... نفس الحقيقة إن هم فكروا هذر
فاستغفر الله قولاً قد نطقت به ... فيما مضى وهو في الألواح مستطر
وأنشدني الحافظ نجم الدين أبو الخير سعيد الذهلي، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه:
يا نهار الهجير نجم الدين قد طلت بالصو ... م كما طال ليل هجر الحبيب
ذاك قد طال بانتظار طلوع ... مثل ما طلت بانتظار مغيب


صفحه 384

ومن شعره:
يخفي السلام علي خوف وشاته ... ويبيت لي حتى الصباح نديما
فلسانه حين التقينا صامت ... ولحاظه تقرينني التسليما
قلت: هذه تقرينني مستثقلة إلى الغاية لو أنها في النيل كدرته، أو في وجه الصباح جدرته، ولو قال: ولحاظه تهدي لي التسليما؛ لكان أحسن وأعذب في السمع.
ومن شعره:
لما غدا والشهد من ريقه ... ودونه يستشهد المستهام
ازدحم النمل على خده ... والمنهل العذب كثير الزحام
وكان قد قرأ عليه جماعة منهم: القاضي حسام الدين الغوري قاضي قضاة مصره. ولما ولي الغوري القضاء ببغداد دخل على شيخه ابن السباك بالخلعة، وقال: الحمد لله الذي جعل من غلمانك قاضي القضاة.
ورأيت أنا بخطه نسخة بالكشاف في مجلدين صغيرين وهي كتابة عظيمة صحيحة مليحة إلى الغاية.
؟

علي بن طرنطاي
الأمير علاء بن الأمير الكبير حسام الدين طرنطاي المنصوري.
كان أصغر الأخوة، وهو أمير عشرة بالديار المصرية، مليح الشكل، حسن الهيئة.
توفي رحمه الله تعالى في حادي عشر شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة، وعمل عزاؤه أياماً.