توفي رحمه الله تعالى بالرملة ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وله أربع وثمانون سنة.
علي بن سليمان بن أحمد
أبو الحسن الهادي بالله ابن أمير المؤمنين المستكفي ابن أمير المؤمنين الحاكم.
كان أبوه المستكفي بالله قد عهد إليه بالخلافة بعده، فتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشرين شوال سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة. وعاش أقل من عشرين سنة، ودفن في ترب جده بجوار السيد نفيسة رضي الله عنها، وفجع به والده، ووجد عليه وجداً عظيماً.
علي بن سنجر
الإمام العالم تاج الدين بن قطب الدين أبي اليمن البغدادي ابن السباك، بالسين المهملة وبالباء الموحدة المشددة، وبعدها ألف وكاف الحنفي.
عالم بغداد، وواحدها الذي يطلق عليه أنه أستاذ، انتهت إليه رئاسة المذهب بالمسنتصرية، وتفرد هناك بالعلوم الأدبية.
وكان قيماً بعرفانه، ذكياً قد مضى فضله برفعة شانه. وخطه رياض مونقه، وآفاق بالشموس مشرقه، ما يرضى أن يكون ياقوت فصاً في خاتمه، ولا يرى أن جود هذه الصناعة، ينسب إليه، لا إلى حاتمه.
ونظم شعراً تجاوز به الشعرى، وظن من سمعه أن قوافيه وضعت في أذن دراً.
ولم يزل على حاله إلى أن سبك ابن السباك في بوتقة القبر، وعدم الطلبة على المصيبة به ذخائر الصبر.
وتوفي رحمه الله ...
ومولده سنة إحدى وستين وست مئة، أو في ستين، في شعبان، الشك منه.
وكان قد سمع وهو كهل صحيح البخاري عن ابن أبي القاسم، وأحكام ابن تيمية منه، وإحياء علوم الدين من كمال الدين محمد بن المبارك المخرمي، ومسند الدارمي من ست الملوك، وله إجازة من أبي الفضل بن الدباب، ومحمد بن المريح.
وأخذ السبع عن أمين الدين مبارك بن عبد الله الموصلي، والمنتجب التكريتي.
وتفقه على ظهير الدين محمد بن عمر البخاري، وعلى مظفر الدين أحمد بن علي بن ثعلب بن الساعاتي صاحب مجمع البحرين.
وقرأ الفرائض على أبي العلاء محمود الكلاباذي، والأدب على حسين بن إياز، وحفظ اللمع، ثم المفصل والبداية وأصل ابن الحاجب، وله أرجوزة في الفقه، وشرح أكثر الجامع الكبير.
ومن شعره:
هل أرى للفراق آخر عهد ... إن عمر الفراق عمر طويل
طال حتى كأننا ما اجتمعنا ... فكأن التقاءنا مستحيل
وأنشدني الإمام تقي الدين بن رافع، قال: أنشدنا المطري، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه:
الأمر أعظم مما يزعم البشر ... لا عقل يدركه كلاً ولا نظر
فانظر بعينك أو فاغمض جفونك واح؟؟ ... ذر أن تقول عسى أن ينفع الحذر
فكل قول الورى في جنب ما هو في ... نفس الحقيقة إن هم فكروا هذر
فاستغفر الله قولاً قد نطقت به ... فيما مضى وهو في الألواح مستطر
وأنشدني الحافظ نجم الدين أبو الخير سعيد الذهلي، قال: أنشدنا ابن السباك لنفسه:
يا نهار الهجير نجم الدين قد طلت بالصو ... م كما طال ليل هجر الحبيب
ذاك قد طال بانتظار طلوع ... مثل ما طلت بانتظار مغيب
ومن شعره:
يخفي السلام علي خوف وشاته ... ويبيت لي حتى الصباح نديما
فلسانه حين التقينا صامت ... ولحاظه تقرينني التسليما
قلت: هذه تقرينني مستثقلة إلى الغاية لو أنها في النيل كدرته، أو في وجه الصباح جدرته، ولو قال: ولحاظه تهدي لي التسليما؛ لكان أحسن وأعذب في السمع.
ومن شعره:
لما غدا والشهد من ريقه ... ودونه يستشهد المستهام
ازدحم النمل على خده ... والمنهل العذب كثير الزحام
وكان قد قرأ عليه جماعة منهم: القاضي حسام الدين الغوري قاضي قضاة مصره. ولما ولي الغوري القضاء ببغداد دخل على شيخه ابن السباك بالخلعة، وقال: الحمد لله الذي جعل من غلمانك قاضي القضاة.
ورأيت أنا بخطه نسخة بالكشاف في مجلدين صغيرين وهي كتابة عظيمة صحيحة مليحة إلى الغاية.
؟
علي بن طرنطاي
الأمير علاء بن الأمير الكبير حسام الدين طرنطاي المنصوري.
كان أصغر الأخوة، وهو أمير عشرة بالديار المصرية، مليح الشكل، حسن الهيئة.
توفي رحمه الله تعالى في حادي عشر شوال سنة ست وعشرين وسبع مئة، وعمل عزاؤه أياماً.
؟
علي بن طغريل
الأمير علاء الدين أمير حاجب دمشق.
حضر من مصر إلى دمشق حاجباً في شهر ربع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مئة في أواخر أيام يلبغا، فما أقام إلا يسيراً حتى جرى ليلبغا ما جرى، على ما سيأتي في ترجمته، وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان المظفر حاجبي إليه والى الأمراء بدمشق بإمساك يلبغا، فلما هرب يلبغا ساق الأمير علاء الدين خلفه وجماعة من الأمراء، ورد من رد منهم، وبقي هو وراءه إلى أن اضطره إلى حماة.
حكى لي الأمير سيف الدين تمر المهمندار انه رأى هذا الأمير علاء الدين وقد جاءه اثنان من جماعة يلبغا، وطعناه برمحيهما، وأنه عطل ذلك بقفا سيفه، ولم يؤذ أحداً منهما، وكان يحكي لي ذلك، ويتعجب من فروسيته.
ولم يزل بدمشق على إمرته ووظيفته إلى أن وصل الأمير سيف الدين أرغون شاه، فأقام يدخل عليه في كل خدمة، ويطلب منه الإقالة من الشام والرجوع إلى مصر إلى أن كتب له إلى باب السلطان، وجاء الجواب بالإجابة إلى ذلك، فعاد إلى مصر في شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، وحضر الأمير سيف الدين منجك عوضه حاجباً.
وأقام الأمير علاء الدين بالقاهرة بطالاً إلى أن توفي رحمه الله تعالى في سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون مصر.
علي بن طيدمر ككز
بضم الكافين، وبعدهما زاي، الأمير علاء الدين أحد أمراء العشرات بدمشق، والده من مماليك السلطان الملك الناصر محمد.
وكان هذا ظريف القد، أسيل الخد، وجفنه يجرد سيفاً ماضي الحد، وخده كأنما ورد الورد وما رد، ظريف العمة، لبق الشمائل، يود الغصن لو ضمة، والبدر لو وهبه كماله وتمه. يتجمل به الموكب إذا كان في دارته، والأفق إذا تخيل أنه في شارته. ومع حسنه البارع فكان لطيفاً، إذا خطا رأيت الجمال به مطيفاً، سهل الإنقياد، كثير الوداد، ليس فيه شمم، ولا عنده عن طلب الميل صمم.
ولم يزل إلى أن أذبل الموت ورد خده، وكف عن جفنه غرب حده.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يبقل وجهه.
علي بن طنبغا قوين باشي
علاء الدين ابن الأمير علاء الدين نائب حمص ونائب غزة. تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الطاء.
كان هذا علي ذا صورة جميلة، وطلعة كم جعلت القلوب من حسنها دمنة، والعيون كليلة، أرشق من الغصن إذا عطفته النسمات، وأعدل من الرمح إلا أن هذا ألطف حركات، كم فتن قلباً، وجعل من الصب دمعه صبا.
بينا هو بدر في ليالي كماله إذا به قد انخسف، وبينا هو غصن يميس في اعتداله إذا هو قد انقصف، وأنشد الناس قبره:
ما أنت يا قبر لا روض ولا فلك ... من أين جمع فيك الغصن والقمر
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ومات عن اثنتين وعشرين سنة، وصلى عليه بسوق الخيل، وحضره الأمير سيف الدين والأمراء.
وكانت جنازته حافلة، وكان قد حج مرتين، وأثنى الناس عليه، وتألموا له ولوالده.
علي بن عثمان
ابن يعقوب بن عبد الحق السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد بن أبي يوسف المريني، صاحب مراكش وفاس وغيرهما، المريني، تقدم ذكر والده في مكانه.
ملك أبو الحسن هذا، رحمه الله تعالى، بعد موت والده سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. وكان سلطاناً فاضلاً، مناظراً للفقهاء ولأرباب السلاح مناضلاً.
قام بالجهاد مدة ملكه، ونظم كثيراً من البلاد في سلكه، امتشق الصوارم واعتقل الأسل، واشتار العسل من غزواته وما اختار الكسل، وباشر القتال بنفسه، وأقام وجهه للنبل مقام ترسه، ووجد ضرب المواضي أحلى من الضرب، وجاد بروحه للخطوب حتى كأنما له في قتله أرب. يكر على الأبطال، والسيف مصلت بكفه، ويقدم على الصفوف باجتهاد، كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فما حمل على جيش إلا أباده، وأبان للملائكة كره، وفره وطراده، وأجال في حومات الوغي
جياده، وارتجل المنايا للأعادي وباده، وعلى صرح الإسلام وشاده، وأصلح فساد الدهر وأهله فساده، هذا مع فضائل بحرها زخار، وعلوم نيرها سيار.
ولم يزل في جهاد مع الفرنج، وحروب نصره الله فيها، وقد ظن أنه لم ينج، إلى أن أدبر سعده، وأخلفه الزمان وعده، وطالما صدق وعده، وخانه حتى ابنه، وساعده عليه حتى أدبرت شجاعته وأقبل جبنه، وهذه قاعدة الأيام التي قل ما انخرمت، وطالما أصبحت جمراتها رماداً بعد ما اضطرمت.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وكان هذا السلطان أبو الحسن قد صادق سلطاننا الأعظم الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وهاداه وراسله، وجهز إليه التحف والطرف، وجهز إليه مرة في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة خمسين فرساً بسروجها وعددها المغربية صحبة الجهة التي حضرت للحجاز، وتدعى الحرة، وحضر معها شيء كثير من التحف النفائس.
قيل: إنها أحضرت معها صورة كرمة تحمل على رؤوس النساء، عناقيدها الجواهر النفيسة، وأحضرت من الثياب البيض الرفاع جملة وافرة. وكانت هذه السروج على كل ركاب منها طلاء ذهب، ستة سبعة دنانير، وأمر السلطان لها بجميع ما دعت حاجتها إليه من آلات الحج وزاده وماعون مائه لها ولمن حضر معها، وكان
معها فيما أظن خمس مئة نفر، ولما عادت أرسل السلطان معها من تحف مصر وقماش إسكندرية، وقماش العراق شيئاً كثيراً.
وكان قد جهز إلى مكة، شرفها الله تعالى، ختمة بخط يده، وقر بعير مذهبة مليحة في بابها، والى القدس الشريف ختمة أخرى نظيرها صحبة ابن فرقاجة، وجهز معه مبلغاً اشترى به ملكاً ووقفه على من يقوم بقراءة القرآن هنا وهنا.
وكانت المكاتبات ما تنقطع بينهما كل قليل. وورد منه كتاب على السلطان الملك الصالح إسماعيل في أواخر شعبان سنة خمس وأربعين وسبع مئة على يد كاتبه ابن أبي مدين يعزي السلطان فيه بأبيه، ويهنئه بالجلوس على تخت الملك، ويذكر واقعة جرت له، ويطلب الدعاء، ويستنجد به على الأعداء، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة: من عبد الله علي أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، المنصور بفضل الله، المتوكل عليه، المعتمد به جزيع أموره ما لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، مؤثر المرابطة والمثاغرة، ومؤازر حرب الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، شجى أهل العناد والإشراك، مانع البلاد، رافع علم الجهاد، مدوخ