البلاد، على ما رسمه رحمة الله عليه من عناية بهم متصلة، واحترام في تلك الأوقاف فوائدها به موفرة متحصلة.
وقد أمرنا مؤدي هذه لكمالكم، وموفدها على جلالكم كاتبنا الأسنى الفقيه الأجل الأحظى الأكمل أبا المجد ابن كاتبنا الشيخ الفقيه الأجل الحاج الأتقى الأرضى الأفضل الأحظى الأكمل المرحوم أبي عبد الله بن أبي مدين حفظ الله عليه رتبته، ويسر في قصد البيت الحرام بغيته، بأن يتفقد أحوال تلك الأوقاف، ويتعرف تصرف الناظر عليها، وما فعله من سداد وإسراف. ويتخير لها من يرتضى لذلك، ويحمد تصرفه فيما هنالك، وخاطبنا سلطانكم في هذا الشأن جزياً على الود الثابت الأركان، وإعلاماً بما لوالدكم رحمه الله تعالى في ذلك من الأفعال الحسان، وكمالكم يقتضي تخليد ذلك البر الجميل، وتجديد عمل ذلك الملك الجليل، وتشييد ما اشتمل عليه من الشكر الأصيل والأجر الجزيل، والتقدم بالإذن السلطاني في إعانة هذا الوافد بهذا الكتاب، على ما يتوخاه في ذلك الشأن من طرق الصواب، وثناؤنا عليكم الثناء الذي يفاوح زهر الربا، ويطارح نغم حمام الأيك مطربا.
وبحسب المصافاة ومقتضى الموالاة نشرح لكم المتزيدات بهذه الجهات، وننبئكم بموجب إبطاء إنفاذ هذا الخطاب على ذلك الجناب، وذلك أنه لما وصلنا من الأندلس الصريخ، ونادى الجهاد منا عزماً لمثل ندائه نصيخ، أنبأنا أن الكفار قد جمعوا أحزابهم من كل صوب، وحتم عليهم بابهم اللعين التناصر من كل أوب، وأن تقصد طوائفهم البلاد الأندلسية بإيجافها، وتنقص بالمنازلية أرضها من أطرافها، لتمحو كلمة
الإسلام منها، وتقلص ظل الإيمان عنها، فقدمن من يشتغل بالأساطيل من القواد، وسرنا على أثرهم إلى سبتة منتهى المغرب الأقصى وباب الجهاد.
فما وصلناها إلا وقد أخذ أخذه العدو الكفور، وسد اختطاف الطواغيت على التعاون مجاز العبور، وأتوا من أجفالهم بما لا يحصى عدداً وأرصدوها بمجمع البحر حيث المجاز إلى دفع العدا، وتقلصوا عن الانبساط في البلاد، واجتمعوا إلى جزيرة الخضراء، أعاذها الله، بكل من جمعوه من الأعاد، لكنا مع انسداد تلك السبيل وعدم أمور نستعين بها في ذلكم العمل الجميل، حاولنا إمداد تلكم البلاد بحسب الجهد، وأصرخناهم بمن أمكننا من الجند، وجهزنا أجفاناً مختلسين فرصة الإجازة وتترد على خطر من جهز الجهاد جهازه، وأمرنا لصاحب الأندلس من المال بما يجهز به حركته لمداناة حزب الضلال، وأجرينا له ولجيشه العطاء الجزل مشاهرة، وأرضخنا لهم في النوال ما نرجو به ثواب الآخرة، وجعلت أجفاننا تتردد من يمشي السواحل ويلج أبواب الخوف العاجل، لإحراز الأمن الآجل، مشحونة بالعدد الموفورة، والأبطال المشهورة، والخيل المسومة، والأقوات المقومة، فمن ناج حارب دونه الأجل، وشهيد مضى لما عند الله عز وجل، وما زالت الأجفان تتردد على ذلك الخطر، حتى تلف منها سبع وستون قطعة غزوية أجرها عند الله يدخر، ثم لم نقنع بهذا العمل والإمداد، فبعثنا أحد أولادنا أسعدهم مساهمة لأهل تلك البلاد، فلقي من هول البحر وارتجاجه، وإلحاح العدو ولجاجه، ما به الأمثال تضرب وبمثله يتحدث ويستغرب، ولما خلص لتلك العدوة بمن أبقته الشدائد نزل بإزاء الكافر الجاحد، حتى كان منه بفرسخين أو أدنى، وقد ضرب بطعن يصابح العدو ويماسيه بحرب بها يمنى، وقد كان
من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته، وقويت في الحرب إدارته، يبلون البلاء الأصدق، ولا يبالون بالعدو وهو منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف، ومنازلتها في البر نحو عامين معقوداً عليها الصف بالصف، أدى إلى فناء الأقوات بالبلد حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر مع انقطاع المدد، وبه من الخلق ما يربي على عشرة آلاف دون الحرم والولد.
فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له في عقد الصلح، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح.
فأذنا فيه الإذن العام، إذ في إصراخه وإصراخ من في طره من المسلمين توخينا ذل المرام، هنالك دعا النصارى إلى السلم فاستجابوا لداعيه، وقد كانوا علموا فناء القوت، وما استرابوا الصلح إلى عشر سنين، وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين، ولم يرزؤوا مالاً ولا عدة، ولا لقوا في خروجهم غير النزوع عن أول أرض مس الجلدة ترابها شدة، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم العطاء، وأسليناهم عما جرى بالحباء، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها، وخلع تربي على عشرة آلاف أطواقها، وأموال عمت الغني والفقير، ورعاية شملت الجميع بالعيش النضير، وكفى بالله ضر الطواغيت عما عداها، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها.
وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر أن قدم لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر، وهو المطل على هذه المدرة، والفرصة منه فيها إن شاء الله ميسرة.
حين يفترق عقد الكفار، ويفرد بهذه الجهة منه مجاوروا هذه الدار فلولا إجلابهم من كل جانب، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب، لما بالينا بأضعافهم، ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم. ولكن للموانع أحكام، ولا راد لما جرت به الأقلام، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد من العَدد والعُدد، وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر، وتربط الجياد تنتخب العُدد لوقت الظهور المنتظر، وتكون على أهبة الجهاد وعلى مرقب الفرصة عند تمكنها في الأعاد، وعند عودنا من تلك المحاولة نسير الركب الحجاز موجهاً إلى هنالكم رواحله، فأصدرنا إليكم هذا الخطاب إصدار الود الخالص والحب اللباب، وعندنا لكم ما عند أحنى الآباء، واعتقادنا فيكم في ذات الله لا يخشى جديده من البلاء، وما لكم من غرض بهذه الأنحاء، فموفى قصده على أكمل الأهواء موالي تتميمه على أجمل الآراء، والبلاد باتحاد الود متحده، والقلوب والأيدي على ما فيه من مرضاة الله تعالى معتضده، جعل الله ذلكم خالصاً لرب العباد، مذخوراً ليوم التناد، مسطوراً في الأعمال الصالحة يوم المعاد بمنه وفضله، وهو سبحانه يصل إليكم سعداً تتفاخر به سعود الكواكب، وتتضفر على الانقياد له صدور المواكب، وتتقاصر عن نيل مجده متطاولات المناكب، والسلام الأتم يخصكم كثيراً أثيراً، ورحمه الله وبركاته.
وكتب في يوم الخميس السادس والعشرين لشهر صفر المبارك من عام خمسة وأربعين وسبع مئة، صورة خط أبي الحسن المريني صاحب فارس.
وكتب في التاريخ المؤرخ.
وكنت أنا إذ ذاك في القاهرة فرسم لي بكتابة الجواب فكتبته بخطي من إنشائي، في سادس شهر رمضان المعظم سنة خمس وأربعين وسبع مئة بعد البسملة في قطع النصف بقلم الثلث:
عبد الله ووليه
صورة العلامة الشريفة ولده إسماعيل بن محمد.
السلطان الملك الصالح السيد العالم المؤيد المجاهد المثاغر المظفر المنصور، عماد الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، فاتح الأقطار، واهب الممالك والأمصار، إسكندر الزمان، مملك أصحاب المنابر والأسرة والتخوت والتيجان، ظل الله في أرضه، القائم بسنته وفرضه، مالك البحرين، خادم الحرمين الشريفين، سيد الملوك والسلاطين، جامع كلمة الموحدين، ولي أمير المؤمنين، أبو الفداء إسماعيل ابن السلطان الشهيد السعيد الملك الناصر ناصر الدنيا والدين، أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد السعيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون، خلد الله سلطانه، وجعل الملائكة أنصاره وأعوانه.
يخص المقام العالي الملك الأجل الكبير المجاهد المؤيد المرابط المثاغر المعظم المظفر المعمر الأصعد الأوحد الأمجد الأنجد السني السري، المنصور أبا السحن علي ابن أمير المسلمين أبي سعيد ابن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أمده الله بالظفر، وقرن عزمه بالتأييد في الآصال والبكر، بسلام وشت البروق وشائعه، وادخرت الكواكب ودائعه، واستوعب الزمان ماضيه ومستقبله ومضارعه، وثناء اتخذ المسك الأذفر طلائعه، ونبه للتغريد في الروض سواجعه، وجلا في كأسه من الشفق الأحمر مداماً ومن النجوم فواقعه.
عبد حمد الله على نعم أدت لنا الأمانة في عود سلطنة والدنا الموروثة، وأجلستنا على سرير مملكة زرابيها بني النجوم مبثوثة، وأحسنت بنا الخلف عن سلف عهوده في الأعناق غير منكورة ولا منكوثة.
وصلاه على سيدنا محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه الذين بلغ بجهادهم في الكفرة غاية أمله وسوله، صلاة تنحط بالرضوان سيولها، وتجر بالغفران ذيولها، ما تراسل أصحاب، وتواصل أحباب وسلامه.
ونوضح لعلمكم الكريم ورود كتابكم الكريم، وخطابكم الفائق على الدر النظيم، تفاخر الخمائل سطوره، ويصبغ خدود الورد بالخجل منثورة، وتحكي الرياض اليانعة فالألفات غصونه، والهمزات عليها طيوره، ويخلع على الآفاق حلل الأيام والليالي، فالطرس صباحه والنقس ديجوره، لفظه يطرب، ومعناه يعرب فيغرب، وبلاغته تدل على أنه آية لأن شمس بيانها طلعت من المغرب.
فاتخذنا سطوره ريحاناً، ورجعنا ألفاظه ألحاناً، ورجعنا إلى الجد فشبهنا ألفاته بظلال الرماح، وورقه بصقال الصفاح، وحروفه المعرقة بأفواه الجراح، وسطوره المنتظمة بالفرسان المزدحمة في يوم الكفاح، وانتهينا إلى ما أودعتموه من اللفظ المسجوع، والمعنى الذي يطرب طائره المسموع، والبلاغة التي فضح المتطبع فيها بيانها المطبوع.
فأما العزاء بأخيكم الوالد، قدس الله روحه وسقى عهده، وأحسن لسلفه خلفنا بعده، فلنا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة حسنة.
ولولا الوثوق بأنه في عدة الشهداء ما رأى القلب قراره ولا رأى الطرف وسنه. عاش سعيداً يملك الأرض، ومات شهيداً يفوز بالجنة يوم العرض، قد خلد الله ذكره يسير مسير الشمس في الآفاق، ويوقف على نضارة حدائقه نظرات الأحداق، وورثنا منه حسن الإخاء لكم والوفاء بعهود مودة تشبه في اللطف شمائلكم.
وأما لهناء بوارثة ملكه، والانخراط مع الملوك في سلكه، فقد شكرنا لكم منحنا هذه المنحة، وقابلناها بثناء يعطر النسيم في كل نفحة، ووقفنا عليها حمداً جعل الود علينا إيراده، وعلى أنفاس سرحة الروض شرحه، وتحققنا به حسن ودكم الجميل وكريم إخائكم الذي لا يميد طود رسوخه ولا يميل.
وأما ما ذكرتموه من أمر المصحفين الشريفين اللذين وفقتموهما على الحرمين الشريفين، وأنكم جهزتم كاتبكم الفقيه الأجل الأسنى الأسمى أبا المجد ابن كاتبكم أبي عبد الله بن أبي مدين، أعزه الله تعالى، لتفقد أحوالهما والنظر في أوقافهما فقد وصل المذكور بمن معه في حرز السلامة وأكرمنا نزلهم، وسهلنا بالترحيب سبيلهم، وجمعنا على بذل الإحسان إليهم شملهم، وحضر المذكور بين أيدينا وقربناه وسمعنا كلامه وخاطبناه، وأمرنا في أمر المصحفين الشريفين بما أشرتم، ورسمنا لنوابنا في نواحي أوقافهما بما ذكرتم، وهذا الوقف المبرور جار على أحسن عادة ألفها وأثبت قاعدة عرفها، مرعي الجوانب، محمي المنازل والمضارب آمن من إزالة رسمه، أو إدالة حكمه، بدره أبداً في مطالع تمه، وزهرة دائماً يرقص في كمه، لا يزداد إلا تخليداً، ولا إطلاق ثبوته إلى تقييداً ولا عنق اجتهاده إلا تقليداً، جرياً على عادة أوقاف ممالكنا وقاعدة تصرفنا في مسالكنا، وله زيادة الرعاية، وإفادة الحماية، ووفادة العناية.
وأما ما وصفتموه من أمر الجزيرة الخضراء وما لاقاه أهلها، ومني به من الكفار
حزنها وسهلها، فإنه شق علينا سماعه الذي أنكى أهل الإيمان وعدد به ذنوب الزمان كل قلب بأنامل الخفقان، وطالما فزتم بالظفر، ورزقتم النصر على عدوكم، فجر ذيل الهمزية وفر، ولكن الحروب سجال، وكل زمان لدائه دولة ولرجائه رجال، ولو أمكنت المساعدة لطارت بنا إليكم عقبان الجياد المسومة، وسالت على عدوكم أباطحهم بقسينا المعوجة وسهامنا المقومة، وكحلنا عيون النجوم بمراود الرماح، وجعلنا ليل العجاج ممزقاً ببروق الصفاح، واتخذنا رؤوسهم لصوالج القوائم كرات، وفرجنا مضائق الحرب بتوالي الكرات، وعطفنا عليهم الأعنة، وخضنا جداول السيوف ودسنا شوك الأسنة، وفلقنا الصخرات بالصرخات، وأسلنا العربات بالرعبات، ولكن أين الغاية من هذا المدى المتطاول، وأين الثريا من يد المتناول، وما لنا غير إمدادكم بجيوش الدعاء الذي نرفعه نحن له ورعايانا، والتوجه الصادق الذي تعرفه ملائكة القبول في سجايانا.
وأما ما فقدتموه من الأجفان التي طرقها طيف التلاف، وأم حرم فنائها الفناء وطاف به بعد الإلطاف، فقد روع هذا الخبر قلب الإسلام، ونوع له الحزن على اختلاف الإصباح والإظلام، وهذه الدار ما يخلو صفوها من كدر القدر، وطالما أنامت بالأمن أول الليل، وخاطبت بالخطب في السحر، ولكن في بقائكم من خطب العطب ومع سلامة نفسكم الكريمة فالأمر هين، لأن الدر يفدى بالذهب، وأما ما رأيتموه من الصلح فرأي عقده مبارك، وعقده ما فيه فارط عزم، وإن كان فيتدارك.
والأمر يجيء كما يجب لا كما يحب، والحروب يزور نصرها تارة ويغب، ومع اليوم غدا، وقد يرد الله الردى، ويعيد الظفر بالعدا.