يخالط الحشو أنى كان فهو له ... حثيث سير بشرق أو بمغربه
يرى حوادث لا مبدا لأولها ... في الله سبحانه عما يظن به
لو كان حياً يرى قولي ويفهمه ... رددت ما قال أقفو إثر سببه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة رداً غير مشتبه
وبعده لا أرى للرد فائدة ... هذا وجوهره مما أظن به
والرد يحسن في حالين واحدة ... لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به ... هدى وربح لديهم في تطلبه
وليس للناس في علم الكلام هدى ... بل بدعة وضلال في تكسبه
ولي يد فيه لولا ضعف سامعه ... جعلت نظم بسيطي في مهذبه
وقال: ما أنشدنيه من لفظه لما رد على ابن تميمة في الطلاق، وقد أكثر من الاحتجاج بيمين ليلى:
في كل واد بليلى واله شغف ... ما إن يزال به من مسها وصب
ففي بني عامر من حبها دنف ... ولابن تيمية من عهدها شغب
وكتب لابنه الأكبر محمد رحمه الله تعالى في سنة عشر وسبع مئة، وأنشدنيه من لفظه رحمه الله تعالى:
أبني لا تهمل نصيحتي التي ... أوصيك واسمع من مقالي ترشد
احفظ كتاب الله والسنن التي ... صحت وفقه الشافعي محمد
وتعلم النحو الذي يدني الفتى ... من كل فهم في القران مسدد
واعلم أصول الفقه علماً محكماً ... يهديك للبحث الصحيح الأيد
وأسلك سبيل الشافعي ومالك ... وأبي حنيفة في العلوم وأحمد
وطريقة الشيخ الجنيد وصحبه ... والسالكين طريقهم بهم اقتدي
وابتع طريق المصطفى في كل ما ... يأتي به من كل أمر تسعد
واقصد بعلمك وجه ربك خالصاً ... تظفر بسبل الصالحين تهتدي
واخش المهيمن وأت ما يدعو إلي؟ ... هـ وانته عما نهى وتزهد
وارفع إلى الرحمن كل ملمة ... بضراعة وتمسكن وتعبد
واقطع عن الأسباب قلبك واصطبر ... واشكر لمن أولاك خيراً وأحمد
وعليك بالورع الصحيح ولا تحم ... حول الحمى واقنت لربك واسجد
وخذ العلوم بهمة وتفطن ... وقريحة سمحاء ذات توقد
واستنبط المكنون من أسرارها ... وابحث عن المعنى الأسد الأرشد
وعليك أرباب العلوم ولا تكن ... في ضبط ما يلقونه بمفند
فإذا أتتك مقالة قد خالفت ... نص الكتاب أو الحديث المسند
فاقف الكتاب ولا تمل عنه وقف ... متأدباً مع كل حبر أوحد
فلحوم أهل العلم سمت للجنا ... ة عليهم فاحفظ لسانك وابعد
هذي وصيتي التي أوصيكها ... أكرم بها من والد متودد
وكتب لولده قاضي القضاة تاج الدين وق رتب موقعاً بالدست الشريف بالشام في سنة خمس وسبع مئة:
أقول لنجلي البر المفدى ... مقالاً وثقت منه عراه
وليت كتابة في دست ملك ... رست أركانه وسمت ذراه
فلا تكتب بكفك غير شيء ... يسرك في القيامة أن تراه
ولا تأخذ من المعلوم إلا ... حلالاً طيباً عطراً شذاه
ونصحك صاحب الدست اتخذه ... شعارك فالسعادة ما تراه
ثلاث يا بني بها أوصي ... فمن يأخذ بها يحمد سراه
وتقوى الله رأس المال فالزم ... فما للعبد إلا من براه
قلت: التزم رحمه الله فيها الراء والثالث تضمين، وهو بيت مشهور جاء في موضعه متمكناً، وتراه في هذا البيت من الرؤية، وفي الخامس من الرأي فلا يظن أنه إيطاء.
وأجابه رحمه الله تعالى ولده قاضي القضاة تاج الدين عن ذلك بقوله:
أتت والقلب في الغفلات ساه ... تنبه كل ساه من كراه
وصية والد برشفوق ... يقوم مع ابنه فيما عراه
رؤوف بابنه لو بيع مجد ... بمقدور لبادر واشتراه
ألا يا أيها الرجل المفدى ... ومن فوق السماء يرى ثراه
أنلت فنلت في الدنيا منالاً ... يسرك في القيامة أن تراه
وقال رحمه الله تعالى في معنى قول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك ... البيت، وأنشدني ذلك من لفظه:
قلبي ملكت فما به ... مرمى لواش أو رقيب
قد حزت من أعشاره ... سهم المعلى والرقيب
يحييه قربك إن مننت به ولو مقدار قيب
يا متلفي ببعاده ... عني أما خفت الرقيب
قلت: ليس لهذه القوافي خامس فيما أظن، وقد تلطف في القافية الثالثة حتى تركبت معه من كلمتين وامتزجت، وقيب لغة في قاب، وفي هذه الأبيات معنى من المعاني الأدبية، وهو مما يمتحن به الأدباء في قول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك، البيت، لأن الأصمعي قال فيه ما هو باد لكل أحد، وهو أن عينيها سهمان ضربت بهما في قلبه المقتل الذي هو أعشار، أي مكسر، من قولك: برمة أعشار إذا كانت كذلك.
وأما ابن كيسان فقال ما هو أدق من هذا المعنى، فقال: ضربت بسهميك اللذين هما من سهام الميسر لتملكي أعشار القلب، وهي جميع ما يخص الميسر من القداح، فالمعلى له سبعة أسهم، والرقيب له ثلاثة أسهم، فيستغرق السهمان جميع الأعشار، وهذا وإن كان دقيقاً وفيه غوص ففيه تعسف، وتأويل فيه بعد، وأما هذا الذي نظمه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فهو صريح في هذا المعنى.
وكنت قد طلبت منه ما أستعين به على ترجمته لما وضعتها في تاريخي الكبير الوافي بالوفيات فكتب لي مسموعاته وأشياخه ومصنفاته، ولم يكتب شيئاً من نظمه، فكتبت إليه:
مولاي يا قاضي القضاة الذي ... أبوابه من دهرنا حرز
أفدتني ترجمة لم تزل ... بحسن أقمار الدجى تهزو
لبست منها حلة وشيها ... أعوزه من نظمك الطرز
فكتب الجواب رحمه الله تعالى:
لله مولى فضله باهر ... من كل علم عنده كنز
يا واحد الدهر ومن قد علا ... منه على هام العلا الغرز
تسألني النظم ومن لي به ... وعندي التقصير والعجز
قبل الداعي طرساً قد سما نوراً ونقساً، جمع أفانين العلوم في شبه الوشي المرقوم، ما بين خط إذا رمقته العيون قالت: هذا خط ابن مقلة، ونظم لا يطيق حبيب أن ينكر فضله، ونثر يرى عبد الرحيم عليه طوله، صدر عمن توقل ذروة البلاغة وسنامها، وامتطى غاربها وملك زمامها، وكملها من كل علم بأكمل نصيب، ضارباً فيه بالسهم المصيب، مشمراً فيه عن ساق الجد والاجتهاد، متوقداً ذكاء مع ارتياض وارتياد، إلى من هو عن ذلك كله بمعزل، ومن قعد به قصوره إلى حضيض منزل يطلب منه شيئاً مما نظم، ولعمري لقد استسمن ذا ورم، ومن أين لي النظم والرسائل إلا بنغبه من المسائل، على تبلد خاطر وكلال قريحه، وتقسم فكر بين أمور سقيمة وصحيح، فأنى لمثلي شعر ولا شعور، أو يكون له منظوم ومنثور، غير أني مضت لي أوقات استخفني فيها إما محبة التشبه بأهل الأدب، وإما ذهول عما يحذره العقلاء من العطب، وإما حالة تعرض للنفس فتنضح بما فيها،
وأقول دعها تبلغ من أمانيها، فنظمت ما يستحيا من ذكره، ويستحق أن يبالغ في ستره، ولكنك أنت الحبيب الذي لا يستر عنه معيب، أذكر لك منه حسبما أشرت نبذاً، وأقطع لك منه فلذاً. وذكر أبياتاً أوردتها في ترجمته في تاريخي الكبير، ونقلت من خطه له وأنشدنيه من لفظه:
إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل
ونقلت من أيضاً له:
مثال عم وخال ... بقول صدق وجيه
بني بأخت أخيه ... لأمه لا أبيه
وذاك لا بأس فيه ... في قول كل فقيه
فنجلة هو داع ... بذاك لا شك فيه
وكتب إلي وقد وقع ثلج بدمشق في أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
نطرت إلى أشجار جلق فوقها ... ثلوج أراها كالبروق تلوح
فشبهتها قضبان فضة اكتست ... وقابلها منا الغداة صبوح
ومن تحتها الأوراق خضر كأنها ... زمردة تغدو بنا وتروح
ومن بينها النارنج كالذهب الذي ... هواه به كل النفوس تبوح
فقلت: لقد أخطأت تشبيهي الذي ... يعز علي المعتز وهو فصيح
تشبه يبساً ذاوياً برطيبه ... وميتاً بمن فيه الحياة وروح
فول صلاح الدين هذا فإنه ... إذا قال تشبيهاً أقول صحيح
وبعده:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج رواء عليه نور
زمرد أنت في لجين ... فقال مه إن ذا قصور
تشبيه ذاو بلا حياة ... بمن له منظر نضير
وبعده أيضاً:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج بدا نوره وأنهج
زمرد أنت في لجين ... فقال أبهى سنا وأنهج
فهل ذكي يطيق وصفي ... أريه طرق الهدى وأنهج
تقول لي ذائب المعاني ... فلا تراني لذا أنهج
وأنت يا واصفي بشعر ... بغير ردف سواه أنهج
فكتبت أنا الجواب إليه رحمه الله تعالى يقبل الأرض ويقول:
أتتني سطور كالدياجي مدادها ... وفيها المعاني كالنجوم تلوح
يغني بها الشادي إذا ما حسا الطلا ... ويخلو بها عاني الهوى فيبوح
فكل معانيها غريب مصنف ... كما لفظها بين الأنام فصيح
ملوكية التشبيه فيما تخيلت ... كذلك تشبيه الملوك مليح
فقابلت منها نسخة تقويه ... على كل سطر قد حوته صحيح
فأعملت فكري فانثنى متقاعساً ... وعهدي به عند القريض لحوح
وعاد فقيراً في زوايا أضالعي ... وما عنده في نظم ذاك فتوح
ثم إن أعقله بارحته، وصبر إلى اليوم حتى رأى نشاطه لما كن عليه وجانحته، وغالطه في نظم شيء في هذه المادة، وقال: ما ضرك أن تسير جوادك في هذه الجادة، فلا بد له من العرض بين يدي مولانا قاضي القضاة أدام الله تعالى أيامه، وإغضاؤه مضمون الدرك فيما كل السوانح غزلان رامة، فانفعل لذلك بعدما استحيا وخجل، وقال وهو ما بين الجذل والوجل:
الثلج يسقط فوق أوراق حوت ... نارنج بستان سبى بروائه
فكأنما تلك الثلاث سرقن من ... قاضي القضاة الحسن يوم لقائه
فابيض ذا كثنائه واخضر ذا ... من جوده وأنار ذا كذكائه
فشكرت له هذا التخيل وعلمت أنه لطيف التحيل، وقلت: ما بك ما يعوق، فالحق ببضاعتك السوق، فإذا به قد نظم واستعمل القلم، وقال:
نارنجنا في الغصون يحكي ... والثلج في بعضهن رقم
خدا تبدى به عذار ... عاجله بالمشيب هم
فقلت له: لا بد من الزيادة، فإن الخيرة عادة، فقال: أزيدك شيئاً من الاستعارة فإنها لقمر التشبيه داره. وقال:
قد سقط الثلج فوق دوح ... نارنجها يفرح الحزينا