قلبي ملكت فما به ... مرمى لواش أو رقيب
قد حزت من أعشاره ... سهم المعلى والرقيب
يحييه قربك إن مننت به ولو مقدار قيب
يا متلفي ببعاده ... عني أما خفت الرقيب
قلت: ليس لهذه القوافي خامس فيما أظن، وقد تلطف في القافية الثالثة حتى تركبت معه من كلمتين وامتزجت، وقيب لغة في قاب، وفي هذه الأبيات معنى من المعاني الأدبية، وهو مما يمتحن به الأدباء في قول امرئ القيس: وما ذرفت عيناك، البيت، لأن الأصمعي قال فيه ما هو باد لكل أحد، وهو أن عينيها سهمان ضربت بهما في قلبه المقتل الذي هو أعشار، أي مكسر، من قولك: برمة أعشار إذا كانت كذلك.
وأما ابن كيسان فقال ما هو أدق من هذا المعنى، فقال: ضربت بسهميك اللذين هما من سهام الميسر لتملكي أعشار القلب، وهي جميع ما يخص الميسر من القداح، فالمعلى له سبعة أسهم، والرقيب له ثلاثة أسهم، فيستغرق السهمان جميع الأعشار، وهذا وإن كان دقيقاً وفيه غوص ففيه تعسف، وتأويل فيه بعد، وأما هذا الذي نظمه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فهو صريح في هذا المعنى.
وكنت قد طلبت منه ما أستعين به على ترجمته لما وضعتها في تاريخي الكبير الوافي بالوفيات فكتب لي مسموعاته وأشياخه ومصنفاته، ولم يكتب شيئاً من نظمه، فكتبت إليه:
مولاي يا قاضي القضاة الذي ... أبوابه من دهرنا حرز
أفدتني ترجمة لم تزل ... بحسن أقمار الدجى تهزو
لبست منها حلة وشيها ... أعوزه من نظمك الطرز
فكتب الجواب رحمه الله تعالى:
لله مولى فضله باهر ... من كل علم عنده كنز
يا واحد الدهر ومن قد علا ... منه على هام العلا الغرز
تسألني النظم ومن لي به ... وعندي التقصير والعجز
قبل الداعي طرساً قد سما نوراً ونقساً، جمع أفانين العلوم في شبه الوشي المرقوم، ما بين خط إذا رمقته العيون قالت: هذا خط ابن مقلة، ونظم لا يطيق حبيب أن ينكر فضله، ونثر يرى عبد الرحيم عليه طوله، صدر عمن توقل ذروة البلاغة وسنامها، وامتطى غاربها وملك زمامها، وكملها من كل علم بأكمل نصيب، ضارباً فيه بالسهم المصيب، مشمراً فيه عن ساق الجد والاجتهاد، متوقداً ذكاء مع ارتياض وارتياد، إلى من هو عن ذلك كله بمعزل، ومن قعد به قصوره إلى حضيض منزل يطلب منه شيئاً مما نظم، ولعمري لقد استسمن ذا ورم، ومن أين لي النظم والرسائل إلا بنغبه من المسائل، على تبلد خاطر وكلال قريحه، وتقسم فكر بين أمور سقيمة وصحيح، فأنى لمثلي شعر ولا شعور، أو يكون له منظوم ومنثور، غير أني مضت لي أوقات استخفني فيها إما محبة التشبه بأهل الأدب، وإما ذهول عما يحذره العقلاء من العطب، وإما حالة تعرض للنفس فتنضح بما فيها،
وأقول دعها تبلغ من أمانيها، فنظمت ما يستحيا من ذكره، ويستحق أن يبالغ في ستره، ولكنك أنت الحبيب الذي لا يستر عنه معيب، أذكر لك منه حسبما أشرت نبذاً، وأقطع لك منه فلذاً. وذكر أبياتاً أوردتها في ترجمته في تاريخي الكبير، ونقلت من خطه له وأنشدنيه من لفظه:
إن الولاية ليس فيها راحة ... إلا ثلاث يبتغيها العاقل
حكم بحق أو إزالة باطل ... أو نفع محتاج سواها باطل
ونقلت من أيضاً له:
مثال عم وخال ... بقول صدق وجيه
بني بأخت أخيه ... لأمه لا أبيه
وذاك لا بأس فيه ... في قول كل فقيه
فنجلة هو داع ... بذاك لا شك فيه
وكتب إلي وقد وقع ثلج بدمشق في أول شهر رمضان سنة أربع وخمسين وسبع مئة:
نطرت إلى أشجار جلق فوقها ... ثلوج أراها كالبروق تلوح
فشبهتها قضبان فضة اكتست ... وقابلها منا الغداة صبوح
ومن تحتها الأوراق خضر كأنها ... زمردة تغدو بنا وتروح
ومن بينها النارنج كالذهب الذي ... هواه به كل النفوس تبوح
فقلت: لقد أخطأت تشبيهي الذي ... يعز علي المعتز وهو فصيح
تشبه يبساً ذاوياً برطيبه ... وميتاً بمن فيه الحياة وروح
فول صلاح الدين هذا فإنه ... إذا قال تشبيهاً أقول صحيح
وبعده:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج رواء عليه نور
زمرد أنت في لجين ... فقال مه إن ذا قصور
تشبيه ذاو بلا حياة ... بمن له منظر نضير
وبعده أيضاً:
أقول للسرو قد كساه ... ثلج بدا نوره وأنهج
زمرد أنت في لجين ... فقال أبهى سنا وأنهج
فهل ذكي يطيق وصفي ... أريه طرق الهدى وأنهج
تقول لي ذائب المعاني ... فلا تراني لذا أنهج
وأنت يا واصفي بشعر ... بغير ردف سواه أنهج
فكتبت أنا الجواب إليه رحمه الله تعالى يقبل الأرض ويقول:
أتتني سطور كالدياجي مدادها ... وفيها المعاني كالنجوم تلوح
يغني بها الشادي إذا ما حسا الطلا ... ويخلو بها عاني الهوى فيبوح
فكل معانيها غريب مصنف ... كما لفظها بين الأنام فصيح
ملوكية التشبيه فيما تخيلت ... كذلك تشبيه الملوك مليح
فقابلت منها نسخة تقويه ... على كل سطر قد حوته صحيح
فأعملت فكري فانثنى متقاعساً ... وعهدي به عند القريض لحوح
وعاد فقيراً في زوايا أضالعي ... وما عنده في نظم ذاك فتوح
ثم إن أعقله بارحته، وصبر إلى اليوم حتى رأى نشاطه لما كن عليه وجانحته، وغالطه في نظم شيء في هذه المادة، وقال: ما ضرك أن تسير جوادك في هذه الجادة، فلا بد له من العرض بين يدي مولانا قاضي القضاة أدام الله تعالى أيامه، وإغضاؤه مضمون الدرك فيما كل السوانح غزلان رامة، فانفعل لذلك بعدما استحيا وخجل، وقال وهو ما بين الجذل والوجل:
الثلج يسقط فوق أوراق حوت ... نارنج بستان سبى بروائه
فكأنما تلك الثلاث سرقن من ... قاضي القضاة الحسن يوم لقائه
فابيض ذا كثنائه واخضر ذا ... من جوده وأنار ذا كذكائه
فشكرت له هذا التخيل وعلمت أنه لطيف التحيل، وقلت: ما بك ما يعوق، فالحق ببضاعتك السوق، فإذا به قد نظم واستعمل القلم، وقال:
نارنجنا في الغصون يحكي ... والثلج في بعضهن رقم
خدا تبدى به عذار ... عاجله بالمشيب هم
فقلت له: لا بد من الزيادة، فإن الخيرة عادة، فقال: أزيدك شيئاً من الاستعارة فإنها لقمر التشبيه داره. وقال:
قد سقط الثلج فوق دوح ... نارنجها يفرح الحزينا
كورد خد وآس صدغ ... لاح به السيب ياسمينا
فقلت له: حسن، ولكن التشبيه الملوكي فات وهو من أعظم الآفات فقال:
كأن سقيط الثلج في الورق التي ... تضمنت النارنج عند التضرج
لآلي مشيب في زمرد عارض ... تبدى على ياقوت خد مضرج
فقلت: هذا كاف، فانظم في السرو بلا خلاف، فقال بعدما نضج ولم يبق فيه عرق يختلج:
عاينت سروة دوحة قد أشبهت ... والثلج يسقط فوقها متوالي
حسناء زفت في ملاءة مخمل ... خضراء كللها سموط لآلي
فكتب هو رحمه الله تعالى الجواب إلي عن ذلك:
تراقصت الأشجار عند سماعها ... قريضك واختلت كنشوان يطرب
وقالت: ألم أخبرك أنك قاصر؟ ... فقلت لها: باب صحيح مجرب
وركبت أنا مغلطة من مغالط المنطق، ونظمته وكتبت به إليه وهو:
أيا قاضي القضاة بقيت ذخراً ... لتشفي ما يعالجه الضمير
فأنت إمامنا في كل فن ... ومثلك لا تجيء به الدهور
كأنك للغوامض قطب فهم ... عليك غدت دقائقها تدور
بلغت بالاجتهاد إلى مدى لا ... يخونك في معارفه فتور
وبابك عاصم من كل جور ... وعلمك نافع ولنا كثير
وقلنا أنت شمس علا وعلم ... فكيف بنوك كلهم بدور
إليك المشتكى من سوء فهم ... يعسر إذ يسير له اليسير
بليت بفكرة قد أتعبتني ... تحور إلي كسلى إذ تخور
مقدمتان سلمتا يقيناً ... ولكن أنتجا ما لا يصير
تقول البدر في فلك صغير ... وذلك في كبير يستدير
فيلزم أن بدر التم ثاو ... بجانحة الكبير وذاك زور
فأوضح ما تقاعس عنه فهمي ... فأنت بحله طب خبير
وفهمك في الورى كضياء شمس ... وعلمك في الأنام هدى ونور
فكتب الجواب في ليلته وفرع عليه ثلاثة أجوبة، وهو:
سؤالك أيها الحبر الكبير ... سمت في حسن هالته البدور
وهمتك العلية قد تعالت ... فدون طلابها الفلك الأثير
ونظمك فوق كل النظم عال ... على هذا الزمان له وفور
فلو سمحت بك الأيام قدماً ... لقدمك الجحا جحة الصدور
سألت وأنت أذكى الناس قلباً ... وعندك كل ذي عسر يسير
وقلت المشتكى من سوء فهم ... وحاشى إن فهمك مستطير
وفكرتك الصحيحة لن تجارى ... ولم أرها تحور ولا تخور
ولا كسل بها كلا وأنى ... ودون نشاط أولها السعير
فهاك جواب ما قد سلت عنه ... وأنت بما تضمنه خبير
مقدمتان شرطهما اتحاد ... بأوسط إن يفت فات السرور
وهذا منه فالانتاج عقم ... وأعقبه عن التصديق زور
وذلك أن قولك في صغير ... هو المحمول ليس هو الصغير
وفي الكبرى هو الموضوع فاعلم ... فمن ذياك للشرط الثبور
وإن رمت التوصل باجتلاب ... مقدمة بها يقع العثور
على تحقيق مظروف وظرف ... فمشترك عن المعنى قصير
فمعنى البدر في فلك صغير ... يخالف ما تضمنه الكبير
فلم يحصل لشرطهما وجود ... لذلك أنتجا ما لا يصير
وفي التحقيق لا إنتاج لكن ... لأجلك قلت قولك لي عذير
وأما إن أردت عموم معنى ... وذلك فيهما معنى شهير
فينتج آمناً من كل شك ... وليس عليه إيراد يصير
فذاك جواب ما قد سلت يا من ... غدا في العلم ليس له نظير
وما عنه تقاعس منك فهم ... وكيف ومنك تنل الصخور
فأنت البدر حسناً وانتقالاً ... بأفلاك مضاعفة تسير
لحامله السريع وتالييه ... دليل أن خالقه قدير
يرى ذو الهيئة النحرير فيها ... عجائب ليس يحويها الضمير
فسبحان الذي أنشأه بر ... رحيم قاهر رب غفور
وصلى الله رب على نبي ... هو الهادي به قد تم نور
وكتبت أنا إليه سؤالاً من علم المناظر:
قاضي قضاة الشام يا من له ... فوائد كالديم الهاطلة
ومن له معرفة قد غدت ... لكل علم في الورى شاملة