بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 446

قولي:
لعمرك إن للباقي التفاتي ... ومالي نحو ما يغني طريقه
أرى الدنيا وما فيها مجازاً ... وما عندي سوى الأخرى حقيقه
وحصل له في وقت ما شرى، فكتب إليه جمال الدين محمد بن نباتة المصري:
يفديك يا قاضي القضاة عليهم ... من كل داء تشتكي كل الورى
شهد الشرى لك حين زارك بالتقى ... والصبر والصدقات لما خبرا
لا تعدم المدح الروائح سيداً ... هذي خلائقها بتخبير الشرى
فلما حضرت عنده أراني إياها، فلا وقفت عليها علمت ما أراده من خطأ التورية مع الناظم فمضيت من عنده وعدت إليه وقد كتبت أنا إليه بعد ذلك:
لما اشتكى قاضي القضاة فديته ... من كل سوء يشتكي منه الورى
عاينته لأذى الشرى متصبراً ... فعلمت حقاً أنه أسد الشرى
وربحت توريتي التي قعدت وما ... خسرت ولم أنطق بتخيير الشرى
فأعجبه ذلك وجبر على عادته معي، وفساد التورية مع الناظم الأول هو أن الشرى، بفتح الشين، مقصور؛ وهو المرض المعروف عند الأطباء بالماشرى، وهو الخراج الصغار التي تتولد من مادة دموية لذاعة، والشِرى بكسر الشين، مصدر شرت شرى، ففسدت توريته.
ووصل الخبر مع البريد من مصر بوفاته قدس الله روحه في يوم الجمعة سابع جمادى


صفحه 447

الآخرة سنة ست وخمسين، فكتبت مرثية إلى ابنه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب، وأنشدت في صبيحة العزاء بالعادلية، وهي:
أي طود من الشريعة مالا ... زعزعت ركنه المنون فزالا
أي ظل قد قلصته المنايا ... حين أعيا على الملوك انتقالا
أي بحر قد فاض بالعلم حتى ... كان منه بحر البسيطة آلا
أي حبر مضى وقد كان بحراً ... فاض للواردين عذباً زلالا
أي شمس قد كورت في ضريح ... ثم أبقت بدراً يضي وهلالا
مات قاضي القضاة من كان يرقى ... رتب الاجتهاد حالاً فحالا
مات من فضل علمه طبق الأر ... مسيراً وما تشكى كلالاً
كأن الشمس في العلوم إذا ما ... أشرقت أصبح الأنام ذبالا
كان كل الأنام من قبل ذا العص؟ ... ر عليه في كل علم عيالا
؟ كان فرد الوجود في الدهر يزهى ... بمعالي أهل العلوم جمالا
فمضوا قبله وكان ختاماً ... بعدهم فاعتدى الزمان وصالا
كملت ذاته بأوصاف فضل ... علم البدر في الدياجي الكمالا
وأنام الأنام في مهد عدل ... شمل الخلق يمنة وشمالا
لمن بعده نشيد رحاباً ... ولمن بعده نشد رحالا
وهو إن رمت مثله في علاه ... لم تجد في السؤال عنه سوى لا
أحسن الله للأنام عزاهم ... فهم بالمصاب فيه ثكالى
ومصاب السبكي قد سبك القل؟ ... ب وأودى منا الجلود انتحالا
خزرجي الأصول لو فاخر النج؟ ... م علا مجده عليه وطالا
خلق كالنسيم مر على الرو ... ض سحيراً وعرفه قد توالى
ويد جودها يفوق الغوادي ... تلك ماء همت وذا صب مالا


صفحه 448

أيها الذاهب الذي حين ولى ... صار منه عز الدموع مذالا
لو أفاد الفداء شخصاً لجدنا ... بنفوس على الفدا تتغالى
أنفس طالما تنفس عنها ... منك كرب يكظها واستحالا
أنت بلغتها المنى في أمان ... فاستفادت غنى غزت منالا
من لنا إن دجت شكوك شكونا ... من أذاها في الذهن داء عضالا
كنت تجلو ظلامها ببيان ... حل من عقلنا الأسير عقالا
من يعيد الفتوى إلى كل قطر ... منه جاءت جوابها يتلالا
قد صببت الصواب فيها وأهدي؟ ... ت هداها وقد محوت المحالا
فيقول الورى إذا ما رأوها ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
فليقل من يشاً ما شاء إن المو ... ت أردى الغضنفر الرئبالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
قد تقضى قاضي القضاة تقي ال؟ ... دين سبحان من يزيل الجبالا
فالدراري من بعده كاسفات ... وإذا ما بدت تراها خجالى
كان طوداً في علمه مشمخراً ... مد في الناس من بنيه ظلالا
فبهاء بها ونعمت وتاج ... فوق فرق العلياء راق اعتدالا
هو قاضي القضاة صان حماه ... من عوادي الزمان ربي تعالى
وهداه للحكم في كل يوم ... فيه يرعى الأيتام والأطفالا
وحباه الصبر الجميل ووفا ... هـ ثواباً يهمي سحابا ثقالا
ليبيد العدى جلاداً ويغدو ... فيفيد الندى ويبدي الجدالا


صفحه 449

وكتبت بعد ذلك إلى ولده الشيخ الإمام بهاء الدين أحمد بمصر أعزيه:
؟ وهكذا جيشه المعهود نصرته ... على أعاديه بعد اليوم ينهزم
أهكذا جبل الإسلام ينهدم ... وهكذا سيفه المسلول ينثلم
وهكذا مجده الراسي قواعده ... تنحط منه أعاليه وتنحطم
وهكذا البدر في أعلى منازله ... وسعده قد محت أنواره الظلم
وهكذا البحر يمشي وهو ذو يبس ... من بعد ما كان في عرنينه شمم
وهكذا كل ميت حل في جدث ... بكى له الفاقدان العلم والكرم
وقد نعى العدل منه سيرة كرمت ... يحفها الزاهران الحلم والنعم
والورق تملي لنا في وصفه خطباً ... يقلها المنبران البان والسلم
ولو أراد الأعادي كتمها اعترفت ... بفضلها الشاهدان العرب والعجم
قل للعدى إن جهلتم قدر رتبته ... فالبيت يعرفه والحل والحرم
والليل والذكر والمحراب شاهده ... والشرع والحكم والتصنيف والقلم
ومن يقل إنه يدري مكانته ... فما خفي عنهم أضعاف ما علموا
فكم كماة من النظار قد مهروا ... في البحث جاؤوا بما ظنوا وما زعموا
فكر فيهم بلا فكر وجد لهم ... جداله ثم لما سلموا سلموا
؟ وقصروا عن مبادي غاية حصلت ... له وأين عقاب الجو والرخم
ولوا فراراً وقد ألقوا سلاحهم ... وهم أناس على التحقيق قد وهموا
عليه هزمهم في كل معركة ... وما عليه بهم عار إذا انهزموا
شكوا فتوراً رأوه في بصائرهم ... ولو ألموا به من قبل ما ألموا


صفحه 450

ما الناس إلا سواء في بيوتهم ... ما الشأن في أمرهم إلا إذا التحموا
كل يرى أنه راح منفرداً ... ليث وأقلامه من حوله أجم
فإن تضمهم وقت الجدال وغى ... فغندها تظهر الأقدار والقيم
تزايد الحلم من زاكي سجيته ... فلم يكن من عداه قط ينتقم
موفق الحكم والفتوى على رشد ... ما ند منه على ما قد مضى ندم
كم بات ينصر مظلوماً رآه وقد ... أودى وجانبه بالضعف يهتضم
كان ابن تيمية بالفضل معترفاً ... وهو الألد الذي في بحثه خصم
يثني عليه وقد أبدى بفكرته ... أوهامه فيراها وهو يبتسم
وما أقر لمخلوق سواه وفي ... زمانه كل حبر علمه علم
قاضي القضاة تقي الدين حين قضى ... غدا أولو العلم لم يهناهم حلم
وكيف يهنأ عيش بعده وبه ... قد كان شمل الهدى بالحق يلتئم
فاليوم أقفر ربع المكرمات وقد ... شط المزار وأقوت دونها الخيم
مات الذي كان إن تسأله غامضة ... خلاك من حلها في العلم تحتكم
يا سائراً فوق أعناق الرجال وكم ... سعت له في المعالي والهدى قدم
خدمت علمك وقتاً والأنام إلى ... يوم القيامة فيما قلته خدم
تركت فينا تصانيفاً تخاطبنا ... فأنت حي ولما تنشر الرمم
ما مثل سيرتك المثلى إذا ذكرت ... بالحمد تبدو وبالتقريظ تختم
أقمت في مصر والأخبار نافحة ... طيباً تسير بها الوخادة الرسم
ما كنت إلا إمام الناس قاطبة ... في النقل والعقل تقضي كلما اختصموا


صفحه 451

وكل مشكلة في الدين معضلة ... يضيق فيها على سلاكها اللقم
تحل شبهتها من حيثما عرضت ... بالحق إذ لست في الترجيح تتهم
مطهر الذات من ريب تضيء لنا ... منك العوارف والأخلاق والشيم
يكاد من رقة فيه يهب صباً ... هذا وقد برحت أحداثه الحطم
من أجل ذا غدت أيامه غرراً ... بيضاً ولم يقض فيها أن يراق دم
كف على عدد الأنفاس في هبة ال؟ ... أموال ما سامها من بذلها الديم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لكن صبرنا على التفريق وهو أذى ... وما لجرح إذا أرضاكم ألم
مهما نسيت فما أنسيت برك بي ... عند الظما ونداك البارد الشبم
وفرط جبرك إذ تثنيني علي بما ... لا أستحق وذاك الحفل مزدحم
حتى أغالط نفسي في حقيقة ما ... أدريه منها وفي علمي بها أهم
فعال من طبع الباري سجيته ... على مكارم منها الناس قد حرموا
وكاد دهري لياليه تسالمني ... وكاد يصرف عني الشيب والهرم
والله لا فترت مني الشفاه عن الد ... عا ولا افتر لي من بعد ذاك فم
فاصبر أبا حامد فالناس قد فجعوا ... فيمن مضى لم تخصص أنت دونهم
تشارك الناس في هذا العزاء كما ... نعمى أياديه فيها الناس تقتسم
وانظر وقس يا إمام الناس كلهم ... فإن سلمت فكل الناس قد سلموا


صفحه 452

هذي المصيبة بالإسلام قد نزلت ... فانظر عرا الدين منها كيف تنفصم
ما مثل من قد مضى يبكى عليه ولا ... تجري على وجنتيك الأدمع السجم
فإنه في جنان الخلد في دعة ... لكفه الحور والولدان تستلم
فقدس الله ذاك الروح منه ولا ... أراه يوم اللقا والحشر ما يصم
يقبل الأرض وينهي ما عنده من الألم الذي أنكى، والحادث الذي ما يحيك في خلد ذي جلد ولا يحكى، والمصاب الذي عقد المناحات له بالمناجاة، فوقف واستوقف له، وبكى واستبكى:
ولو يغني البكا أو رد ميتاً ... بكيت فلم يساجلني الغمام
فإنا لله وإنا إليه راجعون، قول من فقد إمامه، وفجع بمن كان يهديه إلى رشده ويريه طرق السلامة، وأعدمته الأيام حبراً لم يلتفت معه إلى الدراري إذا سمع كلامه، وغيضت منه بحراً كان يقذف به من دره فذه وتوامه، وأخذت منه فريد عصره فما يدري ما يبكيه منه، أعلمه أم بركته أم لطفه أم جوده الذي فضح الغمامة، وابتزت منه شيخ الإسلام الذي ما يخلفه الوجود إلى يوم القيامة.
عمت فواضله فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كلمة تقولها الملوك لهذه المصيبة العظمى والرزية التي ما يجد الناس لها رحمى، ذهب والله من كان جمال الوجود، وإمام الأئمة وكعبة الجود، ومن كان بقاؤه بين ظهراني الناس رحمه، ومن بينه في العلوم وبين علو النجوم زحمه، ومن كان إذا كتب اهتزت من الطرب له الأقلام، وخضعت لأوامره


صفحه 453

السيوف، وسكنت خافقات الأعلام، وتملت بعلومه وتصانيفه الشريعة، فلما مات قال الناس أحسن الله عزاء الإسلام:
غدا طاهر الأثواب لم تبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
ويقسم المملوك أن مولانا وأخاه أدام الله أيامهما ما انفردا بهذه الرزية، ولا ابتليا دون الناس بهذه البلية، يا مولانا هذا ركن الإسلام قد انهدم، وهذا بحر الإيمان قد ارتدم فمصابه قد عم وما خص، وتحيف جناح الصبر وما حص، فالله يعين على ما أبلى ويمسك رمق القلوب فإنها عريت من جبة الصبر وما تطيق من الأحزان نبلاً، وما بقي غير الأخذ بالسنة في الصبر، والتمسك بآثار السلف الصالح ممن أودع أحبابه القبر:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأحباب فوق الذي يعزيك عقلاً
وبألفاظك اهتدى فإذا عز ... اك قال الذي له قلت قبلا
ويقسم المملوك ثانياً أن فيكما خلفاً باقياً، وكلاكما، كلاكما الله، نير أصبح في درجات من درج السعد راقياً، وما السلوة إلا بهذا، وإلا كانت قلوب الأولياء قد أمست جذاذاً، فالله تعالى يمتع مصر والشام منكما بمطالع النيرين، ويديم