سمع من جعفر الهمذاني، وعلي بن زيد التسارسي، سمع عليه الثالث من الثقفيات وسمع الدعاء للمحاملي على جعيفر، وسمع من ابن رواج.
وسمع منه الواني، وشيخنا أبو الفتح بن سيد الناس، وابن ربيع المصغوني، وسمع منه شيخنا الذهبي خمس مجالس تعرف بالسلماسية.
وكان له بصر بالشروط، وأمره في العدالة مضبوط، وله فيها تقدم وشهرة، وخبرة فيها قد جمل به دهره. وتفرد بأجزاء عالية سلفية رواها، وملك زمام أمرها وحواها، وشفى بروايتها من النفوس جواها.
ولم يزل على حاله إلى أن فرغ من حياته وعاؤها، وأجيب في منيته دعاؤها.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة تسع وعشرين وست مئة.
عبد الرحمن بن مسعود بن أحمد
العلامة شيخ الحنابلة، شمس الدين ابن قاضي القضاة، سعد الدين الحارثي المصري الحنبلي.
سمع من العز الحراني، وغازي، وبدمشق من الفخر علي وجماعة. وأخذ النحو عن الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والأصول عن ابن دقيق العيد. وحج غير مرة.
وكان يدرس بمدارس كبار، وإذا جرى في حلبة المناظرة لا يعلق الريح له بغبار. مع الوقار الجميل، والسمت الذي لبس له فيه عديل. وصدق اللهجة، وعفاف المهجة، والديانة التي رأس بها وتصدر، والصيانة التي تصبب بها نوه وتحدر. ولم يزل على حاله إلى أن نبش من الحارثي قبره، وعدم من صاحبه عليه صبره.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس عشري ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة إحدى وسبعين وست مئة.
عبد الرحمن بن موسى
هو الملك أبو تاشفين، ابن الملك أبي حمو، بالحاء المهملة والميم المشددة والواو، ابن الملك أبي عمرو عثمان ابن السلطان يغمراسن بن عبد الواد الزناتي المغربي البربري صاحب تلمسان.
كان شجاعاً حازماً، موقناً بالشر جازماً، جبروته زاد عن الحد حتى كذبه العقل وأباه، وناهيك بمن تجرأ وما اتجرى وقتل أباه.
وكان قد نظر في فنون العلم مدة، وأنفق فيها من عمره عدة، وتفقه على ابني الإمام، وفدت سيرته ونسي ورد الحمام.
ويحكى عنه في دولته قبائح، أما الراوي لها فكاتم وأما التاريخ لها فبائح.
قصده سلطان المغرب أبو الحسن المريني وحاصره مدة طويلة وأنشأ في المنزلة
مدينة كبيرة، وطال الأمر إلى شهر رمضان، فبرز أبو تاشفين في أبطاله لكبسه ومكيدة يعملها فانعكست عليه، وركب جيش أبي الحسن وحملوا حتى دخلوا من باب تلمسان وقتلوه على ظهر جواده في سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. وكان الحصار نحو سنتين وأكثر. وطيف برأسه في المغرب، ثم دفن مع جسده عند آبائه بتلمسان.
وكان جد السلطان أبي الحسن قد نازل تلمسان أيضاً سنوات ومات وهو يحاصرها سنة بضع وسبع مئة.
عبد الرحمن بن موسى بن عمر
تاج الدين الناسخ، عرف بابن المناديلي، ووالده بدر الدين بن أبي الفضل.
كان ينادي يوم الجمعة على الكتب، ويأخذ رزقه فيها من بني الخطية السلب، ونسخ كثيراً من الدواوين الصغيرة الرائقة، والأشعار التي بالغزل والنسيب لائقة. وقطعت في غير جناية يمينه، وبقي رحمة لا يجد من يعينه. وكتب بعد قليل بشماله، وقاتل على ذلك لأن الخط كان رأس ماله. وكان يعتذر في آخر الكتاب أنه بيده اليسرى، ليعذره من كان بذكره مغرى. وكان خطه أبهج من خميلة، وأرهج من الطلعة الجميلة.
ولم يزل على حاله إلى أن غص بالشجى، ولم يجد من يد الموت مخرجاً.
وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة. ووصل إلى السبعين.
وكان قد وصل إليه القباري واليعفوري، وكتب لهما كتاباً، وكان ذلك مرافعة
في حق الأفرم، فأمسكوا، وأفتى الشيخ زين الدين الفارقي بقطع يديه، وتوسيط الآخرين، فقطعت يده. وقد تقدم ذكر هذه الواقعة في ترجمة الشيخ أحمد القباري في آخر الأحمدين فتكشف من هناك. ولما قطعت يده قال للأفرم: يا خوند قطعت يدي لأجل درهمين، هذان دفعا إلي درهمين وقالا: اكتب هذا الكتاب، فرق له الأفرم، وأعطاه جملة دراهم، وأظنه رتب له شيئاً، وكان التاج المذكور مغرى بكتابة ديوان ابن الفارض والحاجري وغيره من هذه الدواوين الصغار، ويكتب كثيراً بكتاب الدرة المضية في اللغة التركية، وهذه الكتب موجودة بين ظهراني الناس، وخطه معروف. وكان يقول: عمري ما وقع في أذني ألذ من قول الأفرم: وهذا اقطعوا يده، لأنه رسم قبل ذلك بتوسيط القباري واليعفوري المذكورين.
وكان قد أسن، ووقعت أسنانه، وكان يمشي وفي جنبه جرن خشب، ويدق، حتى يدق الخيارة والقيثاءة والتفاحة والسفرجلة والكمثري وغير ذلك. ووجد بعد موته سماعه مشيخة العفيف محمد بن زكريا بن رحمة.
عبد الرحمن بن نصر
ابن عبيد المفتي الإمام زين الدين الفدمي السوادي الصالحي الحنفي.
سمع المرسي، وسبط بن الجوزي، وخطيب مردا، وإبراهيم البطائحي، والرشيد العراقي، واليلداني، وعدة.
كان له في الفقه بصر حديد، وفي الشروط نظر ما لخصمه عنه محيد. شهد تحت
الساعات، وأنفق عمره في الطاعات، إلى أن عجز وانقطع، ولمع برق ضعفه وسطع. وكان يعبر الرؤيا، ويأتي في كلامه بما هو الغاية العليا.
ولم يزل إلى أن جف عوده، وزمجرت بالنزاع رعوده.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وله ست وثمانون سنة.
وانقطع بمدرسة الأسدية لما عجز عن التوجه إلى مكان الشهود.
عبد الرحمن بن يوسف
ابن محمد الشريف الخطيب الإمام العالم، الزاهد الفاضل جمال الدين أبو البقاء الحراني، خطيب المسجد الأقصى.
كان صاحب فضائل وفنون، ولي الخطابة بالأقصى بعد قاضي القضاة، بدر الدين بن جماعة.
توفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبع مئة.
عبد الرحيم بن إبراهيم
ابن إسماعيل بن أبي اليسر التنوخي، تاج الدين أبو الفضل.
سمع من جده أبي محمد كثيراً، وأجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بدمشق.
عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله
قاضي القضاة نجم الدين الجهني البارزي الشافعي الحنفي، حفيد قاضي القضاة شيخ الإسلام شرف الدين، الحاكم بحماة، وسيأتي ذكر جده هبة الله في حرف الهاء في مكانه.
توفى القضاء نجم الدين هذا بحماة لما ترك قاضي القضاة جده المنصب وقد أضر. وقد كان إبراهيم والده توفي في حياة والده شرف الدين. ولم يكن في عصر نجم الدين هذا أحد من قضاة القضاة أقدم منه في هذا المنصب شاماً ومصراً مدة تزيد على الثلاثين سنة. وكان ساكناً خيراً قائماً بوظيفته على مات يجب. ورأيته بحماة غير مرة.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة.
عبد الرحيم بن أبي بكر
مجد الدين الجزري الفقيه النحوي الصوفي.
كان قائماً بمعرفة النحو، هائماً في محبة أدته سكرتها إلى عدم الصحو.
وكانت له حلقة اشتغال، يجالس إليه فيها من هو في محبته متغال. وفيه مع ذلك عشرة وانطباع زائد، وكيس لا يحتاج معه في المحبة إلى رائد. ولكنه ابتلي بحب شاب شيب فوده، وحسن إلى الهلاك قوده، فكان إذا رآه ترعد فرائضه عشقاً وصبابة، ويود لو نال من عظيم وصاله صبابة. فقويت عليه سوداؤه، وتحكم منها فيه داؤه. فأغلق الخانقاه الشهابية عليه، وطلع إلى سطحها وألقى بنفسه إلى الطريق فمات، وأنزل
بنفسه من أعاديه الشمات. وكان يوم جمعة، وقت الصلاة، ثاني عشر شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وست مئة.
عبد الرحيم بن عبد الرحمن
ابن نصر الموصلي، الشيخ الإمام نجم الدين بن الشحام الشافعي.
أكثر الأسفار، ومطالعة الأسفار. واشتغل ببغداد وتميز، وانزوى إلى سراي وتحيز. وأقام بها مدة، وأنفق فيها من العمر جده.
وقدم دمشق سنة أربع وعشرين وسبع مئة، وولي مشيخة القصر. ودرس بالجاروخية والظاهرية البرانية.
ولم يزل إلى أن ذاب بالأسقام شحمه، وسبك في القبر لحمه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثين وسبع مئة. وله ثمان وسبعون سنة.
وكان فقيهاً طبيباً. وكان قد ولي تدريس الظاهرية البرانية، ثم أضيف إليه تدريس الجاروخية ومشيخة خانقاه القصر.
عبد الرحيم بن عبد العليم
الدندري، بدال مهملة أولى ودال ثانية بينهما نون وبعد الدال الثانية راء، المعروف بالفصيح.
مدح الأكابر، واستجدى بشعره، وسامحهم فيه بترخيص سعره.
وكان خفيف الروح، قانعاً بما تيسر من الفتوح.
ولم يزل على حاله إلى أن خرس الفصيح، وبكاه صاحبه بجفنه القريح.
قال الفاضل كما الدين الأدفوي: توفي سنة أربع وسبع مئة ظناً. وأورد له في تاريخ الصعيد قصيدة مدح بها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، منها:
أيا سيداً فاق كل البشر ... ومن علمه في الوجود انتشر
ويا بحر علم غدا فيضه ... لوارده من نفيس الدرر
أيادي ندى عمنا جودها ... كما عم في الأرض جود المطر
وفي روض أيامك المونقات ... أنزه طرف المنى بالنظر
عبد الرحيم بن عبد المنعم
ابن عمر بن عثمان، الإمام المفتي الزاهد، جمال الدين، أبو محمد الباجربقي، بباء موحدة وبعد الألف جيم وراء وباء أخرى وقاف، الموصلي الشافعي.
شيخ فقيه محقق، نبيه مدقق، نقال، عارف بالوجود والطرق والأقوال. له حلقة اشتغال تحت قبة النسر إلى جانب البرادة، كل فاضل قد جعل إليها ترداده.
اشتغل بالموصل وأفاد، وبدأ بالفضل في دمشق وأعاد.