بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 483

تقي الدين بن تيمية، وفاز دونه بالأولوية. وكان يباحث كل من قل وجل. ويسقي الوبل الغدق لا الطل. ولم يسمع منه بحث نازل، ولا خلت من فوائده ربوع الديار المصرية ولا المنازل.
وكان آية من الآيات، وغاية نأت عن لحاق شأوها من الغايات:
لا تجسر الفصحاء تذكر عنده ... بحثاً ولو كان الهزبر الباسل
ولم يزل يقرئ الطلبة ويفيد، ويبدي الغرائب لهم ويعيد، إلى أن ناجى الباجي حمامه وبكاه حتى على الأراك حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
صنف وأفتى وناب في الحكم بالشارع خار القاهرة، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائفة. واختصر المحرر في الفقه، والمحصول في الأصول، مختصرين: كبيراً وصغيراً، واختصر كشف الحقائق في المنطق، وصنف في الفرائض والحساب، ورد على ما بيد اليهود من التوراة، ورد على ذلك اليهودي الذي سأل الفتيا نظماً، وقد تقدمت في ترجمة الشيخ علاء الدين القونوي، وعمل رده نظماً.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول: العلاء يطلق عليه عالم. وحضر درسه في المدرسة الصالحية، فوقع بحث في كلام الغزالي في الوسيط، فقال


صفحه 484

الباجي: الغزالي عدل في العبارة المقتضية كذا، حتى لا يرد عليه كذا. وهذا العبارة التي قالها يرد عليها خمسة عشر سؤالاً، وسردها. فقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: كم سنك؟ فقال: كذا، فقال: وهذا كله حصلته في هذا السن.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: قال شيخنا العالم الثقة نجم الدين الأصفوني: حضرت درس الشيخ تقي الدين، فقال: يا فقهاء جاء شخص يهودي، ويطلب المناظرة. فسكت الناس. وقال الباجي: أحضروه، فنحن بحمد الله مليون بدفع هذه الشبه. وقال لي رحمه الله تعالى لما أحضروا ابن تيمية، طلبت في جملة من طلب، فجئت لقيته يتكلم، فلما حضرت قال: هذا شيخ البلاد، فقلت: لا تطرني ما هنا إلا الحق، وحاقته على أربعة عشر موضعاً، وغير ما كان كتب به خطه.
وكان أخيراً قد نسب إليه كلام، واختفى بسببه مدة، وكان له ابنان فاضلان تكلما عنه، ثم إنه تقشف، وصار بفرجية مفتوحة لطيفة، وعمامة بكراثة لطيفة جداً لا تكاد تظهر.
وتولى تدريس السيفية، وكان معيداً بالمنصورية والصالحية.
ورأيت أنا شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يعظمه كثيراً إلى الغاية، ويثني على فضائله المنوعة. وكان قد ولي وكالة بيت المال بالكرك في الأيام الظاهرية.


صفحه 485

وقال شيخنا البرزالي: أجاز لنا جميع ماله روايته.
وأنشدني قاضي القضاة تقي الدين السبكي من لفظه أبياتاً رثاه بها، ومنها:
فلا تعذليه أن يبوح بسره ... على عالم أودى بلحد مقدس
تعطل منه كل درس ومجمع ... وأقفر منه كل ناد ومجلس
ومات به إذا مات كل فضيلة ... وبحث وتحقيق وتصفيد مبلس
وإعلاء دين الله إن يبد زائغ ... فيخزيه أو يهدي بعلم مؤسس
وكان شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان يثني عليه كثيراً. أخبرني قال: قرأ عليه يسيراً من مختصره في أصول الفقه، وسمعن عليه دروساً، وأنشدني من لفظه لنفسه:
رثى لي عذلي إذ عاينوني ... وسحب مدامعي مثل العيون
وراموا كحل عيني، قلت: كفوا ... فأصل بليتي كحل العيون
قلت: كأن الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى نظر في هذا المعنى إلى قول السراج المحار:
شكوت الذي ألقاه من ألم الهوى ... وقلبي عن وصف الأطباء في شغل
وقالوا اشرب المغلي تجد فيه راحة ... فقلت: وذا أصل الذي بي من المغل
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدنا الباجي لنفسه:


صفحه 486

بالبلبل والهزار والشحرور ... يسبى طرباً قلب الشجي المهجور
فانهض عجلاً وانهب من اللذة ما ... جادت كرماً به يد المقدور
وأنشدني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إجازة، قال: أنشدنا لنفسه:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وإبصار كلام مع البقا
صفات لذات الله، جل، قديمة ... كذا الأشعري الحبر ذو العلم والتقى

علي بن محمد بن عبد الله
ابن عبد الظاهر بن نشوان، الصدر الكبير الرئيس النبيل الكاتب علاء الدين بن القاضي فتح الدين بن القاضي محيي الدين.
سمع بقراءة الشيخ شمس الدين الذهبي من ابن الخلال.
وكان القاضي علاء الدين كثير المكارم، بيته مجمع الفضلاء والأدباء، ومحله محط الخاملين والنبهاء والنبلاء، لا يزلا يراعي مصالح الناس ويساعدهم على بلوغ مآربهم البعيدة من القياس. يؤثر الواردين والصادرين بملابيسه ومراكيبه، وينتاشهم من ورطاتهم، ولو كانوا بني ما ضغي الدهر ومخاليبه.
وكان في أيام سلار هو المشار إليه، والمعول فيما يرسم به عن الدولة عليه. وكان


صفحه 487

هو الذي خرج بهاء الدين أرسلان وهذبه، وفقهه وكتبه، لأنه كان يهواه، ويغضي طرفه، ويطوي على جوانحه جواه.
ولما عاد السلطان من الكرك، وتولى أرسلان الدوادارية ما شك هو ولا غيره أن كتابة السر تتعداه، ولا أن الملك يضطلع بغيره ويتحداه، فما قدر الله له ذلك، ولم يجئ حساب الدهر هنالك، ولكنه كان يوقع في الدست بين يدي السلطان إلى آخر وقت، والسلطان يضمر له البغض والمقت، ويقول إذا رآه من بعيد: سبحان الرازق، هذا يأكل رزقه على رغم أنفي وأنف الخلائق.
وكان القاضي علاء الدين حسن الشكل ظريف العمامة نظيف الملبوس ظاهر الوسامة طيب الرائحة، يعم مجلساً يكون فيه بهباته الفائحة. يكتب خطاً فائقاً من أين للعقود اتساقه، وللروض اليانع زهراته التي تضمنها أوراقه. قل أن اجتمعت مفرداته في غيره، أو بلغ مترفع في الجو مطار طيره، وإليه كانت الرياسة في زمانه، وإياه عنى مداح عصره وأوانه.
ولم يزل في توقيع الدست إلى أن اجتث منه الدهر جرثومة الرئاسة، وأخلى مصره من السيادة والنفاسة. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.


صفحه 488

ومولده سنة ست وسبعين وست مئة.
وكتب الإنشاء في الدولة المنصورية، وعمره إحدى عشرة سنة، سنة ست وثمانين وست مئة.
وكان الملك الناصر يكرهه لكونه قد اختص بالأمير سيف الدين سلار.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: قال لي السلطان الملك الناصر: ما كرهته لأجل شيء، وإنما خان مخدومه يعني سلار، لأنه استكتبه شيئاً واستكتمه إياه، فجاء إلي وعرفني به. وأخبرني أيضاً أن السلطان لما جاء من الكرك قال للأمير عز الدين الدوادار: الساعة يجيء إليك طعام من عند علاء الدين بن عبد الظاهر، فأقبله منه، فلم يكن قليل حتى جاءه ذلك فقبله. وعرف به السلطان، فقال له السلطان: الساعة يبعث إليك خرفاناً وأرزاً وسكراً، ويقول: يا خوند، أنا ما عندي من يطبخ ما يصلح لك، دع مماليك يشوون لك هذا، فما كان إلا عن قليل حتى جاء ذلك فأخذه وعرف السلطان به، فقال: الساعة يجهز إليك ذهباً ويقول: هذا أريده يكون وديعة في خزانة الأمير، فإنه أحرز عنده من بيتي، فما كان إلا أن جرى ذلك، وقال: يا خوند، قد بعت لي ملكاً، وأخاف أن


صفحه 489

يسرق ثمنه، وقد أرصدته للحجاز، وأريد أن يكون في خزائنك، فأخذ الورقة، وعرضها على السلطان، فقال له السلطان: اكتب في قفاها: يا علاء الدين، نحن ما نغير شرف الدين بن فضل الله، وإن غيرناه فما نولي إلا علاء الدين بن الأثير، فوفر ذهبك عليك، وخله عندك.
وكان القاضي علاء الدين كثير الرياسة والإحسان إلى من ينتمي إليه.
وللعلامة شيخنا شهاب الدين محمود فيه أمداح كثيرة، ولما مات رثاه بقصيدة طنانة كتب بها إلى ناصر الدين شافع رحمهم الله أجمعين أنشدنيها إجازة، وهي:
الله أكبر أي ظل زالا ... عن آمليه وأي طود مالا
أنعي إلى الناس المكارم والندى ... والجود والإحسان والإفضالا
ومهذباً ملأ القلوب مهابة ... والسمع وصفاً والأكف نوالا
حاز الرئاسة فاغتدى فيها به ... أهل المفاخر تضرب الأمثال
وحوى من الآدب ما أضحى به ... أهل البيان على علاه عيالا
طلق المحيا لو يقابل وجهه ال؟ ... أنواء ظل جهامها هطالا
متمكن من عقله فكأنه ... قد شد فيه عن الهنات عقالا
رحب الندى تنسي بشاشة وجهه ... ما زاده أوطانه والآلا
طرقته أيدي الحادثات فزعزعت ... منه مآلاً للعفاة ومالا
وسطت على الشرف الرفيع فقلصت ... عن ذك الحرم المنيع ظلالا
فجعت يتامى من ذؤابة هاشم ... أمسى أباً لهم وإن يك خالا
فقدت أياماهم بفقد عليهم ... وكذا اليتامى عصمة وثمالا


صفحه 490

ونضت مكلاءة كل مكرمة ضفت ... عنها فعاد لباسها الأسمالا
وأعادت المجد المؤثل بعده ... كأنا غدير حياً فعادا آلا
من للسماحة والفصاحة بعده ... قولاً يقال وكان قبل فعالا
من للوجاهة والنباهة بعده ... إن قال في نادي الندى أو قالا
من للفتوة والمروة أزمعا ... لما ترحل بعده الترحالا
من للكتابة حين أضحى جيدها ال؟ ... حالي بدر بيانه معطالا
قد كان فارسها الذي بيراعه ... كم راع قبل أسنة ونصالا
وجوادها إن رام سبقا حازه ... فيها وقرطس إن أراد نضالا
وخطيبها ما أم منبر كفه ... قلم فغادر للأنام مقالا
من للبلاغة رامها من بعده ... كل فكانت كالنجوم منالا
يا نجل فتح الدين أغلق رزئكم ... باب الرجاء وأوثق الأقفالا
لهفي على تلك البشاشة كم بها ... بسطت لوافد رفده آمالا
لهفي على تلك المكارم كم سقت ... ظامي الرجاء البارد السلسالا
لهفي على تلك المروءة كم قضت ... سولاً لمن لم يبد منه سؤالا
لهفي على آلائه كم ثقلت ... ظهراً وكم قد خففت أثقالا
لهفي على تلك المآثر لم تطع ... في فعلها اللوام والعذالا
أبكي عليه وقل مني أنني ... أبكي عليه وأكثر الإعوالا
أدعو دموعي والعزا فيجيبني ... ذا هاملاً ويصد ذا إهمالا