لقد سمح الزمان لنا بيوم ... غدا فيه السمي مع السمي
تجمعنا فكنا ضرب خيط ... علي في علي في علي
وكان ينظم وينثر، وله أعمال جيدة في شبيبته، وبين الشيخ علاء الدين وبين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وبين الشهاب محمود وغيره من أهل عصره محاورات ومكاتبات على عادة الأدباء، مليحة.
وكان قد طلب هو وأخوه شهاب الدين أحمد بن غانم إلى مصر على البريد في شهر رجب سنة سبع عشرة وسبع مئة، فرسم للشيخ علاء الدين بكتابه السر بحلب، فاستعفى من ذلك. وعرض عليه الإقامة بمصر، فاختار العود إلى بلده، ورسم لهما بزيادتين وخلعتين، وأعيدا إلى دمشق.
ومن نثره رحمه الله يصف قلعة: " ذات أودية ومحاجر لا تراها العيون لبعد مرماها إلا شزرا، ولا ينظر ساكنها العدد الكثير إلا نزرا، ولا يظن ناظر إلا أنها طالعة بين النجوم بمالها من الأبراج، ولها من الفرات خندق يحفها كالبحر إلا أن " هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج "، ولها واد لا يقي لفحة الرمضاء ولا حر الهواجر، وقد توعرت مسالكه، فلا يداس فيه إلا على المحاجر، وتفاوت ما بين مرآه العلي وقراره العميق، ويقتحم راكبه الهول في هبوطه " فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ".
ومنه في صدر كتاب:
" وجعله لحقيقة العلياء نفساً وعيناً، ولا أعدم منه الملك ناظراً ولا عيناً. ولا زال
على الأعداء يرسل من مهابته رقيبين، أذناً وعيناً وأغنى بمكارمه من أن نشيم من السماء خالاً وعيناً، أو نرد من الأرض منهلاً وعيناً، وأطلع طلعة لوائه في الخافقين حتى تخال الشمس عيناً، وسير ركائب ذكره في الآفاق لا تشتكي أينا ولا عيناً وأقام ميزان القسط بين الرعايا لا تجد فيه غبناً ولا عيناً "، واستعبد بخدمته كل أصيد من الملوك، لكل جحفل قلباً ولك محفل عيناً، وأهلك كل عدو له وحاسد تارة فجأة وتارة عيناً، ومتعه بما خصه من استجلاء عرائس الحور العين بمجاهدته إذا شغل سواه عيناء من أسماء وعيناً، وسطر آثار مآثره محكمة على صفحات الأيام إذا لم يبق لمن سلف من الملوك أثراً ولا عيناً ".
وأنشدني من لفظه ما كتبه إلى شيخنا العلامة أبي الثناء محمود:
لقد غبت عنا والذي غاب محسود ... وأنت على ما اخترت من ذاك محمود
خللنا محلاً بعد بعدك ممحلاً ... به كل شيء ما خلا الشر مفقود
به الباب مفتوح إلى كل شقوة ... ولكن به باب السعادة مسدود
قال: فكتب الجواب:
أأحبابنا بنتم وشط مزاركم ... برغمي وحالت دون وصلكم البيد
وودعتم روض الحمى بفراقكم ... فشابت نواصي بانه وهو مولود
ومن لم تهجه الورق وجداً عليكم ... توهم أن النوح في الدوح تغريد
وكتب إليه شيخنا نجم الدين الصفدي:
شنف الأسماع بالدر الذي ... قد حكى الأنجم في ظلمائها
وبدا كالشمس إلا أنه ... زاد في الحسن على لألائها
فكتب الجواب إليه:
ليس للمملوك إلا مدحة ... في معاليك وفي آلائها
وبحار الفضل تجري منك لي ... فمقالي قطرة من مائها
ومن شعر:
سلب المهجة مني ... بالجفون الفاترات
لو يزور البيت لم ير ... م الحشا بالجمرات
وأخبرني من لفظه، قال: عتبني شهاب الدين محمود، وهو صاحب ديوان الإنشاء. وقال: بلغني أن جماعة من ديوان الإنشاء يذمونني، وأنت حاضر، ما ترد عني، فكتبت إليه:
ومن قال إن القوم ذموك كاذب ... وما منك إلا الفضل يوجد والجود
وما أحد إلا لفضلك حامد ... وهل عيب بني الناس أو ذم محمود
قال: فكتب إلي بأبيات منها:
علمت بأني لم أذم بمجلس ... وفيه كريم القوم مثلك موجود
ولست أزكي النفس إذ ليس نافعي ... إذا ذم مني الفعل والاسم محمود
وما يكره الإنسان من أكل لحمه ... وقد آن أن يبلى ويأكله الدود
قال: ولم يكن بعد ذاك إلا أيام حتى توفي رحمه الله تعالى وأكله الدود.
وكان القاضي علاء الدين رحمه الله تعالى قد طلب مني كتابي جنان الجناس وكتب علي:
لقد ضم أجناس فأطربا ... وأعجز من باراه فيها وأعجبا
صلاح لدين الله أبدي بدائعاً ... تروق بألفاظ أرق من الصبا
يراه بليغ جاء بالمدح سائلاً ... مجيباً مجيزاً قوله لا مخيبا
بإنشاده هذا وإنشائه لقد ... به فات من قد فاق فضلاً ومنصبا
فقس إياد عند ذي الفضل باقل ... ولفظ امرئ القيس البديع هنا هبا
فكتبت أنا أشكره على ذلك:
ألا هكذا من قال شعراً فأطربا ... ووشى بروداً باليراع فأعجبا
جبرت انكساري إذا أجزت مصنفي ... بأبيات شعر قد حكت رقة الصبا
فما كل من وافى بحسنى يجيدها ... ولا كل من أولى الندى يجزل الحبا
فأقسم لو جاراك في الفضل فارس ال؟ ... كتابة أعني الفاضل ابن علي كبا
ومن للعماد الأصفهاني أن يرى ... ببابك دهراً واقفاً متأدبا
لأنت الذي أنسى بألفاظ نظمه ... ورونقها عصر الشبيبة والصبا
طريقتك المثلى التي اجتهد الورى ... على مثلها واستحسنوا منك مذهبا
ولم ير أحلى من يراعك أحمرا ... علت دهمة جاري من الطرس أشهبا
بقيت لنا ذخراً مآثر فضله ... يضوع لها في كل يوم لنانبا
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وكم سرحة لي في الربا زمن الصبا ... أشاهد مرأى حسنها متمليا
ويسكرني عرف الصبا من نسيمها ... فأقضي هوى من طيبه حتف أنفيا
وأسأل فيها مبسم الروض قبلة ... فيبرز من أكمامه لي أيديا
فلله روض زرته متنزهاً ... فأبدى لعيني حسن مرأى بلا ريا
غدا الغصن فيه راقصاً ونسيمه ... يكر على من زاره متعديا
ترجلت الأشجار والماء خر إذ ... نسيم الصبا أضحى به متمشيا
يغني لديك الورق والغصن راقص ... فيعرق وجه الأرض من كثرة الحيا
فأنشدته أنا لنفسي في هذا المعنى:
حسدت نسيم الروض في كل حالة ... ولا سيما يوم قطعناه بالحمى
فكم م عطفاً للغصون مرنحا ... وعانق قداً للقضيب مقوما
وقبل خد الورد وهو مضرج ... وثغر الأقاحي في الربا إذا تبسما
وكم بات يستجلي عذار بنفسج ... سقته الغوادي صوبها فتنمنما
ولما أمال القضب نقش ظلها ... وكبت كفا للغدير ومعصما
وفتح أجفاناً من الزهر أغمضت ... ونبه قمري الحمي فترنما
ولم أنسى وجه الروض يسفر ضاحكاً ... بأزهاره كالدر لما تنظما
فمذ فتحت فيه البروق جفونها ... تبرقع منها بالحيا وتلثما
علي بن محمد بن علي
ابن وهب بن مطيع، الإمام الفاضل محب الدين بن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
سمع من أبيه، وحضر عند عبد الوهاب بن عساكر، وسمع من الزاهد عمر الحريري القوصي.
وحدث بالقاهرة، وسمع منه أمين الدين محمد بن الواني الدمشقي وغيره.
كان فاضلاً فقيهاً في مذهب الشافعي، يعترف له بذلك كتاب الروضة والرافعي. قوي النفس عزيزاً، قل أن يرى للذل مجيزاً. اتصل بابنة الخليفة الحاكم، فأصبح لذلك وهو حاكم. وناب عن والده في الدروس، وسمعت فيه فوائده، وكانت زاكية الغروس.
ولم يزل على حاله إلى أن لحق أباه، وأجاب داعية وما أباه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة ست عشرة وسبع مئة.
ومولده بقوص سنة سبع وخمسين وست مئة.
علق على التعجيز شرحاً جيداً، ولم يكمله، وناب في الحكم في أيام والده.
قال الفاضل كمال الدين الأدفوي: ذكر لي بعض أقاربه أن الخليفة هو الذي ولاه النيابة عن والده، فإنه كان تزوج بنت الخليفة أبي العباس أحمد.
ودرس بالفاضلية والمدرسة الصالحية نيابة عن والده، ودرس بالكهارية والسيفية. وكان عزيز النفس مترفعاً.
قال كمال الدين: حكى لي القاضي سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي قال: كنت حاكماً بإخميم من جهة والده تقي الدين، فصحب محب الدين شخصاً من أهلها، فطلب منه كتاباً إلي في حاجة لذلك الشخص، فرسم بكتابته إلي، فلما كتب، قال له ذلك الشخص: إن أراد سيدنا أن شغلي ينقضي، يكتب له المملوك، فلم يوافق، فحلف عليه بالطلاق، فكتب: المملوك لله.
وكان يقال: إنه كان يأخذ الهدية في حال نيابته، ويأخذ معلوماً على السعي في الحاجات عند والده.
علي بن محمد بن علي
هذا علي هو أحد الأخوين التوأمين الملقبين بالحن والبن، وهما حفيدا الشيخ علي الحريري الكبير المشهور.
وكان هذا وأخوه قد دخلا في أذية الناس أيام قازان، وغرق هذا علي في جامع بعلبك بالسيل الذي جاء في سنة سبع عشرة وسبع مئة.
علي بن محمد بن علي
الشيخ الصالح الزاهد العابد بقية السلف، أبو الحسن البغدادي، الملقن بالجامع في الصالحية.
كان صالحاً خيراً، مجمعاً على صلاحه وحسن طريقته.
روى الحديث عن ابن الزبيدي، وابن اللتي، والناصح بن الحنبلي، وابن صباح، والقاضي ابن الشيرازي، ومحمد بن غسان، والجمال أبي حمزة، وعلم الدين بن الصابوني، وكريمة القرشية، وغيرهم. وخرجت له مشيخة وحدث بها.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع شوال سنة ثمان وتسعين وست مئة.
ومولده سنة ثلاث عشرة وست مئة.
وخرج جماعة من البلد لحضور جنازته والتبرك بها.
علي بن محمد بن علي بن أبي القاسم
علاء الدين أبو الحسن بن العدل بدر الدين العدوي الصالحي المعروف بابن السكاكري الشروطي.
أجاز له عبد العزيز بن الزبيدي، وابن العليق، وعبد الخالق النشتبري، وابن خليل. وسمع من ابن عبد الدائم، ومحيي الدين بن الزكي وجماعة.
حدث وتفرد ببعض شيوخه، وكانت له معرفة بإتقان المكاتيب، وعلم بغوامضها، وشهد على الحكام.
وكان قوي النفس، ثم إنه كبر وعجز، اعتراه نسيان وغفلة، وافتقر، وكان يلازم الجماعة.
ومولده سنة ست وأربعين وست مئة.