الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
بقية حرف العين
عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام
الشيخ الإمام العالم العلامة حجة العرب، أفضل المتأخرين، جمال الدين أبو محمد الأنصاري الحنبلي المصري.
شيخ النحو، ومن قام في أمره بالإثبات والمحو، أظهر فيه الإبداع وصنف، وقرط الأسماع وشنف، ونظر ودقق، وتعمد لأن تعمق وحقق، ورجح الأضعف، لذهنه المتوقد وأوهى الأقوى من الأقوال، وسهل المتعقد، وكد وكدح، وصد عن الباطل، وأطرب لما صدح، وناقض شيخنا أثير الدين وحجه، وعدل بمذاهبه عن المحجة، وكاد يميت ذكر أبي حيان، ويردي كل من جاء من جيان، فلو عاصره سيبويه لحاكم الكسائي إليه، وفصل أمر المسألة الزنبورية بين يديه، وفصل فصول كتابه وخلعها عليه، أو الفارسي لأجلب عليه بخيله ورجله، أو ابن جني لما كتم سر الصناعة من أجله، أو ابن مالك لكان له مملوكاً، وجعل به طريق التسهيل للناس مسلوكاً:
وأطلعه الفهم بعد النهي ... على مشكلات كلام العرب
ولم يزل بالقاهرة يصنف ويفيد، ويجود للطلبة بفوائده ويجيد، إلى أن نزلت به أم اللهيم الأربي، وفجعت به النحاة والأدباء.
وتوفي رحمه الله تعالى عشية الخميس خامس ذي القعدة سنة إحدى وستين وسبع مئة.
مولده تقريباً بعد العشرة وسبع مئة.
وكان في أول عمره قد تفقه للشافعي، ثم انتقل أخيراً إلى مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه، وحضر مدارس الحنابلة، وحفظ مختصر أبي القاسم الخرقي في دون الأربعة أشهر، مع ملازمة المطالعة والاشتغال، وروى الشاطبية عن قاضي القضاة ابن جماعة، وغيرها.
وصنف وأفاد وتخرج به جماعة من أهل الديار المصرية، ومن أهل مكة لما جاور بها، وأقرأ كتاب سيبويه مرات، وصنف كتباً في العربية منها: تعليقه على مشكل ألفية ابن مالك، ومنها: مقدمة في النحو سماها الإعراب عن قواعد الإعراب، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، وهو كتاب مفيد قد جود وبيضه فسوده، واشتهر في حياته في الشام ومصر، واشتغل به أهل العصر.
عبد الله بن أبي الوليد محمد
ابن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد التجيبي بن الحاج القرطبي المالكي.
إمام محراب المالكية بجامع دمشق، حدث عن ابن الثمانين، وكان مشهوراً بالصلاح.
توفي رحمه الله تعالى في سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة بظاهر دمشق.
وسيأتي ذكر والده في المحمدين.
عبد الله الفاتولة
بالفاء والألف والتاء ثالثة الحروف والواو واللام والهاء، الحلبي الدمشقي.
شيخ قد أسن، وبلي من الكبر فأشبه الشن، فقير حرفوش، مكشوف الرأس منفوش، عليه دلق رقيق، بالي الخرقة دقيق، قد تمكن منه الوسخ، وثبت فيه ورسخ، قد جمعه من عدة رقاع، والتقطه من متباعد البقاع، يعبث به الأطفال فيزط، وينهض لمناوشتهم وينط، له مجمرة يستدفئ بنارها، ويرتضي بعابها وعارها.
وكان عاقلاً، إلا أنه عن الصلاة لا يزال غافلاً، والناس مع ذلك يذكرون له كرامات، ويشهدون أنه يشهد في الملكوت مقامات.
ولم يزل على حاله إلى أن انحل فتل الحبل من الفاتوله، وأكلته أم دفر القاتوله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة سبع مئة.
وكان يجلس عند عقبة الكتان بدمشق.
أخبرني شيخنا الذهبي، قال: كان الفاتولة جيد العقل، لا يقرب الصلاة، ولا يسأل الناس شيئاً، فقلت أنا في ذلك:
يا معشر المسلمين هذا إبراهيم في غاية الضلال
ومن عجيب الزمان يبدو ... فاتولة العصر في انحلال
عبد الله الحاجب
الأمير جمال الدين الدمرتاشي.
كان رأس الميسرة في الحجبة بدمشق، ركابياً بخدمة دمرتاش بن جوبان المقدم ذكره، وحبس بعده في قلعة دمشق مدة مديدة، ثم أطلق، وتولى شد المسابك بدمشق، ثم تولى شد المواريث الحشرية بدمشق في سنة خمس وأربعين وسبع مئة، فيما أظن، ثم إنه تولى مدينة دمشق في أيام الأمير يلبغا، وخدم الناس وأحسن إليهم، ثم تولى ولاية البر، وجمع له بين ولاية المدينة والبر زماناً، ولم يهتك مستوراً، ثم إنه تولى القبلية وهو على حاله في خدمة الناس ثم إنه ولي إمرة الحجوبية في الميسرة إلى آخر وقت وهو على حاله في خدمة الناس ومسايستهم إلى سنة تسع وخمسين
وسبع مئة، فعزل عن الحجبة، وأخرج إلى طرابلس بطالاً، فأقام بها قليلاً، ورسم له بعوده إلى دمشق، فأقام بها بطالاً إلى أن توفي في ثاني القعدة يوم الجمعة سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
وكان قد حج في سنة خمس وخمسين وسبع مئة، وكان يزعم أنه في ولاية المدينة دخل إليه في الليل شيخ من الجن واعترف عنده أنه شرب الخمر وسأله أن يحده، وأنه فعل به ذلك، وطلبه فلم يجده، سمعت ذلك من لفظه غير مرة.
عبد الأحد بن أبي القاسم
ابن عبد الغني بن خطيب حران الشيخ العدل بقية الأخيار، شرف الدين أبو البركات بن تيمية التاجر.
سمع من ابن اللتي في الخامسة، ومن ابن رواحة ومرجى بن شقيرة، وعلوان بن جميع.
وكان له حانوت في البز، ثم انقطع، وحدث زماناً.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتي عشرة وسبع مئة في رابع شعبان.
ومولده بحران سنة ثلاثين وست مئة.
عبد الأحد بن سعد الله
ابن عبد الأحد بن سعد الله بن عبد القاهر بن عبد الأحد بن عمر الفقيه شمس الدين أبو محمد الحراني الشافعي.
كان فقيهاً فاضلاً، كثير التنفل، يستحضر الكثير من المذهب، وسمع الكثير ببغداد وبدمشق، وحدث، ومن شيوخه: ابن البخاري، وابن شيبان، ورقية بنت مكي، وابن الواسطي، والعماد بن العماد، والنفيس بن الكمال، والشمس بن الزين بدمشق. ومن شيوخه ببغداد: الكمال الفويرة، والرشيد بن أبي القاسم، ويوسف بن كرم، وابن الطبال، وعبد الرحيم بن الزجاج، وابن الدباب، وابن المريخ، وعبد المنعم بن عرندا. وسمع أيضاً بحماة وحلب والإسكندرية.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن البغداديين وجزءاً عن الشاميين، وحدث بهما فيهما عن أكثر من مئة شيخ.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
مولده بحران سنة ثمان وستين وست مئة، وكان يعرف بابن نجيح.
عبد الأحد بن يوسف بن الرزيز
تصغير رز.
خطيب جامع القاضي كريم الدين الكبير الذي بالقبيبات ظاهر دمشق، خطب فيه أول يوم فرغ من عمارته في شعبان سنة ثماني عشرة وسبع مئة، وضره جماعة من القضاة والعلماء وأرباب الدولة، وقصد الناس الصلاة خلفه لبركته وحسن خطابته.
عبد الباري بن أبي علي الحسين
ابن عبد الرحمن كمال الدين بن الأسعد الأَرْمَنْتي، بهمزة مفتوحة، وراء ساكنة، وميم مفتوحة، ونون ساكنة، وتاء ثالثة الحروف، القرشي البكري.
سمع من ابن النعمان وغيره.
كان متورعاً زاهداً، يقطع الليل هاجداً، عنده وسواس في النجاسات، وتخيل زائد في توهم القاذورات، بحيث إنه زاد أمره، وتغير مزاجه، وكاد يخيب فيه طبه وعلاجه، وغلبت عليه السوداء، وما يتبعها من فساد التخيل والأدواء، فطلع المنبر بقوص بعد صلاة الجمعة، وادعى الخلافة له في كل بقعة، ثم إنه صلح حاله بعد ذلك قليلاً، وبقي في عقابيل ذلك نزيلاً.
وكان فقيهاً مالكياً، ثم تحول شافعياً، وحفظ كتاب ابن الحاجب في الفروع، والتعجيز أكمله حفظاً بعد الشروع.
ولم يزل على حاله إلى أن لسعه ثعبان فمات من سمه، وعدم روح الحياة ولذة شمه، وذلك بقوص سنة ست أو سبع وسبع مئة.
قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: ذكر لي جماعة من قوص أن قاضي القضاة أبا الفتح القشيري قال له: اكتب على باب بلدك أنه ما خرج منها أفقه منك.
وكان عنده قمح قد انتقاه وغسله بالماء فيزرعه في أرض يختارها بنفسه يتولى زرعه وحصاده وطحنه، وعنده طين طاهر يعمل منه آنية ليأكل فيها ويشرب.
عبد الباقي بن عبد الحميد
ابن عبد الله بن أبي المعالي متى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن يوسف، الشيخ تاج الدين اليمني المخزومي.
كان أسمر اللون، ظريف الكون، شيخاً طوالاً، حسن العمة، بعيد الهمة، يدعي في الإنشاء أشياء لو صحت كانت معجزه، أو لو أتى ببعضها كانت من الغرائب الموجزة، لا يحقق شيئاً من العلوم، ولا مما يتصف به ذوو الألباب والحلوم، نعم كانت له قدرة على النظم والنثر، وهو فيهما كثير التردي في الردي والعثر.
وكان يقرئ في المقامات والعروض، ويحسن ما يدعيه بالتقادير والفروض، ونظمه أقرب إلى الجودة، ونثره يقال فيه كما قيل: قد عرفناك يا سوده، ويكتب