المحدث العدل، محب الدين بالندنيجي البغدادي الصوفي.
كان بخانقاه الشميساطي بدمشق، كان والده من المحدثين العدول، سمعه صحيح مسلم على أحمد البادسني عن المؤيد الطوسي، وأسمعه جامع الترمذي على العفيف بن الهني، وحدث بالكتابين غير مرة، وله إجازة من النشتبري، ومحمد بن علي بن السباك، وإبراهيم الزعبي، ومحمد بن الحصري، وعبد الله بن عمر بن أبي السعادات البندنيجي، وعلي بن عبد اللطيف بن الخيمي، وهؤلاء الستة من أصحاب ابن شاتيل، وأجاز له إلياس الحجبي من أصحاب خطيب الموصل. وأجاز له جماعة من بغداد، وذكر أن عمره في الواقعة اثنتا عشرة سنة، وكان ببغداد بواب الحجر، والحجر هي دار الوكالة، وقدم الشام، وأقام بالقدس ودمشق نحو سبع عشرة سنة.
وكان طويلاً له مهابة، وعلى ذهنه من أخبار بغداد والواقعة شيء كثير، وكان سماع لجامع الترمذي سنة تسع وأربعين وست مئة، وسماعيه لصحيح مسلم سنة خمسين وست مئة، كلاهما بدار الخلافة ببغداد.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأحد سابع المحرم سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ودفن بمقابر الصوفية بدمشق، وله ثلاث وتسعون سنة.
وكان قد سمع مسند ابن راهوية من العز أحمد بن يوسف الأكاف بإجازته من ابن الخير بن الطالقاني، وقيل: سمع من ابن الخير. سمعت عليه صحيح مسلم بكماله بدار الحديث الأشرفية بقراءة المحدث ناصر الدين محمد بن طغريل بحضور
جماعة من الأشياخ، منهم شيخنا المزي وغيره. أجاز لي بخطه، وكان سماع صحيح مسلم في مدة آخرها سادس عشر شهر رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة. وكان يجلس للإسماع والقارورة مشدودة على وسطه للبول، لأنه كان ضعفت قوته الماسكة رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن نبهان
الشيخ ابن الشيخ المشهور، شيخ البلاد الحلبية، وسوف يأتي ذكر والده إن شاء الله تعالى في المحمدين.
لما توفي والده رحمه الله تعالى جلس هو مكانه، وقدم إلى دمشق، وحج، وزرته واجتمعت به صادراً ووارداً في سنة ثمان وأربعين أو في سنة سبع وأربعين، وعاد إلى بيت جبرين قريتهم.
ولم يزل بها إلى أن توفي رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
علي بن محمد بن هارون
ابن محمد بن هارون بن علي بن أحمد الثعلبي الدمشقي، نزيل القاهرة، الشيخ المحدث الصالح المعمر المسند نور الدين أبو الحسن.
كان قارئ العامة.
سمع حضوراً في الرابعة وفي الخامسة من ابن صباح، وابن الزبيدي، والناصح بن الحنبلي. وسمع من الفخر الإربيلي والمسلم المازني ومكرم بن أبي الصقر، وعدة. وروى الكثير، وتفرد في وقته، وأكثر الطلبة عنه والرحالة.
وكان خيراً ناسكاً متواضعاً حسن القراءة محبباً إلى العامة.
خرج له شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى مشيخة. وسمع منه شيخنا أبو الفتح، وشيخنا البرزالي، وشيخنا الذهبي، وهو آخر من حدث وسمع من ابن صباح.
وتوفي رحمه الله تعالى سابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ست وعشرين وست مئة.
علي بن محمد بن علي بن عبد القادر
الإمام الشيخ نور الدين ابن الإمام كمال الدين أبي عبد الله الهمداني.
كتب لي في إجازته ولأخي إبراهيم ولأختي يواش، ومن ذكر اسمه في الإجازة، بخطه في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة:
من بعد حمد الله ذي الإحسان ... ثم الصلاة على الرضي المنان
لهم أجزت جميع مالي أن أرو ... يه على من نص أهل الشان
وأنا علي بن محمد بن علي ابن ... الشيخ عبد القادر الهمداني
وإلى تميم نجل مر نسبتي ... لأبي وأمي قال ذا الجدان
وولدت عام اثني ثمانين التي ... بعد المئين الست في رمضان
قتل: قوله: المنان في وصف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجوز، فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يطلب الجزاء على بلاغ الرسالة، ولم يمن على أحد بذلك، كيف وقد قال له الله تعالى " ولا تمنن تستكثر " " بل الله يمن عليكم أن هداكم ".
ثم كتب بعض الفضلاء بخطه في النسخة التي بخط المصنف المنقول منها هذه النسخة ما صورته: " المنان هو ذو المن، سواء امتن بها أم لا، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له المنن الجسيمة والأيادي التي لا تحصى، فإطلاق لفظ المنان عليه عندنا لا يمتنع، فإنها صفة مدح، ولذلك كانت من جملة الأسماء الحسنى، وهي قائمة به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأي مانع من إطلاقها عليه، وأما قوله تعالى: " ولا تمنن تستكثر " فهو في غير ما نحن فيه ".
علي بن محمد
الشيخ الإمام علاء الدين أبو الحسن الشافعي المعروف بابن الرسام، وكيل بيت المال والمدرس بصفد.
كان حسن الود، جميل التحية والرد، ليس فيه شر، ولا عنده أذى، إذا كر وإذا فر، يرعى عهود أصحابه، ويؤويهم إلى رحابه، ذا مروءة زائدة، وفتوة لمباني المجد شائدة.
وكان قد حفظ التعجيز، وطالع عليه شرح الوجيز، يكتب بيده اليسرى خطاً كأنه العقود المنظومة، أو حلل الوشي المرقومة، يعجب كل من يراه، ويجعل كل أحد إليه سيره وسراه.
لم يزل على حاله إلى أن جعل الموت ربع ابن الرسام رسماً، وعدم الوجود منه جسماً لا اسماً.
وتوفي رحمه الله تعالى في العشر الأواخر من شهر ربيع الآخر سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون صفد.
وقلت لما بلغتني وفاته بعد وفاة جماعة من الأصحاب في صفد:
لما افترست صحابي ... يا عام تسع وأربعينا
ما كنت والله تسعاً ... بل كنت سبعاً يقيناً
كان والده جندياً، واشتغل في مبادي أمره على شيخنا نجم الدين بن الكمال خطيب صفد، ثم إنه نزل إلى دمشق، واختص بالشيخ صدر الدين بن الوكيل بدمشق وبمصر، وقرأ عليه وعلى غيره، وسمع الحديث بدمشق وبمصر، وصحب الأمير بكتمر الحاجب، وتوكل له. ولما حضر إلى صفد نائباً جاء إليه فأعطاه بها التدريس بالجامع الظاهري، ثم فيما بعد أخذ وكالة بيت المال.
وكان عنده مشاركة في العربية والأصولين، وكان يلثغ في الجيم يجعلا كافاً، يشمها شيناً معجمة، وكان لو أكل فسقتة واحدة عرق لها من فرقة إلى قدمه.
وكنت قد قرأت عليه في صفد كتاب التعجيز وهو الذي نقلني إليه بعد ما حفظت ربع التنبيه، ولم يقطع عني مكاتباته في مصر ولا في الشام. رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن عبد العزيز بن فتوح
ابن إبراهيم بن أبي بكر بن القاسم بن سعيد بن محمد بن هشام بن عمرو. الصدر الرئيس الفاضل العالم النحرير المدقق المفنن الفريد الخواجة تاج الدين أبو الحسن بن الصاحب موفق الدين بن عز الدين بن موفق الدين أبي الفتح الثعلبي الشافعي المعروف بابن الدريهم الموصلي، مصغر درهم، والدريهم لقب لسعيد أخي محمد بن هشام، قال في وقت: دريهماً، فلزمه ذلك، وهو ابن أخت الشيخ بهاء الدين الحسين الموصلي المعروف بابن أبي الخير المقدم ذكره في حرف الخاء.
كان أعجوبة من أعاجيب الزمان في ذكائه، وغريبة من غرائب الدهر تشرق سماء الفضل بذكائه، دقيق الغوص على المعاني شديد التنقيب على ما يتصف به من العلوم ويعاني، خاض بحار المنقول، وقطع مفاوز المعقول، خصوصاً فن الرياضي وما يتشعب فيه، والكلام على أسرار الحروف وما يلائم طبعه أو ينافيه. له قدرة على تأليف المناسبات واستحضار الأشباه والنظائر في المطارحات والمقايسات، تام الشاكلة، وافر الجلالة:
أدب لم تصبه ظلمة جهل ... وهو كالشمس عند وقت الطلوع
ويد لا يزال يصرعها الجو ... د ورأي في الخطب غير صريع
وله تصانيف كثيرة في غر ما فن، وتواليف قنصت ما شرد فيه وما عن، وكانت
له نعمة طائلة فذهبت، وسعادة خدمته أياماً، فانجلت وما أنجبت، وسعى فأخفق، ولم بارق حده وما حقق.
وتوجه إلى مصر غير مرة فما أجدى، وكد حظه فأعطى قليلاً وأكدى، واستشار حتفه بسعيه الذي نبشه.
وآخر ما أولاه أن توجه رسولاً إلى الحبشة، فقطع الحين عليه الطريق قبل وصوله، ولم يقبض ابن الدريهم فيه فلساً من وصوله.
وجاء الخبر بوفاته رحمه الله تعالى في صفر سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
ومولده ليلة الخميس منتصف شعبان سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بالموصل.
سألته عن مولده فأخبرني بما أثبته، وقال لي: قرأت القرآن بالروايات على الشمس أبي بكر بن العلم سنجر الموصلي، وتفقهت على الشيخ زين الدين ابن شيخ العوينة الشافعي.
وحفظت الهادي وبحثت الحاوي الصغير على الأشياخ، منهم القاضي شرف الدين عبد الله بن يونس من شرح والده كمال الدين الصغير.
وحفظت في العربية الملحة وألفية ابن معط وألفية ابن مالك، وبحثت في التسهيل.
وقرأت شيئاً كثيراً من الرياضي على الشيخ زين الدين ابن الشيخ العوينة.
وسمع بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين بن التركماني، وشمس الدين بن الأصفهاني، ونور الدين الهمذاني صحيح البخاري، وسمعت بها صحيح مسلم وسنن أبي داود وبعض الترمذي.
وأجازني الشيخ أثير الدين أبو حيان، وقرأت عليه بعض تصانيفه، وأجازني جماعة أشياخ انتهى.
وتوفي والده وهو صغير، خلف نعمة طائلة، فاستولى عليها بيت شيخ البلد بالموصل كمال الدين، ومعين الدين بن الريحاني ولم يطلعوه منها إلا على القليل، وانتشأ يتيماً وهو بنفسه وهمته يجتهد ويشتغل في العلم، ولم يكن له من يحرضه على ذلك، ثم إنه لما اشتد تسلم مقداراً يسراً من ماله من بيت شيخ البلد، وسافر به إلى الشام ومصر، وحصل من ذلك ثروة عظيمة، ثم ذهبت.
قلت: أول قدومه إلى مصر في متجر في زي الخواجية سنة اثنتي أو ثلاث وثلاثين وسبع مئة، ثم إنه عاد إلى البلاد، وتردد بعد ذلك إلى الشام ومصر غير مرة، ولم أر أحداً أحد ذهناً منه في الكلام على الحروف وخواصها، وما يتعلق بالأوفاق، وأوضعها. ورأيت منه عجباً، وهو أنه يقال له ضمير عن شيء يكتبه السائل بخطه، فيكتبه هو حروفاً مقطعة، ثم يكسر تلك الحروف على الطريقة المعروفة عندهم، فيخرج الجواب عن ذلك الضمير شعراً ليس فيه حرف واحد خارجاً عن حروف المضير، وكونه يخرج ذلك نظماً قدرة على تأليف الكلام، وله مشاركة في غير ما علم من فقه وحديث وأصول دين وأصول فقه وقراءات ومقالات ومعرفة فروع