وبه غيرك من قبلك قد قلد نحره
فاغتفر هفوة هاف ... جاء بالأعذار شعره
وليفز منك بعفو ... وليقم عندك عذره
فكتب علاء الدين الجواب عن ذلك:
يا مجير الدين يا من ... أعجز الألسن شكره
وله بحر نوال ... عغمر العافين غمره
والذي يحلو بأفوا ... هـ ذوي الألباب ذكره
والذي بذ فحول الشعر في المضمار شعره
والذي فوق السماكين وفوق النسر قدره
كل مفضال أياديه بها قلد نحره
أيها الحبر مجير الدين والمحمود خبره
جاءني منك قريض ... يسكر الألباب خمره
جامع در المعاني ... عونه فيه وبكره
حل في القلب كما حل بروض الحزن قطره
بل كما ضاء لساري الليل في الظلماء بدره
نحو من يطلب من جو ... دك أن يبسط عذره
عبد إخلاص تساوى ... سره فيك وجهره
وإلى رؤيا محيا ... ك فني والله عمره
علي بن محمد بن أحمد
ابن سعيد بن سالم بن عمر بن يعقوب، القاضي علاء الدين أبو الحسن المعروف بابن الفامي، المحتسب بدمشق.
اشتغل بمذهب الشافعي ودرس، وأدلج في طلب العلم وعرس، وسهر ودأب، ومهر لما طلب، واشتغل بالشام ومصر، وتوجه إلى الإسكندرية، ولم يؤخذ له على السعي إصر. وتولى تدريس المدرسة الأمينية، وصفا ظاهره في ذلك والنية. ثم باشر الحسبة، ووفر الله تعالى منها كسبه، وأقام فيها مدة وعزل، وكان قد طلع بدره فيها كاملاً، ثم أفل لا بل خسف وخزل، وتمر فيها أموالاً، ولم يبل بالدهر أعاداه أم والى. وعمر أملاكاً لها صورة، وذخائر غير محصور. ثم إنه وليها ثانياً، ورد الدهر عنان سعده ثانياً، إلا أنه أخنى عليه بعد مدة يسيرة، وجعل عين تطلعه إليها حسيرة. ولكنه جبر وقته مع الله بالتوبة منها، وترحل عن امتطاء صهوتها، ونزل عنها، وخف منها حاذه، وأقلع غيم وابله وقل رذاذه. وكان قد أنهكه المرض، وزال عن أعاديه إليه الغرض.
ثم إن ابن الفامي ألفى مي المنية، وسددت إليه سهام الحين من تلك الحنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة السبت سادس عشري صفر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده في سنة إحدى وعشرين وسبع مئة.
كان قد حفظ التنبيه في الفقه، والعمدة في الأحكام ومقدمة ابن الحاجب، ومختصر ابن الحاجب، وسمع من زينب بنت الكمال، وأبي عمر وعثمان بن سالم بن خلف، ومحمد ابن إسماعيل بن الخباز، والحافظ أبي الحجاج المزي، وزينب بنت الخباز، ومن بهاء الدين بن إمام المشهد، وعليه اشتغل بالعلم وبه تخرج.
وكان أولاً قد تزوج بابنة القاضي زين الدين بن النجيح الحنبلي نائب قاضي القضاة علاء الدين بن المنجا، وكان يكتب الحكم عنه بالمدرسة الجوزية، وكان تولى الأمينية مدرساً بها في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة لما كان السلطان الملك الصالح صالح بدمشق في واقعة بيبغاروس بعد وفاة ابن عمه بهاء الدين بن إمام المشهد، ثم إنه تولى حسبة دمشق في أوائل سنة أربع وخمسين وسبع مئة في أيام الأمير علاء الدين أمير علي المارديني، ثم تزوج زوجة ابن عمه أيضاً وهي الحموية، فورثه في مدرسته وفي الحسبة وفي الزوجة.
وعزل من الحسبة سنة تسع وخمسين بالقاضي عماد الدين الشيرجي، ثم تولاها في شوال سنة اثنتين وستين وسبع مئة، ثم إنه لما أثقل حاله في المرض نزل عنها من ذاته، وخلف عدة من الأولاد الذكور وغيرهم، واشتملت تركته على ثلاثة مئة ألف درهم ما بين عين وأملاك ومجلدات وغير ذلك.
كان لي تنور قد تعطل في أيام حسبته الأولى، فكتبت أنا إليه في ثامن شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسين وسبع مئة:
يا سيداً هو بالإحسان محتسب ... أجراً يوازنه في الحشر ثهلان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
يا سيداً هو في الإفضال مبتدأ ... وفي البلاغة والآداب سحبان
أشكو إليك من التنور عطلته ... وأنت في العلم والإفضال طوفان
علي بن محمود بن إسماعيل بن معيد
الأمير علاء الدين البعلبكي.
كان شكلاً طوالاً، جسيماً لم ير له مثالاً، بديناً إلى الغاية، بديلاً من الفيل في العظم والنهاية؛ إلا أنه كان من رجالات الناس رياسة، ودربة وخبرة ومعرفة وسياسة، خبيراً بالأمور ومعالجة الجمهور، دون دهاء وخداع، وملقه ملق واتضاع، خدم الناس وتقدم، وتقرب إليهم فأحمد عقبى ذلك وما تندم، فانتقل من الجندية إلى إمرة العشرة، ثم إلى الطبلخانات والولايات المشتهرة، وولي نظر الأوقاف بدمشق مدة، ثم تولى القبلية ويده إلى أعلى من ذلك ممتدة.
وكان تنكز يحبه لمعرفته، ويقربه ويوليه لدرايته ودربته.
ولم يزل في صعود، ومراقي سعود، إلى أن مرض بالقبلية، وقدم إلى دمشق فطالت علته، ولم تستد بالعلاج خلته، ونشرت له من الكفن حلته.
وتوفي رحمه الله تعالى في خامس عشري ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة ودفن بالمزة.
وكان قد ليس للإمرة بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة خمس وسبع مئة. هو وعز الدين خطاب وسيف الدين بكتمر ومملوك الأمير سيف الدين بكتاش.
وولي البر بدمشق عوضاً عن الأمير شرف الدين بن البرطاسي في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبع مئة. ثم إنه ولي شد الأوقاف في سابع عشري شهر رجب سنة عشرين وسبع مئة مضافاً إلى ولاية البر، ثم إنه عزل منهما وتولى القبلية بحوران يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة إحدى وعشرين وسبع مئة، عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر والي الولاة، وتولى أخوه الأمير بدر الدين بن معبد شد الأوقاف، وتولى ولاية البر علم الدين الطرقجي.
وكان أبوه شرف الدين تاجراً ببعلبك من عدولها، فنشأ ولده هذا وتعلق بالدول وخدمها إلى أن تولى شد الأوقاف بدمشق، وتولى البر مدة، ثم جهز إلى القبلية، فقلق فيها، ومرضن وحضر إلى دمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان قد سمع من المسلم بن علان ببعلبك في سنة سبع وسبعين وست مئة قطعة من مسند الإمام أحمد.
قال شيخنا البرزالي: وسمع بقراءتي ببعلبك سنة إحدى وثمانين وست مئة.
وسيأتي ذكر أخيه الأمير بدر الدين محمد بن معبد في مكانه إن شاء الله تعالى.
وكان من سمنه إذا نام يحرسه اثنان، فإذا غط أنبهاه، فيقال إنهم غفلوا عنه فنام
فغط فمات، والله أعلم. كذا جرى للأمير سيف الدين كشلي الآتي ذكره في مكانه إن شاء الله تعالى.
علي بن محمود بن حميد
العلامة البارع علاء الدين أبو الحسن القونوي الحنفي الصوفي، المدرس بالقليجية.
سمع من الحجار، والجزري، وعدة. ودار على المشايخ قليلاً وحببت إليه الآثار، وخرجت له مشيخة، ولازم الكلاسة يقرئ العلوم فيها، وينفع من كان طالباً نبيهاً، مع ديانة لا تجهل، وصيانة لا يسمع أحد بذكرها إلا ويذهل، وتواضع على علو قدره، وسمو بدره، ودنو غيثه في العلم وقطره، أقام على ذلك برهة، ولأهل العلم بفوائده في كل وقت نزهة.
ولما توفي شيخ الشيوخ القاضي بدر الدين المالكي تولى هو مكانه، وقال له المنصب باستحقاقه،: كن، فكانه.
وأقام فيه قليلاً إلى أن حشرج صدره، وأفل من سماء الحياة بدره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعو دمشق.
وكان يعرب لديوان الإنشاء الكتب التي ترد عليه بالعجمية من البلاد الشرقية. وكان يقرئ الطلبة في البزدوي وابن الساعاتي وفي منهاج البيضاوي، وفي
مختصر ابن الحاجب، وفي الحاجبية، وربما أقرأ في الحاوي الصغير للشافعية.
ولما توفي قاضي القضاة شرف الدين المالكي تولى هو مشيخة الشيوخ مكانه، وكان القاضي شرف الدين يأخذ من كل خانقاه في الشام في كل شهر عشرة دراهم، وفي كل يوم نصيبين. ولما تولى القونوي ذلك أبطله ولم يتناوله.
وكان فيه سكون زائد إلى الغاية رحمه الله تعالى. وممن قرأ عليه أخي إبراهيم رحمه الله تعالى في المنهاج للبيضاوي.
علي بن محمود بن إبراهيم
الشيخ الصدر الرئيس علاء الدين بن جوامرد الفراء.
كان رجلاً جيداً مشكور السيرة، يقصده الناس، ويقضي حوائجهم، قارب التسعين، وكان تاجر الخزانة، وله على ذلك معلوم.
توفي رحمه الله تعالى في سادس عشري المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، ودفن بجبل قاسيون.
علي بن مخلوف
ابن ناهض بن مسلم النويري، قاضي القضاة زين الدين أبو الحسن المالكي.
حكم بالديار المصرية نيفاً وثلاثين سنة.
سمع المرسي، وروى عنه. وسمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وغيرهما.
كان كثير المروة، غزير الفتوة، وافر الاحتمال، كثير الإحسان إلى أهل العلم والاشتغال، يكرم العدول، ولا يرى له عن تعظيمه عدول، قد درب الأحكام فصار ابن بحدتها وخبر فصل القضايا، ما تخفي علي وهدتها من نجدتها، وكان به لمصر فخار، وللمنصب به اشتهار.
ولم يزل على حاله إلى أن اعترف أجله بما جحد، وأصبح ابن مخلوف، ولم يخلفه أحد. وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري شهر جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة وسبع مئة.
ومولده بالنويرة من أعمال البهنسة أربع وثلاثين وست مئة. وأظن الشيخ صدر الدين بن الوكيل فيه يقول:
إلى مالك يعزونه ونويرة ... فلا عجب إن كان يدعى متمما
ولولا أن هذا البيت من المرقص لم أذكره هنا.
وتولى القاضي زين الدين بن مخلوف رحمه الله تعالى قضاء الديار المصرية في أواخر سنة خمس وثمانين وست مئة عقيب وفاة ابن شاش. ولما توفي هو رحمه الله تعالى تولى المنصب بعده قاضي القضاة تقي الدين ابن الأخنائي.