والصالحين، وله ورد من التلاوة. وروى جزء ابن الفرات عن ابن عبد الدائم، وسمع من غيره. وعمر داراً مليحة إلى جانب الركنية، ومات بعد فراغها بمدة يسيرة.
علي بن يحيى بن إسماعيل بن القيسراني
القاضي علاء الدين ابن القاضي شهاب الدين ابن القاضي الصدر الكبير عماد الدين.
نشا في حياة والده، ودخل ديوان الإنشاء في دمشق في أواخر أيام سيف الدين تنكز، وقطع بعده، ثم إنه استخدمه الفخري.
وكان شاباً عاقلاً، ساكناً متثاقلاً، كثير الصمت، بهي السمت، كتب جيداً في قلم الرقاع، وروض به الطروس، فكانت كالزهر النابت في أخصب البقاع، واشتغل وحصل، واجتهد في طلب الأدب وأصل.
وكان والده يجتهد عليه، ويود لو ساق الفضائل بأزمتها إليه. وكان في ذهنه وقفة تقصر به عن اللحاق، وتجعل بدر فضله مخصوصاً بالمحاق؛ إلا أنه حفظ الحاجبية والمعلقات بعد القرى، العظيم، وأحرز غير ذلك في عقده النظيم.
ولم يزل على حاله إلى أن أذوى الموت زهرته الغضة، وجعل الدموع من الحزن عليه مرفضة.
وتوفي رحمه الله تعالى.... من شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
كان قد مرض مرضة طول فيها، وأقام قريباً من سنة، ثم إنه حصل له استقاء، ولوالده رحمهما الله تعالى، ومات والده قبله بشهر، وأفاق هو، ثم إنه نقض الاستسقاء عليه ومات.
وكان بعد إمساك تنكز، قد منع من مباشرة كتابة الإنشاء بدمشق، ولما جلس الفخري في القصر الأبلق استخدمه، فكتبت له توقيعاً ارتجالاً، ونسخته:
رسم بالأمر العالي لا زال وليه علياً، وحفيه بكل خير ملياً، وصفيه تقر به السيادة من الدول نجياً، أن يعاد المجلس السامي القضائي العلائي إلى كتابة الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة، لأنه من قوم كل منهم كريم. وكاتب ورئيس، إذا ابتدع في المعالي طريقة لم يكن له فيها تابع ولا عاتب، ومدبر لم يرتب الزمان أن ذكر مجدهم المؤثل فيه راتب، نشأت أصولهم في رياض بلاغة ووزارة، وسارت محامدهم في الآفاق فأخجلت الكواكب السيارة، وجرت بسعودهم التي ورثوها من جدودهم الأفك المدارة. وسكن الزمان بجبال حلومهم الراسخة بعد الطيش، واستغنى الملوك بكتبهم عن تجهيز الكتائب إلى كل جيش، وطابت أنفاس السحر برياهم؛ لأن بني مخزوم ريحانة قريش، وضربت أعراقهم حتى اتصلت بخالد بن الوليد، ونظر الناس منهم كل كفو غناه كالذهب عتيد، وباسه كالحديد شديد، وتجمل الدهر منهم بمدبر كان موفقاً في خدمة نور الدين الشهيد، طالما جالسوا الملوك على أسرتهم، وجاودوا الغيوث فعموا الأنام بمبرتهم، ونادموا النجوم فعاطوهم كؤوس مسرتهم، كما أغاث قلمهم ملهوفاً، وكان بمعرته جارماً، وكم حلب في حلب وغيرها رزقاً، وفي غيرها، وما كان حارماً.
فليباشر ذلك مقتدياً بما لأبيه أدام الله تعالى نعمته في هذه الوظيفة من الآثار الحميدة، والمناقب التي أخذت أياديها على المحامد عهوداً أكيدة، والآثار التي لا يطاول
الزمان قصورها المشيدة، والفضائل التي هي في الديوان بيت القصيدة، حتى تجملت به الدنيا، وأقسم الفضلاء أن القاضي الفاضل لم يقض نحباً، وأنه يحيا، مهتدياً بسمت عمه خلد الله سعوده، فإنه لهذه الدنيا شرف، ولهذه الأيام من أقلامه غاب لا يدخلها ليث خطب إلا انهزم وانصرف، ولهذه الأيام من تواقيعه جنات فيها حور الأرزاق، تأوي إلى غرف، وليدبج بأقلامه المهارق التي تمطرها البلاغة، وتعلم الناس بمعانيها كيف يكون السحر وبألفاظها صناعة الصياغة. والوصايا عنهم يؤخذ بيانها، ومنهم يشير إلى الهدى بنانها فما ينبه عليها، ولا يدل على الطريق الآخذة إليها، وتقوى الله هي العمدة، والذخر العتيد عند الشدة، فلا ينسى فيها نصيبه، ولا يقدم غيرها في المهمات كتيبة، والخط الكريم أعلاه حجة في العمل بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.
وكتب إليه رحمه الله تعالى وقد عرض علي من حفظه المعلقات السبع وملحة الإعراب للحريري: أما بعد حمد الله تعالى حق حمده، وصلاته على سيدنا محمد نبيه وعبده وسلامه، فقد عرض علي الجناب الكريم العلائي ابن المقر الشريف الشهابي بن القيسراني:
مولى إذا أعمل أقلامه ... لم يبق في الجود لغيث حصص
فالبرق من حرقته يلتظي ... والرعد في السحب كثير الغصص
لذا ألو الحاجات في بابه ... تطرب إن وقع فوق القصص
جميع المعلقات السبع من أولها إلى آخرها، وملحة الإعراب للشيخ أبي محمد القاسم بن الحريري رحمه الله تعالى في مجلس واحد عرضاً عن ظهر قلب، وهذا يتعدى إلى اللب بهمزة السلب، كالسيل إذا تحدر على الحقيقة من علي، والجود إذا أتى من كريم ملين والحق إذا توضح من جليل جلي:
فما رآه ناظري عارضاً ... لكنه صاحب ديوان
وما تفاءلت له كاتباً ... بل حاكماً في صدر إيوان
وقد شهدت له فراستي أنه ينزل من العلم الشريف في أعلى ربع، ويعرف اللغة، فلا يغيب شيء من غابها عنه، لأنه قد حفظ السبع، ويترقى في سماء الفضائل بدراً لا يغيب عنها، ولا يغرب، ويخرس الفصحاء ببيانه حتى لا يعرب كلامه يعرب، والله يسعده سعادة يزين الدياجي بسرجها، وتصعده رتباً، رقي أهل بيته في درجها، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
علي بن يحيى
ابن محمد بن عبد الرحمن السلمي، الحنفي، الرئيس، القاضي، علاء الدين أبو الحسن بن جمال الدين بن الفويرة.
كتب هذا علاء الدين الخط المنسوب الباهر، وجود النسخ الذي يفضح الروض
إذا كان بإزاء الأزاهر، وأتى بخطه في قوائم الحساب، كأنه عقود الجواهر، ونبغ بعد والده ورأس، واحترز من مطاعن السيادة. واحترس.
وكان بيده شهادة الخزانة ونظر الأسرى، ووجد من ألم هذا النظر ما رجعت به عينه حسرى، وخرج عنه مرات، وعاد إليه، ولكن بعد ما أتى على ما لديه، ثم خرج عنه آخراً، وعدم منه على ما قيل بحراً زاخراً.
ثم إنه رسم له بتوقيع الدست في الشام، فباشره دون نصف العام، وجاءه حينه، وملئت بالتراب عينه.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء ثالث عشري شوال سنة أربع وخمسين وسبع مئة.
كان في نظر الأسرى فسلط عليه القاضي علاء الدين بن الأطروش محتسب دمشق، فأخذها منه في أيام الأمير سيف الدين يلبغا، فاحتاج إلى كلفة حتى بطلت القضية. ثم إنه أخذها مرة أخرى فيما أظن أو غيره، فاحتاج إلى كلفة، ثم أخرجت عنه، فاحتاج إلى كلفة، ثم إنها خرجت عنه للأمير ناصر الدين بن المحسني، وبقي منها بطالاً إلى أن حضر القاضي علاء الدين بن فضل الله إلى دمشق صحبة السلطان الملك الصالح، فسأله أن يكون في الدست موقعاً، فوعده بذلك إذا وصلوا إلى مصر. ولما وصلوا جاءه التوقيع، وباشر، وجرى عليه ما لم يجر على غيره لكونه دخل في هذه الوظيفة، وليس من أهلها، ونظم الشاميون والمصريون في ذلك، فمن ذلك قول القاضي شمس الدين محمد بن قاضي شهبة، وأنشد فيه من لفظه:
توقيع مملكة الدست الشريف غدا ... يقول من حنق الأنفاس مغبون
صبرت للقط لما لم يكن نجساً ... صبر المؤمل من حين إلى حين
وبالفويرة قد أصبحت ذا نجس ... بالله يا أولياء الأمر كبوني
وأنشدني لنفسه أيضاً:
توقيع دست المسلمين يقول لم ... أذنب ولم أجرم ففيم قصاصي
في الشام تقرض بالفويرة حلتي ... والقط في مصر فكيف خلاصي
وأنشدني من لفظه لنفسه نجم الدين أحمد بن غانم:
أدست الملك أنت عظيم قدر ... وأنت كبدر أفق وسط داره
فما لك بالقذارة يا مفدى ... أهنت وحط فيك اليوم فاره
وأنشدني آخر:
توفيع ديواننا ينادي ... يا رب ما للأنام غيره
اضربي القط والزغاري ... وقد تنجست بالفويره
وكان الأمير علاء الدين ألطنبغا وهو نائب دمشق قد رسم له بصحابة ديوان الجامع الأموي في سابع شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكتبت له توقيعاً بذلك ونسخته: " رسم بالأمر العالي لا زال علياً وليه، نجياً صفية، ملياً إحسانه إلى من يرى به المنصب وفيه وفيه، أن يرتب المجلس السامي القضائي العلائي في كذا، لأن الكاتب
الذي راحت براحته الطروس مدبجة، والسطور شفاها، وحروفها لاختلاف وضعها ثغور مفلجة، والمداد مسكاً لأن المعاني به نافجة نافحة، ولا يقال نفجة، والحاسب الذي لو شاء لقط النيل على أصابعه، وحرر حركات البرق بعقود أنامله التي هي أسرع من لوامعه، وضبط حاصل الجامع حتى أصبح مأسوراً في جوامعه، والأصيل الذي تتردد الرئاسة خلال خلاله، وتتعدد السيادة من معاطفه إذا خطر في حلة كماله، وتشهد له المحاسن فإن الناس طالما شاهدوا إحسان جماله ".
فليباشر ذلك مباشرة تليق برئاسته، وتضمن له الفضل الذي يديم الله له ملابس تناسته، حتى يقول الناس: إن الليث قد فاز بمدح شبله، والغيث حاز المنح بوبله، ويقسم المجد بهذا البلد ووالد وما ولد إن الفضل به اتحد، واشتمل عليه وبه انفرد، وهذا الجامع عمره الله تعالى بذكره يتحقق أنه ذو حسن ورونق يطرب من يلقها ومن ذا الذي لم يطرب لمعبد أمواله جمة، وأحواله مهمة، ولياليه بوقودها متوضحة إذا كانت أيام غيره مدلهمة، عليه جملة من الرواتب، وعدة من الجوامك تدرها سحائب النفقات من يد كل كاتب، يسترفده حتى بيت المال، وناهيك بذلك وتستجديه بقية المساجد، فينير لياليها الحوالك.
فليعمل جهده في حراسة ماله، وصيانة ما يساق لزينته وجماله، وليجتهد فيما هو لازمه من وظيفة جملت الأوان، ويعتمد على السداد، فما له رفيق إلا وله بيت وهو
صاحب الديوان. والوصايا كثيرة، وتقوى الله عز وجل أفضل ما شرحه لسان قلم، وخفق له في العمل الصالح عذبات علم، فليجعلها له حرماً، ويستدر بها من الله عز وجل نعماً.
والحظ الكريم أعلاه، حجة العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.
علي بن يعقوب بن أحمد
ابن يعقوب علاء الدين ابن الشيخ شرف الدين بن الصابوني.
كان شاباً ابن ثلاثين سنة، وسمع الكثير بدمشق، والقاهرة.
توفي بكرة الجمعة تاسع عشري جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، ودفن بمقابر باب النصر بالقاهرة.
علي بن يعقوب بن جبريل
الشيخ الإمام العالم نور الدين أبو الحسن البكري المصري الشافعي.
كان يذكر له نسباً يتصل بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، منه إليه عشرون اسماً.
قرأ بنفسه مسند الشافعي على وزيرة بنت المنجا.
وكان يطرح الكلف، ويمشي على طريق من سلف، ينهى عن المنكر، ويأمر بالمعروف، ويبالغ في ذلك وهو به موصوف. ووثب مرة على العلامة ابن تيمية، وأنكر عليه أموراً والله أعلم بالنية، وأنكر على الدولة أمراً لم يجد من يساعده، وتولى